متابعات ثقافية و فنية

الخصائص الإجتماعية في رواية ‘البرج وحورية الوطن’

محمد المحسن

“الرواية هي ملحمة ذاتية يطلب المؤلف من خلالها الإذن بالتصرف في الكون على طريقته” عن الشاعر الألماني الكبير جوته صاحب رواية “آلام فرتر”.

يمكن القول إن المشهد الأدبي الإبداعي ببلادنا، يزخر بالإبداع في مختلف تجلياته، وبخاصة في مجال الرواية بالنظر إلى الرّواج الذي حققه هذا الجنس الأدبي في أوساط القراء، وأيضا بالنظر إلى غزارة الإنتاج الروائي، بما في ذلك بالطبع إقبال أعداد متزايدة من الكّتاب، على الإسهام في الكتابة الروائيّة، سواء من أولئك الذين سبق لهم كتابة القصة، أو حتى ممن أتوا إلى فن الرواية، مباشرة ودون وسيط إبداعي آخر.

من هذا المنطلق تقارب رواية “البرج.. وحورية الوطن” لعامر بشة باعتبارها تتنزل ضمن “الواقعية الإجتماعية”، وهي إضافة في هذا الإتجاه العريق من الرواية التونسية، إلا أن هذا المبدع العصامي لم ينل حظه بالمقاربة والتقويم من قبل النقاد رغم إصداره لروايتين سابقتين، لم يكن الإحتفاء بهما في حجم ما تضمنتاه من إبداع ثري وخلاق.

عامر بشة، واحد من المبدعين القلائل ممن يمتلكون تلك الذائقة العميقة الشديدة الحساسية بجانب ثقافة خصبة متنوعة بعيدة عن التحذلق والإستعراض الكتابي والمجالسي. فحياته بكاملها شخصا وكتابة مسكونة بالإبداع والإبتعاد – في ذات الآن – عن الأضواء الإجتماعية الكاذبة. نستشفّ من خلال كتابته الإبداعية رغبته الجامحة في الإنعتاق وانتصاره اللامحدود لعالم لا تنهشه الفوضى ولا تهان فيه كرامة الإنسان.

عامر بشة في هذه الرواية: “البرج.. وحورية الوطن” – الصادرة على نفقة المؤلف في 182 صفحة من القطع المتوسط – يستعير من “الواقعية السحرية” أدواتها، ولكن ليكتب روايته هو، وليقدّم فضاءه الروائي الخاص، في لغة حارة لها مذاق عذب.

هاجس هذه الرواية الأهم هو الحرية والإنتماء النبيل للوطن بالمعنى الواسع والشامل، ولا تخفي هنا دلالة العنوان، بالإلتصاق الحميم بطين الأرض والإنبهار بالأصالة والعروبة حد الشموخ، ولعل هذا ما تأكد لنا بوضوح أثناء ولوجنا لفضاء هذا الإنجاز الإبداعي المتميز.

أعتقد أن بنائية ” البرج.. وحورية الوطن” تقوم هي ذاتها بدور البطل، من حيث هي بنائية مركبة، تجمع شخصيات تتباين في انتمائها الطبقي، ولكنها تحلّ في ذات الآن – وبدرجات متفاوتة- مستويات وعي فكري واجتماعي هو أقرب إلى الحلم أو إذا شئنا الدقة أقرب إلى المثال المنشود الذي يسعى نحوه الجميع متسلحين بآلامهم وطموحاتهم، خصوصا وأن الكاتب تعمد زجّ هذه الشخصيات في علاقة جدلية مع طبائعها الفطرية، أما الزمن فلا يمكن الإستدلال عليه، إلا من خلال ما بات يعرف بـ “الثلاثاء الأسود” من سنة 2001. وهي ملامسة طفيفة لتخوم الزمن، تذكرنا إلى حد بعيد بإشارة – غابرييال غارسيا مركيز – للزمن في روايته الأجمل “ليس لدى الكولونيل من يكاتبه” حين يأتي ذكر الزمن مرة واحدة فقط، ومن خلال عنوان إحدى الصحف الذي يتحدث عن حرب السويس.

ولكن أهم ما في هذه الرواية، ذلك العمل الدؤوب من الكاتب على بنية الرواية، على معمارها الذي يتناسب في صورته الأولية – الأساسية مع إجراء مزاوجة جميلة لا تطغى ولا تنفلت خيوطها بين عالمين يبدوان متناقضين، إذ يقف كل منهما في تخوم خاصة به، وهما عالم الواقع، حيث الغاية من الكتابة، وحيث تنفجر الوقائع بين الأصابع، وأمام النظر، وتحرّض الكتابة على إلتقاطها وإعادة تقييمها من جديد في صورة أدبية، ثم عالم الأسطورة بملامحه الحالمة الرجراجة والزئبقية، والتي تناوش -في الغالب – خلفية الوعي، أو إذا شئنا الدقة أكثر، تناوش اللاوعي في قابليته اللامحدودة لجعل كل الأشياء ممكنة، واقعية وقابلة للتفسير، قابلة للإستحضار، بل للزج في جفاف الواقع ورتابته.

إن ملمحا مهمّا من ملامح عامر بشة الروائي، يتأسس على أرضية الإلتزام القوي بمسار الحياة، وهو إلتزام حال دون سقوط الرواية في مأزق ما بات يعرف بـ “الفانتازيا” لا بمعناها النقي، ولكن بذلك المعنى الشائع الذي يجعل كل شيء مباحا وقابلا للوجود والحركة على الورق دون الحاجة إلى أيّة مبررات منطقية أو فنية.

في “البرج.. وحورية الوطن” ثمة اهتمام بما في الحياة من وقائع يومية، علامات إحباط وتفاؤل، ولكن ذلك كله اذ يتقدم ليناوش نصفه الآخر – الأسطوري الحالم – لا يذهب معه إلى فضاءات دون ملامح، بل هو يشكل مع ذلك النصف وجودا واحدا جديدا له نكهة الحلم ورؤيته وقوّة التحديق في الواقع.

• مذاق المكان ورائحته:

إن الواقعية الروائية التي تتبدّى داخل فصول “البرج.. وحورية الوطن” ليست ذكريات شبحية، ففي تذكر الكاتب نجد اشتغالا مكثفا ليس للذاكرة والخيال وحدهما بل وللبصيرة أيضا في عملية نصّية يتم من خلالها مزج المتناقضات بهدف جعل جمال الأمكنة التي صنعها الإنسان، جمالا كاملا غير منقوص.. (البرج).

إنه يعيد البناء وصوغ الأمكنة كاشفا عن وضعيات نفسية تعتمل داخله، كانعكاس لهذه الموجودات، وهو في سرده وإعادة ترتيبه وصوغه للمكان لا يقع أو يسقط في سرد عقلاني فلسفي ميكانيكي، إنه يقرأ المكان والذكريات المنقولة، ويضفي شفافية شعرية على عناصر المكان.

وعامر حين ينظر إلى عجائب الموجودات يكتب كمن يقرأ أكثر المناطق سرية في أعماقه، راصدا الأشياء الصغيرة جدا والكبيرة أيضا. لكنه لا يكتب أدب رحلات كما أنه لا يسعى إلى تسجيل تقرير صحفي عن الأمكنة التي يزورها، فما يهمه هو الوظيفة المرجعية للغة. فالسرد يظل مكتنزا بالإيماءات والإشارات وهذا ما يعني تدمير للحياد اللغوي الذي قد يستهّل به أحيانا بعض فصول روايته، وبالتالي نجد أنه انزياح عن التعابير العادية يبعد كتابة عامر بشة عن الذهاب إلى كتابة توثيقية، هي أبعد ما تكون عن الهاجس الإبداعي الذي يسكنه.

إن الإيحاءات والإشارات التي تشع من اللغة لا تنقلنا إلى الجغرافيا بل على الأبعاد النفسية الفردية للكاتب، وبمعنى أكثر دقّة تحيلنا على ذاته المتكلّمة “.. وإني أحنّ فعلا إلى زيارة الأماكن التي كانت لي معها ذكريات خالدة في ذهني.. وفي أعماق نفسي.. إنها ذكريات الطفولة.. ومطلع الشباب..” ص21.

• تموقعات السارد في المتن الروائي:

السارد في فن القص شأن أي شأن، فهو “الذي يضطلع بالسرد ويحدد نظامه ويضبط المقاييس الكمية والكيفية المستعملة في إيراد المغامرة”، وهو “ليس صوتا مجردا ينهض بالسرد فقط.. وإنما هو شكل وراءه مداليل”.

ولئن تجلّت براعة السارد في- هذه الرواية – في السرد وانسيابه بشكل واضح لانسجامها مع الوضعية التقليدية للراوي فإن الحوار قد شهد هنات أثّرت سلبا على تلك الإنسيابية ولاحت في ثناياه عيوب الراوي الذي سيطر على النص فأوهمنا بحريّة الشخصيات ليسحبها في الحوار وليتكلم على لسانها بغير لسانها الأمر الذي ترتّب عنه انسياق الخطاب إلى أحادية في اللغة ظهر من خلالها الوجه الخفي للكاتب الذي تخلى عن قناعه أو لم يتمكن من التخفي خلفه طويلا، فأطلّ بلغة متعالية وببعض المواعظ (ص14).

واهتمام الكاتب المفرط بالسرد دفع بالنص إلى التدحرج صوب النهاية في رباط وثيق بشخصياته فتحقق التشويق وكاد ينتفي العمق بمعنى الكشف عن أغوار الشخصيات عبر الحوار الباطني أو إضاءة المكان من خلال الوصف الذي هو “تبئير ووقف يكبح سرعة السرد ويجدد تواتر النسقية فيه”.

• بين السيرة والرواية:

رغم تعامل الكاتب بدراية عالية مع المكان والإنسان إلا أن ” البرج.. وحورية الوطن” تظل حائرة بين السرد والرواية، فهي تكتب سيرة ناقصة عن ذاتها وعن مكانها، وتحاول الإقتراب بحياء من الرواية لكنها لا ترتفع بالسرد إلى مستوى الحدث الروائي، وبالنماذج الإنسانية إلى مستوى الشخصيات الروائية، وهذا عكس فن السيرة الذاتية الذي هو أقرب للإعتراف أو للمرآة الصادقة التي ترينا كل جوانب الذات، قوّتها وضعفها، نجاحها وإخفاقها، مزاياها وعيوبها وانعكاساتها المختلفة على الذات، وهشاشة هذه الذات أحيانا، وروح الصراع من أجل بناء كينونتها من بين أنقاض الخراب والهباء.

كما أن الكاتب حاول جاهدا أن يكتب سيرة المكان وتاريخه، ورغم نجاحه في أن يؤرخ للمكان القديم، وأن يعكس شيئا من مناخه النفسي والإجتماعي وتفاصيله ومفردات حياته وهو لم ينظر إليه من زاوية محددة هي ذاكرة الطفولة التي يمثّلها السارد، ولذلك فإنّ هذه السيرة لم تر سوى جوانب معينة ولم تذكر سوى تفاصيل محددة قد لا تكون هي الأهم.

إن سيرة الأمكنة أو المدن ينبغي أن تقدم صورة متكاملة لها وهي لذلك ينبغي أن تعتمد على البحث والسؤال وجمع المعلومات لا على الذاكرة فقط أي أنها يمكن أن تستفيد من أكثر من ذاكرة تمتلك رؤيتها ومعلوماتها الكثير عن تفاصيل المكان وأحداثه.

إذا انتقلنا إلى النماذج الإنسانية التي يقدّمها عامر بشة في سياق أحداث الرواية نلاحظ أن السرد الذي يأتينا بأسلوب قصصي لا يخلق أحداثا مترابطة، تنبع من بؤرة محددة وتنمو بنموها هذه النماذج وتتخلّق على هيئة شخصيات فنّية لها روحها وطبيعتها الفريدة ورؤيتها الخاصة للحياة والعالم، وهذا يحتاج إنطلاقا للمخيلة في بناء الأحداث وخلق الحياة والشخصيات، إلا أن المؤلف ظلّ حائرا بين الأمانة للذاكرة المحدودة والمحددة وبين الإنسياب مع الخيال، وهذا ما أدى إلى لجم الخيال وبالتالي هذه الحيرة التي تبدّت في ثنايا العمل بين السيرة والرواية والتجاذب فيما بينهما خلال فصول العمل.

كذلك رغم جماليات السرد التي تصل أحيانا ذروتها الرائعة، إلاّ أنّه يحدث أحيانا نسيان خيط السرد الرئيسي والإندفاع للحديث عن بعض الموضوعات فيما يشبه المقالة الأدبية، وهذه كلها أشياء كان بالإمكان تجاوزها والتعامل معها بشكل أفضل يدمجها في بنية فنية محددة، ومع كل هذا تظل “البرج.. وحورية الوطن” عملا رائدا ومميزا من نواح كثيرة، ويتمتع بمزايا عديدة، وبجماليات فنية في السرد والعرض والتناول، وفي الروح الفريدة التي تمتلئ بها الكتابة، والحياة الحقيقية التي يحفل بها النص.

إن عامر بشة يكشف في عدد من الفصول عن قدرة فنية مدهشة، وبراعة عالية في السرد. فهذا السرد الذي يأتي متدفقا وبشكل عفوي وشيّق، هو الذي يمنح الرواية بساطتها وقدرتها الفائقة على جذب القراء ودفعهم لإتمام قراءتها دون كلل أو ملل. كما أن هذا الأسلوب السلس والبسيط والخالي من التركيب اللغوي المتكلف ومن التعقيد، يجعل من هذا العمل الإبداعي المتميز عملا فنيا جميلا ومدعاة للقراءة والمقاربة النقدية.

• على سبيل الخاتمة:

إن ما ذكرناه عن رواية عامر بشة يمثل – نسبيا – الخصائص العامة للرواية الإجتماعية، والتي لا بد من الإحاطة بها قبل التعرض لتحليل أو نقد هذا النوع من الروايات، ومن هنا فإن لكل نوع من أنواع الرواية أساليب تؤدّي إلى حسن التواصل بين الكاتب والقارئ، وإلى خدمة الهدف الأول من كتابة الرواية، وتبعا لاختلاف الأنواع الروائية فإنّ آليات تحليل العمل الروائي لا بد وأن تختلف أيضا.

لقد تمكن عامر بشة من المحافظة على علاقته بالقارئ حيث أدرك حاجة شريحة من القراء وقدّم لها ما يتناسب معها مستخدما لغة تتميز بالسهولة والوضوح في السرد، وابتعد في أسلوبه عن الرمز والغموض والإيحاءات والإستعارات والأساطير الغريبة والتعقيد الزماني والمكاني، وبذلك يكون قد نجح في تطبيق مبدأ “لكل مقام مقال” الذي حثت عليه النظريات القديمة والحديثة، والذي يؤكّد على ضرورة التوافق الفكري واللغوي والأسلوبي بين المرسل (الكاتب) والمتقبل (القارئ)، فالكتابة لقارئ غير مطّلع على أحدث النظريات الأدبية والنقدية واللسانية والأسلوبية، تختلف عن الكتابة للنخبة، والكتابة للطفل تختلف عن الكتابة للشباب والكتابة الموجهة للمرأة تختلف عن الكتابة الموجهة للرجل ..الخ.

والسؤال: لماذا نحكم على الكاتب الذي يحاول الوصول الى الطبقات المختلفة والقراء بمستوياتهم المتفاوتة بعدم المسؤولية وعدم إتقان العناصر الفنية؟

ولماذا لا نقبل بوجود أنواع أدبية مختلفة كل حسب الهدف المنشود منه، والجمهور القارئ له، والمؤلف المبدع فيه؟

قد لا أبالغ إذا قلت إن الأدب العربي يتّسم بمعارضة الأنواع الأدبية الجديدة لسببين:

الأول: التمسّك بالأنواع القديمة قالبا ومضمونا، والحكم على الأنواع الجديدة من وجهة نظر تقليدية، وبمعايير النقد التي تنتمي إلى القديم وليس الجديد، ممّا أدّى في بداية ظهور الرواية إلى معارضتها والوقوف ضدّها.

والثاني، هو التمسّك بالأنواع القائمة ورفض الجديد حرصا على مصلحة القارئ وبالإعتماد على المقاييس الأخلاقية، مما سبق وأن ذكرنا – في موضع آخر – أن له صلة بالمؤسسات الإجتماعية أكثر من صلته بالدراسة الفنية.

(ميدل ايست اونلاين)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق