.متابعات ثقافية و فنية

في معرض المصرية رشا المازن: المرأة وعالمها من خلال الموروث الشعبي

( الجسرة )

*محمد عبدالرحيم

يقام حالياً في قاعة الباب في دار الأوبرا المصرية، معرض الفنانة رشا المازن، الذي يدور في معظمه حول المرأة وعالمها، من خلال الموروث المصري والبيئة الشعبية. وتحاول الفنانة أن تصنع عالماً تعبيرياً، سواء على مستوى الشكل أو اللون خاصا برؤيتها، من دون الاكتفاء بتكرارات بصرية أصبحت كالكلاشيه في مثل هذه الأعمال التي تستلهم الموروث وشخوصه. من ناحية أخرى لم تخلق الفنانة هذا العالم من فراغ، بل نجد تأثيرات كبيرة لرواد الفن المصري الحديث كحامد ندا وعبد الهادي الجزار ــ وهو ما أكدته إحدى الفنانات من زائري المعرض ــ وهذا لا يعيب العمل الفني، فلا يوجد خلق فني من عدم، وأن شخصية الفنانة ــ وهو الأهم ــ تتأكد من خلال لوحاتها.

الشخوص

الشخصية الأكثر تكراراً في اللوحات هي شخصية المرأة، ووجود رجل ما هو إلا حالة تبدو ذهنية أكثر منها حقيقية، الأسلوب التعبيري هنا ومحاولة مزج الموروث بما فوق الواقع، كالحصان الذي يطير ــ وهو رمز ذكوري بالأساس ــ ويبدو مُستسلماً تماماً للمرأة التي تقوده وتتصدر بوضعية جسدها اللوحة، ويجاورها رجل يُشاركها فقط هذه الرحلة أو الحالة. كذلك يصبح هذا الحصان ــ المتكرر في عدة لوحات ــ يتماس تماماً ملامساً جسد المراة بالكامل، وهو تعبير حسي واضح، وتم تمثيله باللوحة في حِرفية كبيرة. من ناحية أخرى وفي لحظات الوحدة التي تمثلت في بعض البورتريهات تبدو بعض الكائنات التي تشارك وجه امرأة العمل الفني، كالأسماك والقطط، وهي تصاوير مصرية قديمة، نلمح نقوشها فوق جدران المعابد المصرية.

الرموز والعالم الشعبي

وهكذا تبدو بعض الرموز على اختلافها واختلاف عصورها من الفرعوني إلى العربي المتمثل في الحصان، وهو رمز شعبي يرتبط أكثر بالملاحم العربية والسِيَر، كما في أبي زيد الهلالي وغيره، حتى أن الفنانة تتمثل الشكل الشائع لهؤلاء الأبطال، لكن البطل هنا امرأة، هذا من ناحية، ثم التحويرات التي تجعل من الحصان مثلاً يتماس مع الأساطير، فيبدو وهو يطير في السماء.
وتتواصل مفردات عالم البيئة الشعبية المصرية، كعروس المولد، وطقوس الزواج في الريف، وتصاوير العشاق في البيئة الساحلية، التي تصبح هذه البيئة ببيوتها وأزقتها عبارة عن تفاصيل في ملابس كل من الرجل والمرأة.
كذلك ألعاب الموالد والاحتفالات كالأراجيح وما شابه من تجمعات الناس. هذا الصخب يتضح في استخدام الألوان المتداخلة من الأحمر والأخضر والأزرق، ودرجات كل منهم.

الأسلوب وروح العمل الفني

حاولت الفنانة رشا المازن أن تقدم تشكيلاً يجمع ما بين الحِس التراثي والأسلوب الحداثي في التعبير، وجعلت من البيئة الشعبية المصرية مسرحاً لهذه اللوحات، ولكن يبدو أن مخزونها البصري اعتمد على اللوحات والأعمال الفنية السابقة أكثر من معايشة هذه البيئات بالفعل، فالتجربة تأتي من مطالعة الأعمال الفنية أكثر من معايشتها. ورغم الأسلوب المتميز للفنانة وألوانها المدروسة بعناية، تبدو هذه العين بعيدة بدرجة ما عن هذا العالم الذي أرادت التعبير عنه، هناك مسافة كبيرة واضحة بين نساء اللوحات والنساء الحقيقيات. لا نقصد بالطبع النقل الحَرفي لهذا العالم، ولكن روح هؤلاء. فلا يكفي المرور في حارة، أو الحضور السياحي لمولد السيدة زينب، حتى تتجلى لنا روح هذه الأماكن والبيئات وشخوصها. لذلك نجد اللوحة أكثر صدقاً ــ الصدق الفني ــ في حالة البورتريه، فالحس والانطلاق في التعبير هنا أعلى من الحِرفية والقصدية في اللوحات التي عبّرت عن البيئة الشعبية وطبيعتها، حتى مع اختلاق الرموز التراثية، تبدو في بوتريهات النساء من الفئات فوق المتوسطة أكثر تفاعلاً، كالمرأة والقطة ولوحة الشطرنج، أو وجوه النساء في لفتاتهن المحسوبة، وهي وجوه تعرفها الفنانة جيداً، وقد تكون رأت أصحابها في الحقيقة، لا من خلال أعمال فنية أخرى لفنانين مصريين كبار.

المصدر: القدس العربي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة