الرئيسية / . / «ولاية جونز الحرّة» للأميركي غاري روس… شراكة التاريخ
ولاية جونز الحرة

«ولاية جونز الحرّة» للأميركي غاري روس… شراكة التاريخ

( الجسرة )

*زياد الخزاعي

يُكَمّل نصّ الأميركي غاري روس، «ولاية جونز الحرّة»، مع فيلمَي مواطنيْه نيت باركر «مولد أُمّة»، وجيف نيكولس «لوفينغ» (عن الفيلم الأخير راجع «السفير» 19 أيار 2016)، عنوانا هوليووديا للافتة أيديولوجية عرقية استعادت زخمها، في الآونة الأخيرة، مع «حرب» أمنية بين أفرو ـ أميركيين وقوات شرطة في ولايات متعددة، إثر عمليات «تصفية على النيات» تعرض لهما مدنيون، وجدوا أنفسهم في أماكن مُهلكة، وأزمنة خطأ، وأقدار بمغبّات دموية.
تعلن اللافتة تلك بقوّة عن شعارها اللامكتمل «شراكة تاريخ» على اعتبارين اجتماعيين ـ سياسيين حاسمين. الأول عنصريّة النظام العميق والمعقّد في البلاد التي ما زالت مدبّرة وماحقة وحُججيّة. الثاني، بطش الأمن خارج المساءلة النهائية التي تضمن الحق وتُبطل التهور. القانون، في نهاية المطاف، لا يحوي في تطبيقاته كلمة إدانة كبيرة لأزلام السلطات، فهم حماة مُجاوَرات اجتماعية و «توظيف طبقي» للمواطنية، برغم أن أحكامه الوضعية والمتطوّرة تضمن العقاب. بيد أنها تتحايل عليه.
العناوين المذكورة أعلاه غير معنية بالأزمة الحالية، لكنها تستعيد روحاً من التاريخ الأميركي لمصابات فرديّة تعرضت الى قهر وظلم وعبودية. فعائلة «لوفينغ» تواجه فصاماً قهريّاً لعروتها بسبب «بياض» الأب و «زنجية» أم أولاده. فيما تتحول تبشيرية القسّ الشاب نات تيرنر في «مولد أُمّة» الى نزوع نضالي لعتق نفسه وعبيد آخرين من ولاية فيرجينيا، قائداً انتفاضة دمويّة عام 1831. على منواله لكن بـ «لون» سحنة معاكس يبشر بـ «الشراكة»، يقود الفلاح الأشقر الأوروبي نيوتن نايت بعد 32 عاماً تمرّداً ثوريّاً فريداً ضد السلطات العسكرية لولاية ميسيسبي، مشكلاً نواة طوباوية وتعايشية، من فلاحين بيض وزنوج أرقاء، أسماها «الولاية الحرّة لجونز»، مغيراً الى الأبد مساراً سيئ الصّيت في سيرورة يوتوبيا الآباء المؤسسين للولايات المتحدة.
سيرة جنوبي
شريط روس، أفلمة منتقاة وغير جذابة ومترددة لسيرة رجل جنوبيّ عفويّ ومقدام ومتنور. نراه مسعفاً لمصابي معارك حرب أهلية ضروس بين قوات الاتحاد والكونفدراليين في حصار محيط بلدة كورينث، رافضاً الانخراط فيها، مأخوذاً بشتيمة جندي متنمّر عدّها «حرب أغنياء، والفقراء في قلب معاركها»، مرتباً قراره المصيريّ بالتخلي عن الجبهة إثر مقتل ابن شقيقه. مرافقاً جثة اليافع، يجد نايت أن الحرب لم تستثن عائلته حيث «أتاواتها» وجشع جنودها وعدوانيتهم، حوّلت أصحاب الأرض الى سخرة لملء بطون المقاتلين، وشقاة محتقنين بذلّة قيادات خاسرة للحرب. يعتبر نايت، في حياته الجديدة، أن العدالة التي سمع بها (أداء متواضع من صاحب «الأوسكار» ماثيو ماكانهي) طوال غيابه، ليست سوى تبريرات لقتل مجاني ونهب منظم. تاريخياً، اتهم الرجل بالخيانة، لكن غاري روس رتّب عُذره على تفصيل آخر، وجده أكثر درامية وأغنى لشخص قيادي أزاح ما هو ذاتيّ لمصلحة جماعة مهزوزة القناعات ويائسة وجائعة، محمساً عائلاتها على الانتفاض والقصاص، قبل أن يقودها الى عمق «أهوار» جونز كاونتي وغاباتها المحاصرة بالمرض والفاقة وانتقام العساكر. كانت الإضافة، حسب سيناريو روس المستند الى قصة كاتب غير معروف اسمه ليونارد هارتمن، احتقانا متعجلا بينه وبين ضابط من الانفصاليين، ليتطور الى عداء وتصفية حسابات، حُسم رجحانهما بسرعة لمصلحة بطل قدمه الشريط بملامح «يسوع علماني» جديد يؤمن بدستور أكثر من إنجيله، وطلّة قاطع طريق على منوال «روبن هود» يستلذ برصاص بندقيته أكثر من تحسّبه لوحش يتعاظم عند حدود «كومونته» المثالية، والمتمثل بعصابات «كلو كلوكس كلان» التي ستجتاح لاحقا أراضي «ولايته الحرّة» وتصفّي زنوجها.
هَدَف اختلاق روس، أخرج وكتب سيناريو القسم الأول من سلسلة «مباريات الجوع»(2012)، والفيلم المُغامر بتشكيليته الباهرة «بلسينتفيل» (1998)، وترتيب تاريخي سينمائي لبطله الى عقلنة أسطورته، أيّ جعلها قابلة للتمدّد نحو عصور لاحقة، الأمر الذي أوقع عمله في مطب ثان هزّ حكمته، إذ نقلنا مراراً وبإجحاف الى أربعينيات القرن الماضي، كي نتابع وقائع محاكمة ابن أحد أحفاد سلالة نايت من زوجته الثانية السوداء راتشيل (غوغو مباثا را) بتهمة الاقتران بسيدة بيضاء عمداً، رغم معرفته أن عرقه غير أصيل! لئن كانت هذه «الغمزة» ذات مرجعيّة، فإن تجييرها لمصلحة فكرة سامية اعتبرت أن جبروت التّمييز المتقمّص لـ «شرائع جيم كرو» (1896 ـ1968) الشديدة العنصريّة، لم يختف ولن ينهزم بسهولة، سبقت شعاراتية سياسية قد تتساير مع عقيدة الرئيس باراك أوباما بـ «ردم الهوّة»، والوقوف ضد «شراء الوفاق العرقيّ بثمن بخس» (خطابه عام 2008)، لكنها لم تكن حاجة دراميّة ضروريّة وفاعلة لشريط مشحون بأحداث ومعارك وخطابيات وتآمرات وانتقامات ودماء وحبال مشانق على مدى 139 دقيقة.
قدرات استراتيجية
شَحَنَ روس شخصية نايت بقدرات استراتيجية وقياديّة، وإصرار على الثأر، ومثلها «كريزما» سينمائية تعظ بهدايات ربّانية، على شاكلة «ليس على إنسان أن يجوع، كي يتمكن آخر من الثراء»، أو «أنت تسير على قائمتين. هذا يعني أنك إنسان. هكذا ببساطة». هو «خالق» فرص حميدة تقود رعاياه من الـ «نغرز» (شتيمة العبد الأميركي) الى إيمان بامبراطوريتهم وتاريخها الجديد، وتحفيزهم على إمكانية تحقيق ثورة اجتماعية عبر انخراطهم في عمل سياسي (بكلمة أخرى حزبي)، كما فعلها رفيق سلاحه موسيس واشنطن (مارشالا علي) وترشّحه لانتخابات تنتهي بجثته معلّقة على شجرة عقاباً على صلافته. لا أحد ينكر فرادة حكاية نايت وولايته، من بين قصص ما زالت تنتظر الكشف عنها، ووجوب إخضاعها لرؤية سينمائية ديناميكية، على غرار جهد البريطاني ستيف ماكوين في رائعته «اثنا عشر عاماً عبداً»(2013)، لكن ما يثير السخط هو إصرار فيلم «الولاية الحرّة لجونز» وإفراطه في مجاملة مشاهديه من الأفروأميركيين بفصول فاقعة ومقصودة ومنمقة الحوارات ومنتقاة، مصوّراً زنوجه بوجوه ملائكية، وطبائع مواطنين بواسل ومفعمين بالعزّة!

المصدر: السفير

شاهد أيضاً

حظ .. ل “نور دكرلي”

-نور دكرلي-  خاص (الجسرة)   في الثمانين من عمره، وبأصابعه المرتعشة يجهّز لها حبة الدواء …