.رواية

‘سجينة طهران’.. وأسرار الدولة الدينية

( الجسرة )

*مصطفى عبدالله

عندما توليت رئاسة تحرير جريدة “أخبار الأدب” مع اندلاع ثورة 25 يناير أصدرت عددًا خاصًا بأدب السجون ضم مجموعة تجارب ولدت من رحم المعتقلات كان من رابع المستحيلات أن تُنشر على صفحات جريدة تصدر عن مؤسسة قومية في مصر، وقد منحت “الاسكتشات” التي رسمها الفنان عزالدين نجيب داخل الزنزانة لكبار مبدعي مصر في محبسهم قيمة إضافية لهذا العدد.

ولكم كنت أتمنى أن أكتب، في هذا الإطار، عن إبداع المرأة في ظل الاعتقال، إلى أن وقعت في يدي هذه الترجمة العربية الرائعة لرواية “سجينة طهران” للكاتبة الإيرانية مارينا نعمت التي تحمست لتقديمها الشاعرة فاطمة ناعوت، وصدرت مؤخرًا عن دار كلمات عربية بالقاهرة.

فالرواية، التي يمكن أن تندرج تحت تصنيف أدب السيرة الذاتية، تتناول حكاية فتاة إيرانية مسيحية تفتح وعيها في أواخر حكم الشاه محمد رضا بهلوي على إرهاصات الثورة الإسلامية المناهضة.

وعندما تنجح ثورة آية الله خوميني وتتحول إيران من إمبراطورية إلى جمهورية إسلامية تتعرض الراوية لصدمة عندما تفاجأ بأن هذه الثورة لم تحقق طموح الملايين الذين كانوا وقودًا لها من: مثقفين ومنتمين لأحزاب شيوعية ومنظمات جهادية مثل “مجاهدي خلق” وغيرهم ممن التهمتهم هذه الثورة.

فالثورة سعت منذ اللحظة الأولى إلى تمكين أهل الثقة من الإسلاميين الشيعة للهيمنة على كافة مفاصل الدولة دونما اعتبار لكفاءة؛ مما أسفر عن احتجاجات مناهضة لهذه الممارسات القائمة على التمييز والاصطفاء، وربما يكون هذا التحول هو الذي أدى إلى نضج وعي بطلة الرواية التي تشارك في هذه الاحتجاجات، وترى بعينيها الحرس الثوري وهو يقمع المتظاهرين ويرديهم قتلى.

وبدلًا من أن تستسلم للرغبة في الانتحار هربًا من هذا الواقع الكابوسي، تقرر التصدي بعمل مجلة حائط تنتقد هذه الممارسات غير الإنسانية من الحرس الثوري ضد الشعب، وتعلقها خلسة على جدار مدرستها خشية أن تقع في مرمى عيون الجواسيس، وتتظاهر بأنها تقرأها عندما تفاجأ بمديرة المدرسة وقد استشاطت غضبًا فأخذت تسأل عمن فعل هذه الكارثة، وعلى الرغم من أن مارينا لم تعترف إلا أن ردودها تشي بها.

وتتوالى مواقفها التي تدين أداء مدرسيها ممن دأبوا على إهدار أوقات الحصص في الكلام في شعارات الثورة الإسلامية، وتبلغ ذروتها عندما تقف لتطالب مُدرسة الرياضيات بالتوقف عن الدعاية لصالح الخوميني لأن هذه الحصة للتفاضل والتكامل، لكن المدرسة تضرب بكلامها عرض الحائط، وتطلب منها مغادرة الفصل، فتفعل، لتتبعها بقية التلميذات، وتبلغ عنها المديرة الحرس الثوري، وتبدأ رحلتها القاسية مع معتقل “إيفين” الرهيب، الذي تعرضت فيه للتعذيب بالجلد على القدمين، وإجبارها على تناول الكافور ممزوجًا بالشاي لمنع حدوث الدورة الشهرية توفيرًا لاستخدام الفوط الصحية!

ولا ينقذها من تنفيذ حكم الإعدام رميًا بالرصاص الذي صدر ضدها غيابيًا سوى مشاعر جلادها علي موسوي الذي هام بها عشقًا فقرر مساومتها على الزواج به وإلا نكل بأسرتها وحبيبها “أندريه”، فتقبل مجبرة، وتتوالى تنازلات هذه الفتاة المغلوبة على أمرها، فتوافق على رغبة والده في أن تتخلى عن مسيحيتها وتعتنق الإسلام.

وفي المقابل يتدخل علي لإعادة محاكمتها، لتصبح العقوبة السجن ثلاث سنوات بعد تبرير القاضي بأنها أصبحت مواطنة صالحة وتخلت عن معاداة الثورة الإسلامية عقب إشهار إسلامها.

وتزوجا، وبعد أن كان يستخدم سطوته لخروجها بصبحته من المعتقل لتجهيز بيت الزوجية، ينجح بعد تخفيف الحكم في استخراج تصريح مشروط بقضاء مدة العقوبة خارج الأسوار.

لكن حياتهما الزوجية لا تستمر طويلًا إذ يتعرض علي موسوي للاغتيال بعد أن لوحظ اعتدال سلوكه نحو نزيلات المعتقل، وتقدمه بطلب لترك الخدمة.

وفجأة تجد مارينا نفسها، من جديد، داخل أسوار “إيفين”، إلى أن يتدخل حماها مستغلًا علاقته بالخوميني، لإطلاق سراحها، فتعود إلى أهلها.. ومسيحيتها وتتزوج “أندريه” غير مبالية بتبعات هذا القرار.

وقد نجحت هذه الروائية في تقديم تفاصيل دقيقة حول تجربة الثورة الإسلامية في إيران وما أحدثته من تغيرات سلبية في ذلك المجتمع، فاتشحت نساؤه بسواد “الشادور”، وارتسمت ملامح العبوس على وجوه رجاله، وتجلت براعتها في سبر أغوار بنات جنسها وهي تصور بموهبة حقيقية مظاهر معاناتهن وهن يخضن تجربة الاعتقال المريرة.

هذا بخلاف رصدها لمنحنى الحريات المنحدر لأسفل بعد هذه الثورة، في حين أن المأمول من الثورات الكبرى دومًا أن تحقق للإنسان حريته التامة في وطن يحترم كرامته ورأيه، ويرسم له بوضوح كل الخطوات المؤدية لترسيخ مفاهيم العدالة الاجتماعية.

وكذلك نجحت “مارينا نعمت” في أن تقدم كل هذه المعاناة التي تدفع المشاعر نحو الكره وحب الانتقام في إطار متسع من الموضوعية والحب، فهي لم تحاول أن تسئ لجلادها الذي تزوجها عنوة، لأنها لمست صدق مشاعره، واعترفت له بفضله عليها بعد أن تمكن من أن استرداد حياتها مرتين، وقد ظلت تحمل عرفانًا بالجميل لعائلة هذا الجلاد، رغم صلة هذه العائلة بالخوميني، لأنها العائلة التي شعرت في رحابها بمشاعر حب واهتمام حقيقيين لم تلمسهما، من قبل بكل أسف، من أمها أو أبيها، فظهر المُلا حسين موسوي، والد علي زوجها، رجلًا ودودًا للغاية، حتى أنه يقدم لها التهنئة بزواجها من “أندريه”، بعد وفاة ابنه “علي”، رغم كل ما يعنيه هذا الزواج من ارتداد عن الإسلام والتنكر لقيمه وتعاليمه، بل يخبرها بأنه مستعد لدعمها ماليا!

ولعل أجمل ما فى هذه السيرة الذاتية، أنها كُتبت بمداد الحب.

ولأنني لا أنسى الحقوق، فلا تفوتني الإشارة إلى أن هذه الرواية البديعة نقلتها إلى العربية سهى الشامي.

المصدر: ميدل ايست اونلاين

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة