إصدارات

الرواية تؤكد أن التاريخ الأوروأميركي ناضح بالعنف وإراقة الدماء

محمد الحمامصي

يتصدى هذا الكتاب “مغامرات الكاوبوي في بلاد الهنود الحمر” للدكتور صديق محمد جوهر رئيس قسم الأدب الإنجليزي بجامعة الإمارات بالتحليل النقدي لأهم وأشهر النصوص التراثية الروائية التي تتناول العلاقة التاريخية بين المستعمِرين الأوروأميركيين والمستعمَرين من السكان الأصليين أصحاب الأرض، وتغطي فترة طويلة من الزمن تمتد من الروايات التي كتبت عن ما يسمى بحقبة روايات الأسر خلال القرن السابع عشر التي شهدت ظهور عدد من المرويات والسرديات النثرية (قصص الأسر) كتبها مستوطنون متطرفون سعوا من خلالها لتبرير عمليات الاستيطان والإبادة العرقية للسكان الأصليين عن طريق الادعاء بأنهم قد وقعوا أسرى في أيدي الهنود الحمر المتوحشين، وأثناء وجودهم في الأسر اطلعوا على ثقافة السكان الأصليين الهمجية التي تثبت حسب مزاعمهم أنهم من آكلي لحوم البشر، وأنهم شعوب بدائية تعيش خارج خارطة التاريخ الإنساني، ولذلك ينبغي قتلهم واجتثاث شأفتهم حتى يتمكن الأوروبيون حملة ألوية الحضارة من ئشر المسيحية والقيم الأوروبية الإنسانية النبيلة في بلاد البرابرة. وصولاً إلى روايات كتبت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين إضافة إلى روايات رومانسية معاصرة كتبت وفقًا لرؤية ما بعد حداثية، وسعت إلى تزييف التاريخ الأميركي وخداع القارئ.

وأشار د. صديق في الكتاب الصادر هذا الأسبوع عن دار صفصافة إلى أن هذه التغطية النقدية تتوخى تتبع تطور صورة العدو (الشعوب المستعمَرة) في الرواية الأميركية على مدار ما يربو من ثلاثة قرون من الزمن.

وتذهب الأطروحة النقدية الرئيسة في هذه الدراسة إلى أن الصورة المتغيرة للأعداء (أصحاب الأرض) في الرواية الأميركية ليست إلا انعكاسًا لسلسة من التغيرات التي ألمت بالخطاب العنصري/الثقافي للمجتمع الأوروأميركي فيما يتعلق بالهنود الحمر ومجتمعاتهم علاوة على الشعوب والأقليات الأخرى.

إن الصورة المتغيرة للأعداء وخاصة السكان الأصليين، كما ظهروا في النصوص الثقافية والأدبية الأميركية، ونظرًا لتفاعل العديد من العوامل السوسيوتاريخية المركبة هم البرهان على قدرة الحضارة الغربية للبيض الأميركيين على تعديل أوضاعها وتغيير ملامحها.

وذهب صديق إلى أن مؤلفي روايات الأسر الجديدة في مرحلة ما بعد الحداثة يتجاهلون عامدين الخطاب التاريخي العنصري المعادي للهنود في روايات القرن السابع عشر والقرن التاسع عشر، والتي تورد من بين ما تورد المذابح والتطهير العرقي وإراقة الدماء ومظاهر الوحشية الرهيبة التي وقعت في حق الشعب الهندي من قبل المستعمرين البيض المستكشفين، وبدلاً من ذلك تعتمد تلك الروايات نهج التزييف والتزوير ومحاولة طمس التاريخ، وتستبدل بالخطاب العنصري الذي ساد الروايات الأميركية على مدار قرون خطابًا نقيضًا يرتكز على المرغوب المأمول والعاطفي الإثاري، بما في ذلك اللجوء إلى الجنس والإباحية، والتعبير عن العواطف والانفعالات.

وبالمزج بين الرواية الرومانسية ذات الشعبية الجارفة وبين نوع أدبي أميركي خاص هو رواية الأسر، يحاول الكتاب الأميركيون في مرحلة ما بعد الحداثة فيما ترى هذه الدراسة شرعنة هذا النوع الأدبي الجديد الهجين بإغرائهم للقراء على التماهي مع ذلك الحب المصطنع المتوهم بين الهندي الوسيم والأميركية البيضاء الفاتنة، ذات الأصول الأوروبية، ذلك الحب الذي يتسامى فوق حقائق التاريخ، ويتعالى على أحداث الواقع الفعلي الملموس على الأرض.

ورأى د. صديق أن استغلال كُتاب الرواية المعاصرة التي تتناول عهود الاستكشاف والعبودية بنهج رومانتيكي، إقبال الجماهير العريضة في كل بقاع الدنيا على قراءة والتهام الرواية الرومانتيكية العاطفية، إنما يستهدف أساسًا طمس معالم التاريخ، وإحداث حالة من فقدان الذاكرة الثقافية الجمعية تطمر في فجواتها الخطابات العنصرية التي تغص بها روايات القرن السابع عشر والقرن التاسع عشر، مستبدلة ذلك كله بخطاب بديل يعيد صياغة القضية الهندية على نحو جديد.

وأكد أن التاريخ الأوروأميركي الناضح بالعنف وإراقة الدماء، والذي أفضى إلى إبادة جنس بشري بأكمله لا يمكن محوه هكذا بجرة قلم من الذاكرة الإنسانية أو من مكنون الضمير الجمعي الأميركي مهما بذلت الآلة الثقافية الأميركية من جهود لتجميل الوجه القبيح لأمة رعاة البقر عبر مئات الروايات الرومانتيكية العاطفية التي تدغدغ المشاعر والموجهة إلى قراء يُفترض أنهم فقدوا ذاكرتهم القومية والتاريخية.

وقال د. صديق “تعكس معظــم روايات الغرب الأميركي الواسعة الانتشار، وخاصة قصص الأسر إبان القرن السابع عشر طابعًا بيوريتانيًّا متطرفًا معاديًا لسكان أميركا الأصليين؛ إذ تعمد إلى تصوير الهنود الحمر باعتبارهم أقوامًا همجًا وبرابرة، ولا مناص من استئصالهم؛ لتمهيد الطريق أمام التوسع والاستيطان الأوروبيين.

وتدور معظم روايات الأسر التقليدية التي كتبها قصاصون ومؤلفون من أمثال: كوتون ميذر، جون نورتون، فاني كيلي، وماري رولاندسون حول أحداث ملفقة وقصص خرافية تتعلق بوقوع المستوطنين الأوروبيين في الأسر خلال المواجهات الدامية مع الهنود الحمر، ومن ثم عودتهم إلى مستوطناتهم؛ كي يصفوا هول ما شاهدوه داخل مجتمعات الهنود من وحشية وتخلف وطقوس دموية بدائية تقشعر لها الأبدان.

إن صورة الهندي الهمجي التي روَّجتها روايات الأسر الاستعمارية الباكرة، عززتها روايات القرن التاسع عشر التي كتبها جيمس فينيمور كوبر، وكاثرين ماريا سيدغويك، وليديا ماريا تشايلد، وما كتبه الروائي زين غري في أوائل القرن العشرين. وبمعنى آخر، فإن الكُتَّاب السابق ذكرهم هم من طوروا وأشاعوا المقولات العنصرية المعادية للهنود الحمر، سكان البلاد الأصليين، والتي ظهرت في صورتها الجنينية بروايات الأسر إبان القرن السابع عشر.

ولفت إلى أنه بالرغم من وجود تباين في الرؤى الفنية والاتجاهات الأيديولوجية بين هؤلاء الروائيين (كوبر، سيدغويك، تشايلد وغري)، فإنهم أجمعوا على تصوير الهندي الأحمر كهمجي شهم وهمام، لكن الضرورة تتطلب محوه أو تهميشه في أقصى بقاع الغرب الأميركي أو عزله داخل محميات ومعازل بحجَّة أن الماضي البدائي لا مناص من التخلص منه؛ كي يتاح لحضارة الحاضر أن تمضي في طريقها للأمام.

لقد ظلت تلك الصورة الذهنية النمطية للهنود الحمر، هي السائدة في الرواية الأميركية اعتبارًا من القرن السابع عشر وحتى أوائل الأربعينيات من القرن العشرين.

وأوضح صديق أنه “في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فُتحت أبواب المحميات الهندية لأول مرة في التاريخ، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية تم تجنيد أعداد غفيرة من شبان وشابات المحميات الهندية، وقامت الحكومة بضمهم إلى القوات المحاربة على مختلف جبهات القتال لخوض المعارك ضمن الجيوش الأميركية.

عندئذ شرعت الآلة الثقافية الأميركية في تحسين صورة الأقليات العرقية، وخاصة سكان البلاد الأصليين والزنوج في مسعى لتأمين وتوحيد الجبهة الأميركية الداخلية في زمن الحرب. ومن ثم، فقد راحت الروايات الأميركية في أعقاب الحرب العالمية الثانية تصور الأميركيين من ذوي الأصول الهندية بوصفهم إخوة وحلفاء ومحاربين أشداء، يقومون بالدفاع عن بلادهم ضد الأعداء.

لقد اختفت صورة الهندي الهمجي المتوحش عن صفحات الأدب الأميركي خلال حقبة الحرب العالمية الثانية لتحل محلها بالقطع صورة الأعداء الجدد من الألمان والإيطاليين واليابانيين باعتبارهم رموز الشر والهمجية.

كما مهدت صورة الهندي الأحمر، باعتباره بطلاً من أبطال الحرب العالمية الثانية، الطريق أمام اندماج الهنود في التيار الرئيس للمجتمع الأميركي الأبيض. وعكست روايات ما بعد الحرب العالمية الثانية تلك النظرة الانقلابية لصورة الهندي الأحمر باعتمادها خطابًا توحيديًّا تكامليًّـا ينبذ النبرة العنصرية التي طالما نظَّر لها المجتمع الأميركي بما في ذلك المفكرون والكُتاب للهنود الحمر مستبدلة ذلك بالتوكيد على ولائهم الوطني، ونعتهم بالأميركيين الأصليين.

وأضاف “بلغت الصورة الجديدة للهندي الأحمر ذروة سطوعها في الروايات ـ الصادرة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين ـ التي تسعى لإعادة كتابة قصص الأسر الباكرة إبان القرن السابع عشر بشكل يناقض التاريخ بهدف تقديم قراءة جديدة ترفع من شأن سكان البلاد الأصليين، حيث استبدلت بصورة الهندي الأحمر الهمجية الوحشية المألوفة في روايات ما قبل الحرب العالمية الثانية صورة الهندي العاشق الرقيق الذي تترامى عند أقدامه السيدات البيضاوات عشقًا وهيامًا.

وفي مسعى مفضوح لقلب وتزوير حقائق التاريخ الأميركي على الأرض بما تتضمنه من وحشية وعنف وعنصرية ضد الهنود الحمر وغيرهم من الأقليات، عمد كتاب روايات الأسر الجديدة ـ إبان الثمانينيات والتسعينيات من أمثال: فيرونيكا بليك، سيلفيا سومرفيلد، جافيل تيلور، كولين فوكنر، جينيل ديلين، وريتشارد فان _ دريبتس إلى تقديم الهندي كعاشق مرهف الحس يحيا في مجتمع ريفي نموذجي.

لقد أضحى الهندي رمزًا لحقبة بطولية ولَّت بلا رجعة وماضٍ عريق جميل يفوق في بطولته وجماله ذلك الحاضر الذي تسوده الآلة الصناعية، وتسيطر عليه أخلاقيات وقيم المجتمع الصناعي والتكنولوجي وتغيب عن واقعه كل الأحاسيس الرقيقة والعواطف الإنسانية الجياشة.

إن هذا التسطيح للتاريخ هو ملمح رئيس من ملامح الرواية الأميركية المعاصرة التي تتناول أية أحداث تاريخية تتعلق بالعدوان والتوسع الاستعماري الأميركي ليس فقط في نطاق جبهة الاستكشاف الاستعمارية المحلية الأميركية، وإنما على نطاق أوسع يطال العالم الثالث في بلدان تعرضت للعدوان والغزو مثل كوريا وفيتنام وأفغانستان والعراق”.

وأكد د. صديق أن الروايات التي تتناول حقبة الأسر والصادرة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، والتي تعيد إنتاج التاريخ الأمريكي / الهندي من خلال توظيف طرائق وديناميات أدب ما بعد الحداثة هي جنس أدبي هجين، إنها روايات تشكلت في قوامها الرئيس من سرديات خيالية شائعة في أدب المغامرات العاطفية، علاوة على عناصر مأخوذة من قصص الأسر التقليدية إبان القرن السابع عشر (التي سجلت النـزاع الدموي الطويل بين المستوطنيين البيض والهنود الحمر خلال فترة استكشاف الغرب الأميركي).

وبزيادة الرقعة الرومانسية التخيلية، سعى الروائيون الأمريكيون الجدد من وراء كتابة هذه النوعية من الروايات _ بهذا النهج ما بعد الحداثي _ إلى طمس وإزالة آثار ما يربو على ثلاثة قرون اقترف فيها الأميركيون البيض ما لا يحصى من جرائم العنصرية والإبادة والعنف ضد الأقوام الهندية الحمراء وغيرهم من الإثنيات والعرقيات غير الأوروبية.

وعلى خلاف الروايات التقليدية التي تناولت حروب الاستكشاف الهندية / الأميركية التي تصور إبادة الهنود الحمر على أيدي المستعمرين الأميركيين، وتبرز فيها صورة الهنود الحمر كهمج متوحشين، كما تحفظها ذاكرة الثقافة الجمعية الأميركية، تأتي روايات ما بعد الحداثة فتصور الهنود الحمر بمنطق إيهامي تجميلي يتجاهل تمامًا الواقع التاريخي الحقيقي الناطق بالعنف والوحشية الأميركيين الموجهين إلى الهنود الحمر.

وقال “استهدفت الرواية الأميركية الحداثية التي تتناول حقبة الأسر، والتي تعمل على تسلية القراء وإلهائهم بالأساس، أن تكون أداة لإعادة كتابة تاريخ الهنود الحمر والمستعمِرين الأوروبيين بغية تحقيق أهداف صُناع الثقافة الأميركية أيديولوجيًّا وثقافيًّا.

إن كُتاب هذه الروايات الحداثية التي تدور حول ما عرف بمرحلة الأسر؛ إذ يعمدون إلى تجاهل الحقائق التاريخية الثابتة في الروايات القديمة التي تناولت تلك الحقبة بدءًا بالروايات البيوريتانية إبان القرن السابع عشر وانتهاءً برواية زين غري (الهندي المنقرض) في عام 1925 ويستبدلونها بعناصر وثيمات فنتازية تخيلية مستقاة من الرواية الشعبية المتداولة، إنما يرمون من وراء ذلك إلى الانتقال بالقارئ من “خطاب الواقع” الذي لازم روايات الاستكشاف التقليدية إلى “خطاب المأمول” أو “خطاب الحلم المتخيل” الذي يبعث الأمل في النفوس، ويقدم للقُراء الأميركيين تاريخًا لا غبار عليه يستسيغونه، ولا يأنفون منه.

وبمعنى آخر، فإن صناع الثقافة الأميركية سعوا من وراء ترويج رواية حقبة الأسر في ثوبها الجديد إلى التخفيف من حدة ووطأة القضية الهندية / الأميركية بكل ما تنطوي عليه من تعقيدات تاريخية ومضامين مرعبة وتحويلها إلى قصة حب رقيقة تجمع بين بطلة بيضاء فاتنة وعاشق هندي وسيم”.

وخلص د. صديق إلى إن عرض الصراع التاريخي الهندي / الأميركي، إبان فترة الاستيطان والاستكشاف روائيًّا في صورة مغامراتية إثارية، استهدف في الأساس تنقيح التاريخ الأميركي الملطخ بالدم والطافح بالعنف والشراسة بواسطة تقديم صورة توهمية شائقة، وإن تكن زائفة لذلك التاريخ، تتعامى عن ثلاثة قرون من التطهير العرقي والإبادة المنهجية في حق الهنود الحمر أصحاب البلاد الأصليين.

وترى الباحثة تانيا مودليشي أن قراءة روايات المغامرة الإثارية تولد في نفس القارئ رغبة نهمة في المتابعة إلى ما لا نهاية، وهذا النهم وتلك الحاجة الملحة لاستكمال الأحداث “تنمي داخل القراء اعتمادًا نفسيًّا لا تشبعه إلا أمثال هذه الروايات”.

إن استدراج القراء نحو إدمان قراءة رواية المغامرة كنوع أدبي جماهيري، هو واقع أفلحت صناعة الثقافة الأميركية في تحقيقه على الأرض حتى الآن، وإن كان في نطاق الأدب والسينما. ومن خلاله عملت على تقديم تصورها لتاريخ العلاقة بين الهنود والأميركيين زمن الاستيطان والاستكشاف على هيئة جديدة هي قصة الحب التي تجمع بين البطلة الأميركية البيضاء والبطل الهندي الشهم صاحب المروءة، متجاهلة بذلك قرونًا ثلاثة ملطخة بالقتل والعنف والعنصرية.

(ميدل ايست اونلاين)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق