الرئيسية / . / «صناعة الترف» وثائقي سويدي
صناعة الترف-الجسرة

«صناعة الترف» وثائقي سويدي

( الجسرة )

*قيس قاسم

يميل الناس في عصرنا إلى حياة الترف ويؤشر ارتفاع مستوى الإقبال على شراء البضائع الثمينة والبحث عن العلامات التجارية الغالية الى تحوله سلوكاً استهلاكياً ترسخ بقوة في العقود الأخيرة وأسس معه لصناعة سُميت «صناعة الترف» ومثلها مثل كل صناعة تفرز موضوعياً قوتين: مستهلكة وأخرى منتجة، حاول الوثائقي التلفزيوني السويدي الاقتراب منهما وتسجيل جوانب من عالم «الرفاهية» المزدهر عبر زيارات الى مناطق جغرافية بدأها من بلغاريا موطن انتاج أهم زيوت الورود في العالم والمستخدم في صناعة أغلى العطور وأشهرها.

عُرفت منطقة تشيرغانوفا بزراعتها الورود واستخراج أفضل أنواع الزيوت منها وأغلاها ثمناً ومع هذا يعيش سكانها في فقر. دخل مُعد البرنامج الى بيت غروزدانكا ايفانوفا في الرابعة والنصف صباحاً ووجدها تعد نفسها للخروج الى الحقل لجني الزهور. «العمل في حقول الورود وعلى قصر مدته يوفر لي دخلاً اضافياً بسيطاً فوق راتبي التقاعدي يعيلني وزوجي على الحياة». في الطريق الى الحقل وبصحبة نساء من القرية أكمل الصحافي حواره معها ومن خلاله اتضح أن ما تتقضاه مقابل جنيِها عشرين كيلوغراماً من الورود لا يزيد إلا قليلاً على 10 يورو، وأن العمل محصور بالنساء اللواتي يجهلن سعره الحقيقي وغير معنيات به أصلاً فكل ما يهمهن هو استمرار الحصاد طيلة أيار (مايو) من كل عام.

في زيارته الى معصرة الزيوت في القرية التقى البرنامج بالمشرفة عليها. «المعصرة تملكها شركة أميركية تنتج ما يقارب 1500 كيلو سنوياً، تباع كلها الى أشهر شركات صناعة العطور في العالم بسعر يصل ما بين 13 ألف يورو الى 15 ألف يورو للكيلو الواحد من «الذهب السائل» كما تحب أن تسميه، أما المزارعون والحصادون الفقراء فلم يجربوا أبداً شم عطره بعد التصنيع.

القارة الأفريقية مثل غيرها تأثرت بصناعة الترف وبدأت تظهر وفي شكل لافت على قطاعات اجتماعية منها مظاهر الميل الشديد الى امتلاك «العلامات المميزة» كما تسميها الممثلة بريسي أويا باسي، التي اشتركت في البرنامج وساعدته على الدخول الى «واحات» معزولة من مدينة لاغوس، يعيش فيها المترفون والطامحون الى عيش حياة رغيدة، تحيطها من كل جانب مدن الصفيح الفقيرة ما يعد تنافراً طبقياً. كُثر من سكانها برروا حبهم لاقتناء السيارات الفارهة وشراء العطور والملابس الغالية الى سلوك عالمي لا يمكن الوقوف في وجهه وإلى ما توفره من وجاهة يتطلبها المجتمع وتساعد على تحقيق النجاح. فيما أقر بعضهم بوجود هوة تتسع سلباً بين فقراء المدينة وأغنيائها ولكنها تفرز عنصراً ايجابياً وفق قول سيدة الأعمال نادمي إليامبا: «من مظاهر «عالم الرفاهية» النيجيري دخول فئات من الطبقة المتوسطة اليه وبإمكان هؤلاء نقل ما يشعر به الفقراء الى الأغنياء وبالتالي المساعدة في ردم الهوة بين الطرفين».

في طريقه الى هونغ كونغ يصور البرنامج من بعيد المدينة الأفريقية الغنية المسيجة وقد أحاطها البؤس من الخارج. مشكلة المدينة الآسيوية مركبة وقد لا تختلف عن بقية مناطق شرق آسيا التي تجتاحها ثقافة استهلاك غربية تتمظهر بكثرة المحلات التجارية الراقية فيها، والتي صارت قبلة مواطنيها، حتى الفقراء راحوا يضحون براحتهم وصحتهم في سبيل اقتناء حقيبة جلدية ثمينة أو يشترون بنطالاً يحمل ماركة مشهورة على سبيل المثال، ما أفرز معهم ظاهرة جديدة تمثلت بتزوير «العلامات التجارية».

للدلالة على رغبة الناس في المدينة على اقتناء «مظاهر الرفاهية» يسجل الوثائقي التلفزيوني مشهداً لعدد منهم وهو يقف في طابور أمام محل لبيع «الماركات» العالمية قبل فتح أبوابه. في حديث مع واحدة من المنتظرات يتضح بعض دوافع الانتظار. «الملابس والمظهر الخارجي تساعد الشخص على النجاح وقبول الناس له. فمجرد حمل امرأة حقيبة جلدية من ماركة مشهورة يعطيها تميزاً اجتماعياً».

هذا التقويم الظاهري دفع غير المتمكنين من شراء البضائع الأصلية التوجه نحو «المستنسخة». أدرك «مزورو» العلامات التجارية حب الناس «للترف» والظهور بمظهر المتمكن اقتصادياً فراحوا يستنسخون كل انواع البضائع؛ حقائب، ساعات، ملابس، كل شيء تقريباً الى درجة انقسمت فيها العلامات التجارية بين أصلية ومزورة، وهذا ما دفع لين كوك، ابنة أحد أشهر رجال الأعمال في هونغ كونغ، الى تأسيس شركة لبيع البضائع الأصلية المستخدمة «سكند هاند» لتشبع بها رغبات الطبقة المتوسطة الطامحة الى محاكاة حياة المترفين. تحقق الشركة نجاحاً كبيراً وتشير الى مساعدة الشركات العالمية في ذلك. «الضغوط والملاحقات القانونية لمزوري العلامات التجارية ولبائعيها حدّ من انتشار ظاهرة التزوير وبالتالي صار الناس يبحثون عن طريقة أخرى للحصول على العلامات الغالية بسعر أرخص». المفارقة في الظاهرة الآسيوية أن التزوير قل انتشاره ليس بفضل الملاحقات فحسب بل، كما يؤكد علماء اجتماع بسبب نفور المستهلك من المزور ورغبته في الحصول على الأصلي بأي ثمن حتى لو كان على حساب مستوى عيشه ومأكله، في حين يختم البرنامج زمنه بالتنويه إلى وجود ترف طبيعي مغاير يشعر أصحابه بحلاوة الحياة من خلال العيش بسلام في أحضان الطبيعة والتمتع بجمالها!

المصدر: الحياة

شاهد أيضاً

نيرمينة الرفاعي.. في نص بلا اسم

نيرمينة الرفاعي-   خاص (الجسرة)   أنا حورية البحر الحزينة بعت ذيلي مقابل أقدام لم …