.

مدارات يكتبها أدونيس (هل يموت المكان هو أيضاً ؟)

أدونيس

1 ـ
ما أخطرَ اللغة! يقدر الإنسان أن يحوِّل كلّ كلمةٍ إلى حرباءَ تتلوَّنُ، وِفقاً للمكان، ووفقاً للزمن أيضاً. هكذا يقدر أن يجعل اللغة أداةً للطّمْس والمَحْو. وهكذا تبطُل أن تكون طاقةً لطرح الأسئلة، وتصبح مستودَعاتٍٍ لليقين.
يحلّ الوهمُ محلَّ الواقع، والمَرئيُّ يصبح لا مرئيّاً.
الحقيقةُ نفسُها تصبح كذباً. الكذبُ نفسه يحلّ محلّ الصِّدق.
حقّاً، ما أخطرَ اللغة! الإنسانُ في فضاء هذه اللغة، يصبح هو نفسُه توهُّماً.
ـ 2 ـ
ماذا يعلِّمنا هذا الخطر؟
لِنحاوِلْ، على سبيل الإجابة، أن نقرأ في ضوئه واقعنا الرّاهن:
أوّلاً – هذا الواقع الذي يفترض أنّه «واحدٌ»، إنّما هو، على العكس، كثيرٌ، متنوِّع، ومتناقض. ومع ذلك تُصِرّ اللغة على الحديث عنه بوصفه «واحداً».
ثانياً – يختنق هذا الواقع في مستنقعٍ ضخمٍ من المفهومات والأفكار والآراء والأحلام والأوهام والشّهوات والرّغبات والطّوباويّات من كل نوع.
ثالثاً – العالم «الثّقافيّ» الذي «يدير» هذا الواقع، أو ينشأ عنه، عالَمٌ مُصطَنَعٌ، سطحيٌّ كيفما نظرتَ إليه، على جميع المستويات، وفي مختلف الصُّعُد: لا يقدِّم أطروحةً واحدةً جديدةً، رائيةً وخلاّقة، في أيّ ميدان.
رابعاً – البشرُ في هذا العالم يخرجون من الواقع، من التّاريخ.
والحدود التي تفصل في عقولهم بين «الصّحيح» و «الباطل» غائبة غياباً يكاد أن يكون كلّيّاً.
خامساً – فنّ «الغياب» و «التغييب» هو الذي يُهَيمِن. وليس فنّ «الحضور» و «الإحضار» إلاّ أداةً للمحو.
سادساً – تغييب الحياة «الواقعيّة» – إضافةً إلى كون الحياة الحقيقيّة «نائمة» – خوفاً، أو مُسايَرَةً، أو نفاقاً ورياءً، أو بقوّة الرّقابة، الذّاتيّة والموضوعيّة.
سابعاً – الحياةُ الفرديةُ، الحميمة الخاصّة، إنّما هي حياةٌ سرّية، تتمّ في الخَفاء.
ثامناً – لا مكانَ للذّات المستقلّة، الحرّة: الذات بوصفها إرادةً ورغبةً وقدرةً ومعرفة. الذّات «الشّائعة» عائمة، لا جوهرَ لها، ولا هويّة. وهي ذاتٌ لا موضوعَ لها. إنّها ظلٌّ لشيءٍ هو نفسه ظِلٌّ لشيء آخر.
تاسعاً – كلّ نظرةٍ عميقة (دينيّةٍ أو فكريّة أو علميّة أو فنّيّة) تتماهى مع هذا العالم، تصبح سطحيةً ومُبتَذَلة.
عاشراً – واقع يزداد غموضاً، كلّ يوم، ويزداد الناسُ جهلاً به: كيف بدأ، وكيف سينتهي؟
هكذا يبدو الإنسانُ في فضائه أنّه «تجريدٌ» خالِصٌ، أو أنّه نوعٌ من الوهم – مُهَشَّمٌ، ومجزأ، ومُشوّه.
– 3 –
السّؤالُ الأساسُ هنا هو: هل المكان يموت، هو أيضاً؟
هل العراقُ «مكانٌ» يموت؟ هل سورية «مكانٌ» يموت؟ وأكتفي بهذين السّؤالين – تمثيلاً، لا حصْراً.
هل تموت الأمكنةُ، حقّاً، كما يموت البشر؟ عِلماً أنّ المكانَ ليس مجرّد «مساحةٍ» جغرافيّة. إنّه بالأحرى «مساحةٌ» إنسانيّة – حضاريّة.
أن يموت «المكان» – بابل، مثلاً، أو تدمر، أفلا يعـــني ذلك أنّ البشر الذين يقيمون في هذا المكان «يمـــوتون» هم أيضاً؟ ( أو يُميتُهم بشرٌ آخرون؟). ربّما يستمرّ المكان، ظاهــريّاً: ســطحاً مادّيّاً. لكنه يستمرّ كمثل هيــكلٍ خاوٍ، لا «جوهر» له. لا يبقى فيه غير خطّ الأفق المتصحِّر: لغةً، وعقلاً، وثقافةً. البحرُ نفسُه، يتحوّل منظوراً إليه بعين المكان، إلى صحراء أخرى.
كأنّ المكانَ مسكونٌ بموته هو أيضاً كمثل الإنسان. مسكونٌ ببُعدٍ استئصاليّ يُفرِغُه ممّا هو، ويملؤه بشيءٍ آخر.
إماتةُ المكان تَعني خلقَه من جديد، على صورة الذين أماتوه. يُخرِجونه من صورته القديمة، ويمنحونه صورةً جديدة. محاكاةً لانبعاث الإنسان بعد الموت.
ـ 4 ـ
موتُ الأمكنة؟ أليس في هذا الموت ما يفسِّر الهجراتِ البشريّة؟ يضيئنا في فهم هذا الموت التّقديرُ العلميّ الذي يؤكِّد أنّ حوالى مليارٍ من البشر سيهاجرون أو سيغيّرون أماكنهم بين 2016 و2040، وأنّ حوالى 20 مليوناً يطلبون، سنويّاً، الدّخول إلى بلدان شينغين Schengen. وفي هذا الخِضمّ الهائل تُبحِر سفينةٌ اسمها فلسطين.
ما كان تأصُّلاً يصبح اقتلاعاً. وما كان توطُّناً، يتحوّل إلى هجرة أو تهجير.
والمهاجرون جميعاً يُعَزّون أنفسَهم، كلٌّ بطريقته الخاصّة، أنّهم يتركون أمكنة «الماضي» إلى أمكنة «المستقبل».

ـ 5 ـ
هل تكون الحياة، هي أيضاً، سفراً في «الفراغ»؟
وأين « المِلْءُ «؟
لا مِلْءَ على الأرض تقول الأديان الوحدانيّة الثّلاثة. المِلْءُ في السّماء وحدها. وهيامُ الإنسان، أخيراً، لا يدور حول «جسد» الأرض، بل حول «جسد» السّماء. والجاذبيّةُ هنا ليست إنسانيّةً بل إلهيّة. وأصْغوا، تخيّلاً، إلى ما يُقال تحت هذه القبّة السّماويّة، وباسمها:
ـ ترَكَتْنا الأرض وسافرَت. فماذا ننتظر؟
ـ ننتظِرُ ما لا يموتُ أبداً. ما لا يتركنا أبداً: ننتظر السّماء.
ـ 6 ـ
هل العرب، إذاً، يخلقون من جديدٍ «أطلالَهم»؟
يَجْمُل بنا إذاً أن نتذكّر «الأصول»: أن نعيد قراءة الشعر العربيّ، قبل الإسلام – أن نرى من جديد، «أطـــلالَه» هــو أيضاً. كان الشاعرُ العربيّ يبــكي مع الطّــلَل، الحبَّ، والحياة، وعلاقاتها الإنسانيّة، وذكرياتها. ما ترانا نبكي نحن في «أطلالنا» اليوم ؟
ـ 7 ـ
يقول «فرويد» في كتابه «خَلَلٌ في الثّقافة» ما خلاصتُه أنّ «الأنا» في الأصل، يتضمّن كلّ شيء. غير أنّه انفصل، لاحقاً، عن العالم الخارجيّ. وليس شعورنا الرّاهن، اليوم، بالأنا إلاّ بقيّة فقيرةً لشعورٍ أكثر اتّساعاً يتضمّن «الكلّ».
وسؤالي هنا هو: هل أفقَدَتْنا حروبُنا، نحن العرب، «الكلّ» و «الأنا» معاً؟ أم أين هي «الحقيقة»؟
للشاعر البريطانيّ كيبلينغ جوابٌ غيرُ مباشِرٍ عن هذا السّؤال، أحبّ أن أذكره هنا، وهو:
«الحقيقة هي الضّحيّة الأولى في الحرب».
أتُراها الحروبُ، إذاً، ليســت في وجهها «الثقافيّ» إلاّ مَحْواً: مَحْواً لمبدأ الحقيقة؟
ـ 8 ـ
أهذا ما فعَلَتْه وتفعلُه حروبُ «الربيع العربيّ»؟
في كلّ حالٍ أضْفَتْ هذه الحروبُ على العنف / المحو حتّى بأشكاله الأقلّ وحشيّةً، بُعداً ميتافيزيقيّاً. هكذا خلَقَت على الأرض جحيماً مصَغَّرَةً للجحيم، كما يتخيّلُها أصحابُها.
الإنسانُ في ممارسَة أصحاب هذه الجحيم ليس إنساناً، وليس دون الإنسان. إنّه خارجَ النّوع الحيوانيّ: شيءٌ دون الأشياء كلِّها.
هكذا أُعطيَت للمحْو، للموت الماحي فرصة أن يكون أقوى من الحياة. وأن يكون مهيناً، وأن يخالف إرادة الخالق الذي هو، وحده، «يُميتُ ويُحيي».
ـ 9 ـ
حقّاً، ما أخطرَ اللغة.
أيّامٌ جُرِحَت في أوّل طريق الحرير، وعولِجَت في أواسطها،
أيّامٌ تشحذُ الأسلحة، وتفُلُّ اللغة.
أيّامٌ تحوِّل كلّ شيء إلى حربٍ ضدَّ كلِّ شيءٍ.
لم يبقَ في السّماء نجومٌ لم تنزل على خُوَذ المحاربين،
إلاّ نجمة واحدةً ترفض أن يُذكَرَ اسمُها.
يا وجهَ الشّرْق العربيّ،
أما تعِبْتَ من التّحديق في وجه أخيك الغَرْب؟
خلخالُ امرأةٍ من الشّرق يُصبحُ قُرْطاً
في أذن امرأةٍ من الغرب.
والبقيّةُ آتيةٌ في هودَجٍ أحمر.

 

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة