الرئيسية / . / يوم في مكتبة الإسكندرية على ذمة السياسة الشرعية
مكتبة الاسكندرية- الجسرة

يوم في مكتبة الإسكندرية على ذمة السياسة الشرعية

( الجسرة )

في تقديمه لندوة “السياسة الشرعية”، التي شهدتها مكتبة الإسكندرية مؤخرًا، أشار الدكتور مدحت عيسى؛ مدير مركز المخطوطات، الذي تولى الإعداد لعقد هذه الندوة، إلى أنها تأتي كإحدى الندوات العلمية المتخصصة التي يعقدها مركز المخطوطات بشكل دوري في شتى المجالات التراثية، وسبقتها في هذا الإطار ندوة عن الحسن بن الهيثم بمناسبة احتفال العالم بسنة الضوء.

الندوة كان فرسانها: من لبنان الدكتور رضوان السيد، ومن مصر: الدكتور حسن حنفي، والدكتور محمد كمال الدين إمام، والدكتور عصمت نصار الذي كنت أود أن يكون أول المتحدثين لأنه بسّط في ورقته القضية، وأصّل لمصطلح “السياسة الشرعية” وكيف تطور واكتسب دلالات جديدة باختلاف الأزمنة.

وأكد نصار أن المفاهيم والمصطلحات تتغير وتتبدل تبعًا للثقافة السائدة في كل عصر، ويرجع ذلك لتداولها في سياقات إجرائية تبعدها عن الأصل اللغوي الذي انحدرت منه، والفكرة الرئيسة التي شكلت بنية المصطلح بين أهل الفن.

وذكر أستاذ الفلسفة الإسلامية والفكر العربي بكلية الآداب بجامعة بني سويف، أن للسياسة الشرعية مفهوم أقرته المعاجم المتخصصة وتساجل حول تحديد بنيتها الفقهاء والمتكلمون والفلاسفة، وفي العصر الحديث وبالتحديد بدءًا بالفكر الوهابي حيث أخذ مصطلح السياسة الشرعية دلالات انتقلت به من كونه علمًا مدنيًّا إلى الزج به إلى ميدان العقيدة، وقد صاحب ذلك العديد من المصطلحات مثل: دار الإيمان، ودار الكفر، والشرك الأكبر، والشرك الأصغر.

أما مصطلح الحاكمية فقد أنتجه أبو الأعلى المودودي في أخريات الثلاثينيات من القرن العشرين؛ لتأثيرٍ من الوهابية أيضًا، الأمر الذي كان له عظيم الأثر في تحديد مفهوم الخلافة. وأضحت السياسة الشرعية في ظل مفهوم الحاكمية من الشؤون العقائدية التي يكفر من لم يأخذ بها، وبات مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند السلفيين المعاصرين والجماعات الجهادية ذا مسحة سياسية تقوم الفرقة الناجية بمقتضاه باستخدام العنف إلى أقصى درجة؛ لإعادة المجتمع إلى حظيرة الإيمان وتقويم الفاسد من العوائد والتقاليد.

ولم تسلم عدة مصطلحات أصولية من التحريف مثل: الجهاد، والتجديد، والاجتهاد، والمجتمع الجاهلي، والتعريض، والتقية والمداراة والمجاراة. الأمر الذي انعكس بالسلب على أمرين، أولهما تغيير دلالات المصطلحات والمفاهيم المتعلقة بها دون سند شرعي أو عقلي، الأمر الذي أصاب الرأي العام بما نطلق عليه أوهام الفكر أو المعتقد. وثانيهما تشويه صورة الإسلام، وذلك عندما خرجت هذه المفاهيم من طور الخطاب إلى طور المشروع والتطبيق على يد الجماعات الإرهابية المسلحة.

وكان الدكتور حسن حنفي هو الذي استهل بورقته أولى الجلسات، وذكر فيها أن الوعي العام ترسخت فيه فكرة أن السياسة المدنية تقابل السياسة الشرعية، وأن هذه الثنائية خلقت تيارين متصارعين هما؛ التيار السلفي والتيار المدني. مشيرًا إلى أن هذه الفكرة تساعد على تأصيل الخلاف دون حوار، وزيادة الصراع، ولاسيما مع سعي كل تيار إلى الوصول للسلطة.

ودعا إلى أهمية تجاوز هذه الثنائية من خلال فهم طبيعة كل من: السياسة الشرعية والسياسة المدنية، فربما لا يوجد تعارض بين الاثنين. وأشار إلى أنه لا يوجد أدنى تعارض بين مبادئ السياسة الشرعية الخمسة، والقانون المدني؛ فالحفاظ على الحياة يعادل حق الحياة في حقوق الإنسان، والحفاظ على العقل يعادل حق التعليم ضد الجهل والخرافة، والحفاظ على الدين أي القيم العامة لا يختلف في الزمان والمكان، والحفاظ على العِرض يعني الكرامة الإنسانية، والحفاظ على المال هو الحفاظ على الثروة الوطنية.

وأوضح أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعنيان وجود نوع من الرقابة الشعبية أو ما يعادل وجود معارضة سياسية في نظام الحكم، كما أن السياسة الشرعية تقوم على الشورى، ولا يختلف ذلك عن الديموقراطية الحديثة إلا في الأسلوب.

واستنكر المقكر الدكتور حسن حنفي قيام البعض باختزال الشريعة في الحلال والحرام، والمنع والتقييد، وإهمال أوجه الاتفاق بين الشريعة والقانون المدني.

أما المفكر اللبناني الدكتور رضوان السيد قكانت ورقته بعنوان “السياسة الشرعية وعمل الدولة: رؤية جديدة”، وفيها تناول تطور مفهوم السياسة الذي صار مصطَلَحًا للتعبير عن فن إدارة الدولة أو الشأن العام في المجال الإسلامي الوسيط. وقد استعُمل مفهوم السياسة لدى الفلاسفة الإسلاميين في القرنين الثالث والرابع للهجرة بمعنى الاجتماع المديني، وأساليب إدارته وأنواع الرئاسات فيه.

وعندما بدأ الفقهاء استخدام المفهوم في القرن الرابع، وضعوه بدءًا في مقابلة الشريعة بالمعنى الفقهي والقضائي، مما تسبب في الإشكالية الحالية. فقد استنكر الشافعية استخدام مصطلح السياسة، بينما اتجه الحنابلة والمالكية والأحناف لاستخدام مصطلح “السياسة الشرعية”. أما بعد القرن الخامس للهجرة، فقد بدأ الاعتراف بالاختلاف بين النهجين؛ السياسة النبوية، والسياسة الملكية، إلى أن ظهر ما تم اعتباره نهجًا مستقلاً، وتناوله الطرطوشي في كتاب “سراج الملوك”، وهو وجود سياسة نبوية وأخرى إصلاحية.

وأشار الدكتور رضوان االسيد إلى أن الحاجة للاعتراف بالسياسة ظهرت بسبب التقصير من جانب الفقهاء في تحقيق العدالة عن طريق التضييق في الأحكام الفقهية، واستغلال طائفة من السياسيين هذا الأمر بما لا يتوافق مع حكم الله ورسوله. ومن هنا جاءت مرحلة فتح الآفاق والاعتراف بوجود مجال مشترك بين الفقهاء والساسة. وقد جاء أول كتاب كامل في السياسة الشرعية ليؤسس للسلطة على مبدأين هما؛ أداء الأمانات، والحكم بالعدل.

وفي الأزمنة الحديثة دخل إصلاحيو الفقهاء بحماسٍ في مشروعات التجديد السياسي، والتجدد الديني. وقد افتتحوا ذلك بالحديث عن الأمرين معًا: السياسة الشرعية ومقاصد الشريعة باعتبارهما أحيانًا مترادفَين. ومع الاعتقاد بفقد الشرعية والاستماتة في استعادتها ظهر سبيلان لدى ذوي الاهتمام الهوياتي: سبيل التلاؤم والتوفيق، من طريق القول بتقنين الفقه ولاحقًا تقنين الشريعة. وسبيل القطيعة النضالية مع المستجدات ومع نظام العالم.

وأكد رضوان السيد أن الإسلاميين يهتمون بتطبيق الشريعة وليس وضع الناس الذين ستطبق عليهم تلك الشريعة، مبينًا أن كلًا من الدين والشريعة ليسا في خطر.

وفي تقديمه للجلسة الثانية التي تحدث فيها المفكر الدكتور محمد كمال الدين إمام، أستاذ القانون، والدكتور عصمت نصار، قال الدكتور حسين الزهري، إن الآيات التي تتحدث عن القصاص والحدود في القرآن الكريم هي تسعة آيات فقط من أصل 200 آية اختصت بالتشريع، من إجمالي 6236 آية هي عدد آيات القرآن الكريم، مما يدل على قصر نظر واضح للمتشددين والمغالين الذين يشغلون الناس بالحدود عن الأصل في المسألة وهو الحقوق، ويعمي العيون عن السياق الأكبر، وهو إيجاد الحلول لمشكلات الاقتصاد والمجتمع وغيرها، وهو ما تنشغل به السياسة، فيعتقد البعض أنها تغض الطرف عن الشريعة.

وأضاف: “إننا لم نبتعد عن الشريعة والدين في يوم من الأيام، بل نحن غارقون فيهما، ودليل ذلك أننا نجد في مجتمعاتنا اليوم الطبيب والمهندس والفلكي وغيرهم، ناهيك عن الحرفيين والبائعة وغيرهم إلا ويحدثوننا في الدين والسياسة!

وكثيرًا ما أقول لنفسي: ولم لا يحدثنا المهندس أو الكيمائي عن العلم الذي يدرسه ويشتغل به، وأفكاره في التطوير والاستفادة من ذلك العلم، والإجابة ببساطة: لأنه لا يفهم فيه فانشغل بغيره.

وفي ورقته المعنونة بـ “كتابات مجهولة في السياسة الشرعية”، ذكر الدكتور محمد كمال الدين إمام، أستاذ الشريعة والقانون بكليات الحقوق بالعديد من الجامعات المصرية والعربية، وعضو اللجنة القومية للإصلاح التشريعي، أن المفهوم العلمي للسياسة الشرعية يتحرك في ثلاثة محاور؛ الأول يتعلق بضبط المفهوم من خلال النظرية الفقهية الأصولية، والثاني يتناول عرض المفهوم من خلال الكتابات والمؤلفات والدراسات من خلال الواقع المصري فيما قبل عام 1950، والمحور الثالث يتناول المفهوم كتطور منهجي مرتبط بالعملية التعليمية في الجوهر والأساس.

وأشار إلى أن الذين يدرسون السياسة الشرعية يخلطون في بعض الأحيان عمداً أو عن غير عمد بين أمرين رئيسين؛ الأمر الأول ظاهرة السياسة الشرعية، والثاني علم السياسة الشرعية، مما يؤدي إلى أخد النتائج التي تزدحم بها الأفكار حول السياسة الشرعية بشكل لا يساير الواقع التاريخي، ولا المنظور الفقهي.

وأوضح أن ظاهرة السياسة الشرعية عاشت مع تجربة الإسلام الأولى منذ نزول القرآن ، وكان ظهورها من خلال أمرين؛ الأول القرآن نفسه، والثاني فهم الصحابة لتصرفات الرسول، ومن هنا بدأت عملية التأسيس لهذه الظاهرة.

وتطرق الدكتور إمام لظهور السياسة الشرعية في الدين الإسلامي، بدءًا من فكرة إطاعة أولي الأمر التي وردت في القرآن الكريم، من هم، وتخصصاتهم، وشروط اختيارهم، والجهة الموكولة لها أمر اختيارهم، وهل يتعلق اختيارهم بالأعلمية في الدين أم في شئون الناس، فيكون الطبيب والمهندس والفلكي والاقتصادي جزءًا، ويمثلون جميعهم في نهاية المطاف مجمع الخبرة التي تدبر شئون الحياة وتفهم مصالح الناس.

وقال إن تطبيق الحدود الخطأ فيه ليس قانونيٍا أو سياسيٍا، ولكن خطأ في المنهج الأصولي الفكري الذي ينظر للحكم الشرعي على أنه الحلال والحرام، وأن الأحكام التكليفية الخمسة هي التي شغلتنا، ولم يشغلنا الحكم الشرعي الوضعي؛ الذي هو إما قانون الطبيعة وإما تصرفات الناس، وأن هذه الحركة هي التي تنقل الحكم من كونه خطابًا مستديما من عصر الرسول إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، إلى الحكم باعتباره حالة عينية تتعلق بمجتمع أو فرد أو بزمان أو مكان.

وأكد أن الحكم الشرعي في جوهره عند الأصوليين ليس هو الخطاب وحده، بل الخطاب من خلال الحكم الوضعي الذي يمثل قوانين الله في الكون، وأن من هذا المنطلق عندما يقول شخص بتطبيق النص يقول آخر من خلال الحكم الوضعي بالتدرج في تطبيق النص، ويقول ثالث إن الواقع الاجتماعي ليس فيه محل لتطبيق النص، وهو لا يعني إلغاء النص.

المصدر : ميدل ايست اون لاين

شاهد أيضاً

طريق طويل.. ل -حيدر محمود-

-حيدر محمود-   أنا وأنت ِ والطريق يحاول تقبيلك بين الخطوة وألاخرى والاشجار التي في …