الرئيسية / . / غادة خليفة.. الخيوط المهملة تزلزل الجدران

غادة خليفة.. الخيوط المهملة تزلزل الجدران

شريف الشافعي

المُفتَتَح دائمًا، لأي فعل أو رغبة أو حركة، أو حتى خيال، في تجربة الشاعرة غادة خليفة، هو التحرر، المشار إليه في أكثر من موضع بـ “الانطلاق”، و”التحليق”. أما الانكسار، فما هو، ببساطة، إلا فقدان القدرة على “الطيران”.

في ديوانها “نسيج يستيقظ” (الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2015)، تستهل الشاعرة خطابها بإحالة إلى أصدقائها، الحقيقيين أو المفترضين، بوصفهم المقرّبين، ومانحي الهدايا بقلوبهم قبل أيديهم. لكن هل تفي تلك المشاعر والهبات بالغرض؟ يبدو أنها غير كافية في بعض الأحوال، كأن تكون الهدايا ذاتها بغير أكفّ، والفراشات بلا أجنحة. الخيال هنا يمتلئ بالأنين، والشاعرة الحالمة بالحرية، ترى ما تتمناه، ربما، لدى امرأة أخرى. تقول:

“أصدقائي يكسِّرونَ خياليَ بِدأبٍ

يُحضرُ لِي أحدُهم فراشةً دونَ أجنحةٍ ويُخبرنِي أنَّها تَطيرُ بِخفَّةٍ

أمَّا الآخرُ فيأتي بزهورٍ منزوعةِ السِّيقان

ويطلبُ منِّي أنْ أضعَ لها السُّكرَ كي تعيشَ/

كلُّ الهدايا دونَ كُفوفٍ

خَيالي يمتلئُ فجأةً بالأنينِ

ويُخبرني أنَّ هديةً مكتملةَ الأصابعِ كانتْ ستختارُ امرأةً أخرى

بالتأكيد”.

وبغض النظر عما يمكن أن تقود إليه الطُّرُق، وما تسفر عنه الاحتمالات، فإن الشاعرة تمتلك خطواتها الصغيرة، التي إن لم تسعفها بالتنقل، فإنها قد تزرعها خلف الجدران. إنها تدرك ملامح المأساة جيدًا، فهي الأسيرة، والكسيرة، والحزينة، والمرأة، لكنها أيضًا المجرّبة، والمستبسلة، والمحاربة للعدو، حتى لو كان ذلك العدو هو الذات اليائسة. تقول:

“أنا أسيرةُ هذه الجدرانِ حتَّى أتعلَّمَ التَّواضُعَ

لا توجدُ أيُّ بهجةٍ في كلِّ الاحتمالات التي تنتحرُ في مُنتصفِ الطريقِ

أنا هذه المرأةُ التي أحاربُها على الدَّوام

لكنَّني رغم كل شيءٍ لا أملكُ سوى خطوتي الصغيرةِ”.

وتأتي الكتابة بمثابة خلاص آخر، تلجأ إليه الشاعرة، الراغبة في التواصل مع نفسها أولاً، أملاً في تصالح ما مع عالم الصمت والانزواء والفراغ. القصيدة دائمًا صيد ثمين، ذلك أنها تبلور الجوهر، وتكثف المعنى، وتنفض الغبار الزائل والزائف عن الأصيل الباقي:

“لا أحدَ يكلِّمُني يا سيلفيا

لا أحدَ يرغب في الكَلامِ معي

أكتبُ لأتكلمَ مع نفسي

هل تُصدقين؟

الشعرُ يُهاجمُني/ يقتنصُ رُوحي

يُكثِّفُها في مِساحةٍ ضيِّقة

ويَتركني فارغةً

كيف سمحتِ له أن ينهشَكِ هكذا؟”.

ماذا تريد الشاعرة من العالم؟ ما تريده هو: أن تظل تريد، وتريد، وتريد. الإرادة بحد ذاتها غاية، وهي الطاقة بعد فقدان الطاقة، والقدرة على إنقاذ غرقى بعد تحلل الذات. نعم، كل الكائنات التي تسبح في البحر الميت ميتة، لكن نفخة فيها من الروح المعطلة قد يكون لها تأويل مغاير:

“فُقدان الطاقةِ يمتدُ من قلبي إلى السماءِ

ليسَ بإمكاني مساعدةُ نفسي لكنَّني أحاولُ إنقاذَ الغَرقى

سَأنتشلكَ من البحر الميِّت، ثم أنفخُ فيكَ من رُوحي

لنْ يُعجبهم انخراطي في العملِ، ولا التفرُّغَ للأسرةِ،

ليس مسموحًا لي أنْ أُريدَ في هذا العالمِ

مع ذلكَ أريدُ، أريدُ،

أريد”.

وتتسع دائرة الإرادة، شيئًا فشيئًا، ويصير “غير المسموح به” هدفًا للأمنيات والأحلام، وربما أيضًا للاختراعات، فما لا يمكن الوصول إليه بقدمي الحقيقة، وأجنحة المخيلة، وبساط الريح، يمكن خلقه أو اختلاقه، وحينها لن تخبر الشاعرة أحدًا في الصباح عن الحياة التي وجدتها، حتى لا يتهمها أحد بالكذب أو الجنون:

“أُريدُ مكانًا بجوارِ النافذةِ

أُريدُ نافذةً مفتوحةً على الشمسِ

وَمَزيدًا من الوِحْدَةِ

أُريدُ بيتًا يمتلئُ بالحياةِ بِجوارِ رَجلٍ لا تُزعجهُ نَافذةٌ مَفتوحةٌ

وَوِحْدَةً أُطلُّ فيها عَلى نَفسِي

في الصباحِ لا أُخبِرُ أحدًا عنْ الحياةِ التي تَطيرُ مثل بَالوناتِ الهاليوم

فقط أَتناولُ الكونجستال

وأُفكِّرُ في اختراعِ خيوطٍ جديدةٍ

اللَّمساتُ تَتحوَّلُ إِلى حُروفٍ،

وأَنا لا أَعرفُ كَيفَ أَخترعُ ذِكرياتٍ حَيَّة لا تَمرُ منْ هناكَ

أُحوِّلُ الشَّغفَ إِلى كَلماتٍ جَافَّةٍ

كُلُّ هَذا الجَمالِ أَصبُّهُ دَاخلَ مَاكينةِ الكِتابةِ

الطَّاحونةِ التي تَعيشُ على دِماءِ أَطفالِي

وَترغبُ في صرخاتٍ جديدةٍ كَي تَعملَ”.

ولعل آلية “الاختراع” هي الملمح الأبرز في تجربة “نسيج يستيقظ” للشاعرة غادة خليفة، فهي لا تكتفي بابتداع اليقظة كانطلاقة معنوية، لكنها تؤلف النسيج ذاته تأليفًا من العدم، ولا يشغلها إن كان بإمكان أحد غيرها رؤية أو تصديق حدوتة الحياة، أم لا، طالما أن النسيج يكلمها أحيانًا، ويضحك لها، حتى ولو لم يدفئها. تقول:

“لا تُوجدُ حدوتةٌ أصلًا، اخترعتُ الخيطَ الأولَ، وخيطًا مُهملًا بجوارهِ، أغزلُ نسيجًا لا يَراه غيري، النسيجُ يُكلِّمُني أحيانًا ويضحكُ لِي، مع ذلك ليسَ بإمكانِهِ أنْ يُدفئني”.

غادة خليفة، شاعرة تجرّد الأشياء من خمولها، وعتمتها، ولا تخشى اندثارها، فهي تدرك أن الأشياء، والأجساد، والأرواح، عند تقريبها من النيران، والمآسي، سوف تشرق بالنور

 

(ميدل ايست اونلاين)

شاهد أيضاً

على ضفة نهر بلا اسم.. ل -أمل زقطان-

-أمل زقطان-   عندما يأتي المساء. البيت يستعد لنومه، الأبواب والنوافذ، الأرواح المستنفرة والمستعدّة للخروج …