الرئيسية / . / حنان بيروتي: الصدمات في الطفولة تدفع للبحث عن أسلحة للدفاع والرد

حنان بيروتي: الصدمات في الطفولة تدفع للبحث عن أسلحة للدفاع والرد

الجسرة (خاص)

حاورها : طارق مكاوي
تأخذ الطفولة في حياة البشر قسطا كبيرا من تشكيل هويته النفسية، فهي البقعة الأكثر تشربا لما يحدث حولها، وبالتالي مستقبلا يتفرع الإنسان بما رسم له من خلال ثراء طفولته أم حرمانها، ولعل المبدع يرى أن طفولته كانت العامل الأكبر في توجيهه للكتابة، إذ ما يندر أن تخرج تجربة إبداعية دون أن يكون لها رواسب في الماضي أو إرهاصات تشير لها، فالأسئلة التي يسأل الكاتب بها نفسه؛ ما الذي دعاني أن أكون كاتبا لماذا لم أتجه إلى كرة القدم مثلا، وهنا قد تكون إجابة مختبئة أصلا في الحياة الخاصة للكاتب وبالتالي الطفولة والنمط العائلي الذي نشأ به، أليس نحن منتجات بيوتاتنا؟
كان للجسرة الحوار تاليا:

 

* تلعب الطفولة دوراً مهما في تشكيل هوية الإنسان، كيف أسست الطفولة الهوية الإبداعية لدى المبدع؟

الطفولة هي المخزون وهي المنبع الذي تتشرب منه الأيام لونها وتتشكل عجينة الحياة بأصابع هذه المرحلة، الطفولة السعيدة المثالية الخالية من المنغصات لا توجد إلا في الأفلام الفاشلة والروايات الخيالية، ولكل منا أوجاعه الغائرة وأفراحه الخفية المتبقية مثل وشم في الروح، والغريب فعلا أن أوجاعنا الكبيرة في الطفولة تتحول لمنابع فرح خفي عندما تبعدنا الأيام عنها وتجرنا السنون معها في درب العمر الطويل القصير.
ربما ما كان يؤلمني في الطفولة قصر برامج الأطفال في التلفاز والفراغ الطويل في العطل المدرسية ولم أدر أنه سيكون منبعاً لفرحي القادم حين أشرعت نافذة للقراءة واكتشفت شرفة للإطلال على الحياة واكتشاف قدرتي على البوح، فتعلقي بالكتاب لسد الفراغ منحني إرثا من الفرح والذكريات والأحلام، اليوم أشفق علينا وعلى أبنائنا حين أرى الوقت المسروق أمام شاشة الحاسوب والألعاب التي تملأ الفراغ بفراغ أكبر، والخواء الفكري والروحي والعاطفي الذي يفرغ الإنسان من قدرته على الحياة والتعاطي مع الوجود بإيجابية والإحساس بقيمته وببصمته الخاصة وبتشربه للأيام بطعم مختلف وجديد، وأستشعر غربة الإنسان عن ذاته وعمن حوله، القراءة هي ما جعل لطفولتي دوراً في تأسيس الهوية الإبداعية.
وثمة أمر آخر، فكوني الفرد الأصغر في عائلةٍ كبيرةٍ نسبياً منحني فرصة للحرية بعيداً عن رقابة المحبة الصارمة وعين القلب والاهتمام الكبير الذي يعيش بين قضبانه الجميلة من ينتسب لعائلة قليلة الأفراد، أتذكر لعبي ومشاويري الطفولية وأفكاري وخربشات أحلامي الكثيرة، هذه الفوضى الجميلة والازدحام والتزاحم العائلي أثث داخلي بالدفء وبالقدرة على التأقلم وتقدير القليل واحترام التفاصيل الصغيرة في الحياة التي تجلب معها الفرح الحقيقي.

* لنتكلم عن التجربة الأولى للكتابة عن الإبداع ومهابط الإحباط في سيرة الكاتب؟
التجربة الأولى للكتابة هي بداية مترددة مشوبة بخوف وخطى غير ثابتة تحتاج لمن يأخذ بيدها أو يوجهها قد تكون ثناء من معلم وأحيانا تشكك منه بما كتبت كأن يسألك: من أين نقلت الكلام؟ إذا تجاوزنا خربشات الطفولة وبواكير البوح الأولى، لوصلنا للتجربة الأولى الجادة في الكتابة والتي كانت في الجامعة الأردنية حين اتسعت الحياة، وامتدت الأحلام، وتبلورت الرؤى، وأينعت أدوات الكتابة في ظل رعاية أساتذة متذوقين وداعمين ممن تلمسوا موهبة تحتاج لتوجيه ورعاية، لكن مرحلة الدراسة الجامعية تنتهي مثل طيف جميل ويصطدم حلم الكتابة بالواقع الفقير والمعطيات الصعبة خاصة أمام الأنثى، فليس منتظراً من المرأة أي شكل للتميز وليس لها أن تتجاوز سياج العادية حتى بحلم، وما تجده في داخلها من موهبة وعطش للبوح عليها أن تقمعه وتطوعه وتغتاله لأجل ألا تخرج عن الإطار المرسوم لها، إطار ضيق يختزل كيانها بصفتها أنثى تنتظر عريسا لتبدأ رحلة الزواج والإنجاب وهذا يكفيها، كأن الحياة تحاول وضعنا أمام خيارات صعبة واختيارات أصعب، لكن من يتمكن من التملص من قسوة الخيار ينتزع الفرح من فم الحياة، إذ أجمل ما يمكن أن يحقق السعادة للمرأة أن تكوّن أسرة وتعيش أمومتها وتسعى للموازنة بين حلمها الذاتي ومتطلبات أسرتها ولا بد من فيض من التضحيات شرط ألا تنسف حلمها … ولذا سارعت بإصدار مجموعتي القصصية الأولى والتي كتبت ما ضمته من قصص في الجامعة والغريب أني اخترتها على عجالة من مجموعة كبيرة من القصص ولا أدري للآن كيف أشرعت لنصوص قصصية فرصة أن ترى الضوء وتُنشر وحكمت على مجموعة أخرى بالوأد، ولما أزل أحتفظ بها مثل جنود حرب شاخوا بانتظار معركة لم تأتِ، لكني أحسست بالممحاة الخفية الموجهة ضد أي شكل للتميز للمرأة، وما أراه من بوادر لنسف مشروعي الإبداعي من أساسه، كثيراً ما كان تلميحي لرغبتي بالنشر والكتابة يقابَل بالتهميش وبالتجاهل وبالتثبيط وبايصال رسالة ضمنية أن الأفق مسدود، والطريق الذي يبدو طويلا في الحلم انتهى قبل أن يبدأ، ثمة إذن المعيقات الاجتماعية الضاغطة بشكل كبير.
المعيقات والمثبطات تواجه الكاتب بصرف النظر عن جنسه، لكنها تختلف في الشكل وإن تشابهت في الضغط، من يستسلم تنتهي مسيرته الابداعية وتضمر في روحه شعلة الإبداع، وتتشوه داخله ينابيع البوح إلى أشكال أخرى من الألم والعطش الخفي والدموع غامضة السبب، كثير من المواهب الموؤودة التي أرى بقاياها المحزنة في وجوه فقدت البوصلة في أول الطريق…
ومن يواصل الطريق يصطدم كذلك بصعوبة المشهد الثقافي الذي يحاول أن يكون جزءاً صغيراً منه، فمنابر النشر محدودة محليا، والحركة النقدية انتقائية بصورة لا ترتبط دائماً بجودة العمل الأدبي، وهي غير قادرة عن مواكبة الأعمال الإبداعية وغربلتها وتقييمها بحيادية ومهنية، أو بأحكام ومناهج نقدية واضحة وعميقة وسابرة ومقنعة للقارئ وللكاتب نفسه إن كانت مقنعة أصلا للناقد.
واصدار كتاب جديد يحتاج لطلب دعم ليغطي تكلفة النشر إن حصل عليه، وإن اختار أن ينشر على حسابه الخاص عليه أن يتكبد التكلفة منتظرا المردود المعنوي فقط أما المادي فأمر صعب إن لم يكن معدوما، لأنه لا يجد من يسوقه لا محليا ولا عربيا وعليه هو أن يسعى للنشر والانتشار بنفسه إذا لم يكن من فئة المحظوظين ممن يمتلكون شبكة من العلاقات الاجتماعية التي تظللهم وتدفعهم للأمام وتسلط الأضواء عليهم وتضيء ابداعهم وتعطيه أحيانا أكبر من حجمه، وبالمقابل تهمش آخرين وتترك ابداعهم يتيما بلا راعٍ، ويذبل مثل نبتة عطشى منتظرا حظه وحقه من الرعاية والسقاية ولما….
لا نحلم ولا نطمح بمشهد ثقافي مثالي وصحي فهذا لا يكون إلا في الخيال، لكن الحلم مشروع بتحسين الوضع والحالة في المشهد الثقافي لجعله أكثر عدالة وشفافية، وتقليل المثبطات التي تقف في وجه المبدعين والآخذ بيدهم لإيصال ابداعهم ووصوله لمنزلة يستحقها.
مهابط الاحباط في سيرة الكاتب أمر طبيعي ربما هي أكثر من محطات التحفيز ومن يمتلك جذوة الإبداع يمتلك قدرة على توظيف محطات الإحباط لحفز طاقاته على العطاء واعتبار الإبداع حصنه وملاذه وسفينة خلاص لروحه.

* حينما نكون أطفالا، هل هناك شيء يوجهنا تجاه الإبداع، باعتقادك ما هو؟
نعم ثمة العطش للبوح، الخيال الحساسية والقدرة على الالتقاط الاختلاف عن بقية الأطفال، التأمل الوجع والحلم والجذوة الخفية في العروق ..الاصطدام المبكر مع قسوة الواقع، العالم الذي لا يعجبنا .كلها محركات في الوعي واللاوعي توجه من تجري في عروقه لعنة البوح للابداع.
ثمة الرفض لما نواجهه أطفالا من قسوة وحرمان وأميل هنا للتعميم وليس للتخصيص، فالصدمات في الطفولة تدفع للبحث عن أسلحة للدفاع والرد، من منا لم تنكسر روحه على يد معلم غاضب؟ أو تتجرح روحه بعصا وتتلوث أفكاره بتلقين أعمى في المدارس، وكبت وكسر وقمع… من منا لم يحزنه التعامل معه طفلاً كأنه كائن فضائي لا يفهم لغته ولا يحس، وليس له أن يبدي رأيه أو يرفع صوته محتجا على أمر لم يعجبه، ويتم الحديث عنه في حضوره كأنه نكرة أو قطعة أثاث…هو أسلوب للتربية أقل ما يمكن أن يقال عنه بأنه ينشئ جيلاً مهزوماً من الداخل، فكيف له أن يرفع راية النصر في حياته؟….ربما الكتابة محاولة لتجميل الواقع القبيح، ومحاولة لتكسير صخرة الواقع الصعب والقاسي واعادة بناء عالم أكثر انسانية ولو بالحلم، الأحلام هي ما يجعل الحياة أقل من الجحيم بدرجة معقولة!
* دائما يتكلم المبدعون عن القلق، على الأغلب ينطلقون بهذه الدافعية، ما الذي خبأته الطفولة فينا؟
الطفولة استكشاف العالم، مواجهة أولى بين وجود مدجج بكل أسلحة الواقع المفروض وبين النفس الطفلة المجبولة على الخير والساعية للفرح، القلق هو شعلة الإبداع وهو المحرك له وليس ثمة مبدع متصالح مع ذاته ومع الكون بشكل كامل، أسئلة الوجود وحراب الرفض كلها تصطرع داخل المبدع وتخز روحه للبوح، الطفولة تخبئ فينا النقاء الأول والحلم قبل أن تلون الحياة ملامحنا بالألم وتقتل دواخلنا بالموت الذي يسرق من الأحبة ونعي بأنا على قائمة انتظار نسكنها لحظة ولادتنا، وتخبئ فينا الحسرة على ما فاتنا أن نعيشه من لحظات وتنمي داخلنا الحنين لأيام النقاء بعد أن تجبرنا الحياة على اقترافها باحتراف !
القلق هو الوجه الآخر للوعي الفكري والوجودي، الإنسان الذي اتسعت دائرة ثقافته وتعمقت يشتبك مع الواقع، وتستوقفه الحياة ولا يعبرها كأي عابر سبيل، تصطرع داخله الأسئلة التي لا يجد الإجابة الشافية لها وكلما انتهى من سؤال أسلمه لآخر،سلسلة الأسئلة في الحياة لا تنتهي، وكذلك الإبداع مدى مفتوح لاحتمالات لا تنتهي من البوح والجمال والتعبير وهي تشابه انفتاح الحياة على مدى لا ينتهي لاحتمالات الألم.
المبدع الحقيقي لا يكون دون القلق الايجابي الذي يحفزه للكتابة، أحيانا أحسد من أراهم يعيشون الحياة باطمئنان وسلاسة، لا يبحثون عما وراء الفرح والألم، لا يقرأون لا يكابدون وجع البحث، لا يتأملون إلا احتياجات أجسامهم من الماء والهواء والغذاء والملابس الجميلة والترفيه والاسترخاء، المبدع يكابد وجع القلق، التوقف عن القلق لا يكون إلا مرحليا محطة استراحة قصيرة تمهيدا لمرحلة جديدة متجددة من الأسئلة القلقلة التي لا تنتهي عند المبدع إلا برحيله ..

شاهد أيضاً

رسالة ٢: ضاق خلقي يا صبي .. ل “ليلى حديدون”

-ليلى حديدون-  خاص (الجسرة) عزيزي ص كن واثقًا مما أخبرك به، لا أجني شيئًا من …