.منوعات

مملكة الموت والجنون

( الجسرة )

*مي فاروق

هي مملكةٌ تعيش من زمنٍ بعيد، من ألف عامٍ ويزيد، ما بين السماء والثرى ظلت عالقة، رغم سنابلها الخضر إلا إنها ظلت على يَبسها، ومنذ أن بلغت الرشدَ ضيعت رشدَها، في كل عصر كانت تصنع لجسدها مشنقة، والآن لم تَعد تُسقى إلا من عين آنية، ولم تعد تُردد من السور إلا الزلزلة. لكن رُغم الصواعق التي في دمها مُرسلة، ما زالت شعوبها مناضلة.

فهل تحتاجون مني تحديد مكانها، أم أظنكم تعرفونها؟

هي مملكة كبيرة من المحيط إلى الخليج، لغتها عربية، نفحات عُلوية، من صليب، و قرآن وفتاوى شرعية، وبرغم ذلك اختفت منها رائحة الإنسانية.

اليوم لن أبكي ماضيها شوقاً، ولن أبكي حاضرها كمداً وقهرا، بل سأحدثكم عن تفاصيل أخرى بها، تفاصيل ضيقة وبسيطة، عن غابتها الرمادية ذات القمر الأحمر، عن الطيور الجارحة، عن القلوب التي صارت كالجمجمة، عن الديدان التي تأكل الفاكهة، عن خيط الأمل الذي لم يتحرك قيد أُنملة.

عن أسوار تفصلك عن الضجيج والشارع الواسع البعيد. عن شر لا مناص منه. نعم عزيزي القاريء عن باحة السجن سأحدثك. ولا تتعجب من هكذا موضوع، أشياء كثيرة تجعله يزداد وضوحاً وحدة وتعقيدا، فمنذ ما يسمى برواية الربيع العربي، والتي بدأت بفتح السجون لتنتهي اليوم بمزيد من السجون والمعتقلين، والسجان والجلادين. فهل كانت ثورة للمساجين؟ أم أن السجن في تلك المملكة العربية فكرا أصيلا وأسلوبا للحياة؟

الآن تتجسد أمامي أسوار تدمر، والكاظمية، وأبو غريب، وطرة، والعقرب، وجو، ورومية، وبرج الرومي، والرزين، والبرواقية، والجويدة.

أسوارٌ ترتفع، ولا تمنع. تُرهب، ولا تُقنع. يعيش فيها أشباحٌ، ويخرجون كالطاعون حتى أصبحت عجلة الإجرام فيها تدور حول نفسها، فالجريمة تُغذيها السجون، والسجون تُغذي الجريمة.

ولأن مملكة الخليج إلى المحيط خاضت معارك مفتوحة ضد ثقافة التغيير، وضد أي طرح مختلف ورأي جديد، فاضافت حشودا عظيمة من المساجيين والمعتقلين، المكممين الأفواه، والأقلام، والألوان.

تاريخ عظيم طويل مارسته بإتقان ومهارة شديدتين، واستطاعت تحقيق تحالف عظيم ما بين العصبية القبلية، والدينية لتحولهما لأنظمة شمولية تسلطية أحادية الثقافة والرأي معا. فغريب أمرها قدمت ملايين الشهداء دفاعا عن أوطانهم ضد المستعمر والمغتصب، وبنفس الوقت تكمم أفواههم، بربكم هل رأيتم كهذا الحجم من الانفصام؟

وأتذكر هنا رائعة عبدالله البردوني “الغزو من الداخل” والتي يصرخ فيها قائلاً:

فظيعٌ جهل ما يجري وأفظع منه أن تدري ** وهل تدرين يا صنعاء من المستعمر السري

غزاةٌ لا أُشاهدهم وسيف الغزو في صدري ** فقد يأتون تبغا في سجائر لونها يُغري

وفي سروال أستاذ وتحت عمامة المقري ** وفي أقراص منع الحمل وفي أنبوبة الحبر

وفي حرية الغثيان وفي عبثية العمر ** وفي عَود احتلال الأمس في تشكيلة العصر

أتسألني أتدري؟ فات قبل مجيئه زمني ** متى آتي ألا تدري إلى أين انثنت سفني

لقد عادت من الآتي إلى تاريخها الوثني ** فظيعٌ جهل ما يجري وأفظع منه أن تدري

نعم، فظيع جهل ما يجري، لكّن الأفظع صار ألا ندري. لا بد أن ندري فظاعة ما نحن فيه، لا بد أن ندري أننا نعود للعصر الحجري، لا بد أن ندري العلاقة المطردة ما بين التقدم الثقافي والحرية، فلا حرية لشعوب أفكارها سجينة، أو مطاردة.

وأننا صرنا رهناء المحبسين، الجهل، والخوف معا، قلم يعد النور نوراً، ولا الفجر جدولا، ولا الشمس دينارا، ولا البدر درهما.

القمع والخوف كلاهما في عالم لا يعرف الا الكهوف سبيلا، خلقا بيئةً اجتماعية مشوهه، بل خلقا حالة من االدونية واحتقار الذات، وصارت الحرية الحقيقية للمواطن العربي هي تلك الخمس دقائق التي يصرخ فيها عاريا بلا اسم، بلا دين، بلا هدف، بلا معتقد.

ومن طرائف المملكة العربية من خليجها لمحيطها، أنها كانت في زمن الشاة والصحراء تحترم الكلمة وتقدر وزنها، ووزن قائلها بل كانت تفاخر بهما، اليوم صارت ترتعد من الكلمة والشعر والشعراء فتقودهم للمشانق، ولأسوار السجون، وأحيانا إلى الجنون.

ففي ظل حكوماتها البوليسية ظهر أدب السجون ليكون دليلاً قاطعاً على الإرهاب والقمع والخوف والجنون، نعم الجنون اللانهائي، وإلا فما معنى أن يتزايد المسجونون السياسيون، وما معنى فتاوى التكفير، وما معنى أن يدخل الشباب والأطفال أسوار السجون؟ هل هي المدن الصناعية التي كنا نحلم بها؟

وما معنى أن نكون في ظل أزمة اقتصادية وتتصاعد تكلفة السجون الجديدة لتصل ١.٢ مليار جنيه، و٣٧٠٠ مليون درهم تكلفة استراتيجية المندوبية العامة لادارة السجون، و٩٢ مليون دينار تكلفة نزلاء السجون سنويا، هذا بعض من ميزانيات القمع، أليست ميزانية القمع باهظة.

أليس القمع سبيل للتطرف والإرهاب؟ ألم نفكر ماذا لو خرج المسجونون؟ لا تبتسموا فالمصيبة في خروجهم أيضا كبيرة.

عزيزي القاريء، يا من يسكن معي في هذه المملكة الحديث عنها ما زال بيننا لم ينته، وسوف أكمل في وقت لاحق، فارجو أن تفهمني.

وقبل أن أتركك سأنشد لك واحدة من وتريات “مظفر النواب” الليلية:

بهذا المبغى العربي

سيفهمني

من لم يتزور حتى الآن

وليس يزاود في كل مقاهي الثوريين

سيفهمني

من لم يتقاعد

كي يتفرغ للغو

سيفهم أي طقوس للسرية في لغتي

وسيعرف كل الأرقام وكل الشهداء وكل الأسماء

وطني علمني أن أقرأ كل الأشياء

وطني هل أنت بلاد الأعداء؟

وطني هل أنت بقية داحس والغبراء

المصدر: ميدل ايست اونلاين

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق