.ابداعات شبابيةمقالات

نغيبُ في العناق عن أشيائهم

( الجسرة )

*زينب سرور

كانت هذه آخر حبّةٍ في العُلبة. لحظة سرَد الطّبيب تعليمات تناولها اهتزّت من حولي الجدران. أغمضتُ عينيّ تفاديًا لكشف ضعفٍ شاخ داخلي. حاولتُ إلهاء نفسي بإرشادات الطّبيب. تناولي الدّواء كزوجين. اثنان. واحد، اثنان، إياكِ وكسر الوتيرة. عجوزي يعصرُ صدري. يُعنّف أشيائي الخاصّة. يعضّ على الجلدِ من الدّاخل، وجلدُ الدّاخل أكثر هشاشةً من خارجه. يمدّ أظفاره القذرة نحو حجرٍ طاهرٍ لم تمسسه يدٌ من قبل. يحاول الخروج بأيّ طريقة، فلا أسمح له. رائحة العفن المنبعثة من شعره تخنقُني. صوتُه المبحوح يصمّني. كيف لا، وما يقبع في أحشائي كونٌ اختُصر في رجل. ضعفٌ اختُصر في رجل.
بيني وبيني ترجّل العجوز القذر من حجره. تربّع أمامي مستهزئًا. «لن تقوي على التهامهما مثنًى». ارتجفتُ من أثر الفحيح. هذا السّوادُ الحالك لن يطغى على بياض الحبّتين. أستطيعُ فعلها! أستطيع بناء وعيٍ موازٍ لسنيني السّتّين. في بداية العلاج، اتّبعتُ النّمط: حبّتان صباحًا، اثنتان مساءً. إياكِ وكسر الوتيرة. إياكِ وكسر الوتيرة.
مع مرور الوقت، تسلّلت الرّتابة إلى يدي العاجزة. كلّما رأيتُ الحبّتين معًا، شعرتُ بنَفس العجوز القذر يتصاعد داخلي. اعتمدتُ الأسلوب الملتوي. رحتُ ألتهم الحبّة الأولى كعصفورٍ جائع اهتدى إلى كسرة خبز، وأنتظر. أنظر إلى الحبّة الثّانية، وأنتظر. صوتُ الطّبيب يصدحُ في رأسي من جهة، وعيون عجوزي تطلّ بوقاحةٍ من الجهة الثّانية. وأنتظر. أمدّ يدي، أمسكُ حبّة الدّواء، أعصرُها، يذوبُ بعضها في خطوط يدي. أرسمُ مستقبلاً صحّيّاً في ذاك الكفّ. أبكي، وأنا أستذكر يدًا كانت تشدّ تلك البقعة وأنا أقطع طريقاً مزدحمة، يدًا كانت تصفعُ تلك البقعة بحبٍّ جارفٍ خوفًا لا قسوةً. يدًا كانت تشدّني نحو الحياة شدًّا. الأمرُ ليس لي، الأمر لها، لتلك اليد.
فجأةً، تتحوّل خطوط يدي البيضاء ألوانًا مشرقة. أعودُ إلى بيتنا المهترئ على أطراف المدينة. كقوس قزح، تنسدل الحلوى على يديّ. أداعبُ طيفًا يسبحُ في عالميّ الصّغيرين. وحده صوتُها يُعيدُني إلى الواقع. يطلبُ منّي تنظيف ما خلّفته الألوان، فقط لأنّ لي من يديها ما هو أجمل. أرفعُ ما تبقّى من بياض اللّوحة، وأضعه أسفل لساني. ثوانٍ، ويختفي الأثر. كانت هذه آخر حبّةٍ في العلبة. ما لا يستطيع الطّبيب فهمه أنّي أخشى الرّقم اثنين. مُذ رحلَت، نبتت للثّنائيّات أنياب. تُخرج رأسها ليلاً من خلف سريري. تبتسم مستهزئة فأرتعش. تنطق أشياءَ لا أعيها، ومع ذلك ترعبُني. هذا الشّيخ القابع في داخلي ليس صديقي. هو خوفٌ استشرسَ مع الوقت. في البداية، لم أستطع فهم كيف يُمكن للخوف أن يملك هذه السّطوة؟ ما هذه التّناقضات الّتي تجتاحُني؟ مع الوقت، اقتنعتُ بأنّ غياب أحدهم يجعلُ المستحيل ممكنًا.
ماما، هكذا ستكونُ حياتي عندما ترحلين. لذا، رجاءً، أجّلي رحيلك قليلاً. بل كثيرًا. أتعلمين شيئاً، لا ترحلي. ابقي هنا، إلى جانبي. نغيبُ في العناق عن أشيائهم. أنتِ لا تدركين ما يدور خلف ظهرك لحظة العناق. وجوهٌ مسخَها الزّيف. تنطق بشفاهٍ مشقّقة لغةً غريبة. أجسادٌ متهالكة ترقصُ على أنغامٍ إيقاعُها ضائع. وأنا متسلّحةٌ بظهرك. أخشى خسارة سلاحي، سلاحي الوحيد.
ماما، سامحيني، لا أملكُ جرأة الحديث عن الحاضر، فأتكلّم عن المستقبل. أرسمُ لحاضري ساقين طويلتين تبحثان عن أمامٍ أنتِ فيه. تبحثان عنكِ. وعندما لا تجدان أثرًا، تعودان مقهقرتين. كجنديّين خسرا للتّوّ معركة. لكن في مستقبلي، لا وجودَ لعزيمةٍ عاقر. في مستقبلي ساقان تُدركان أنّهما خسرتا معركة، ليس حرباً. ذاك الإيمان يصنع المعجزات. لذا سرعان ما أراهما تتّكآن على كنبتنا المتعبة. تقترضان من الماضي حجابَكِ الأبيض، تمرّرانه على ندوبٍ خلّفها المسير الطّويل، وتعاودان البحث من جديد. عن صورة، عن صدًى، عن رائحة، عن أثر، عن أيّ شيءٍ يمتّ إليكِ بصلة.
لحظة أتخيل مستقبلا لا تكونين فيه أتقلّص. أرى الأشياء من حولي مرعبة بضخامتها. ماما، لا أريد مستقبلا أشياؤه ضخمة من دونك، وأنت الّتي كنتِ تسخّفين الرعب في كلّ ما حولي.
ماما، لم أعتد يومًا مقدار حبّك. ربّما في هذا الإقرار شيءٌ من الحماقة. لستُ أدري. ربّما فيه نوعٌ من التّشهير. تشهير أشيائنا الخاصّة، تلك التي تعرفها فقط الجدران، أنتِ، وأنا. تسامحينني إذاً؟
ماما، سأكون شجاعة وأخبركِ أني لا أملك القدرة على التّعبير، أقلّه عندما تفصلني عن وجهكِ السّنتمترات القليلة. أن أقولَ أحبّك؟ ليس من البديهيّات. أشعر أنّ ما أمارسه معكِ نوعٌ من الحبّ المقنّع. ذاك الّذي يختبئ خلف العناوين. هذا النّصّ ربّما أحدُ مسارح التّعبير الجبان الخائف المتهالك.
ربما أنا أخافُ خسارة الطّمأنينة فقط لا غير. معكِ أشيخُ بطمأنينة. معهم أشيخُ سرّاً. معكِ لا أكترثُ إن نبتَ عرقٌ إضافيٌّ في يدي، أو ظهر أثرُ التقاء طبقتي جلدٍ في جسدي. معكِ لا أخشى اعتيادَ انحناءة ظهري، ولا أرتعبُ من شعيراتٍ تتهاوى حين أسرّح شعري. معكِ لا أرتعشُ حين أرى روزنامةَ عمري تركض أمامي، ولا أفزعُ من كلامٍ قيل أو يقال من خلف ظهري. معهم، في غيابك، تصبح تفاصيل الأيّام كابوسًا مرعبًا. يخرجُ عجوزي من صدري لا ليؤنسني في وحدتي، بل ليذكّرني بها. لذا، رجاءً، لا ترحلي.
ماما، أنتِ لستِ كلّ أشيائي، أنتِ فقط، شيئي الوحيد.

المصدر: السفير

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق