.

في الفصحى ولهجاتها الناشزة… التغبية والتأليم والإيلام

هادي حسن حمودي

(1)
كتب مدير معهد المخطوطات العربية فيصل الحفيان في تدوينات منفصلة في «الفيسبوك»:
ما ظلمت أمة لغتها كما ظلمناها وما انتهكت أمة حرمة لغتها كما انتهكناها. لك الله أيتها العربية.
اللغة ليست للتواصل وإلا لتساوى البشر والعجماوات فهم بلا شك يتواصلون.
العربية الشجاعة قمينة بالحب والود والرعاية من أبنائها.
قادتني هذه التدوينات إلى شاطئ أحلام إمكانية تطوير الوضع الثقافي العربي بإعلاء شأن هذه اللغة والمتعاملين بها ومعها.
واتبعنِي
(2)
الباريسيات الرشيقات الأنيقات يلفظن الراء غينًا، فلو جعلت أحداهن تلفظ كلمة (التربية) لقالت (التغبية) ولو جئت إلى لندن وصادفت إنكليزية صميمة لا تستطيع لفظ العين، وطلبت منها أن تقول (إعلام) لما قالت إلا (إيلام) ولو عرضت لها كلمة (تعليم) لقالت (تأليم) أما لو كانت مصابة بالزكام فستقول (تأليب). ولدينا في كثير من مناهجنا المدرسية دروس (تأليب) بعض الناس على بعض، تارة بحجج تراثية، وأخرى بحجج عصرية تختال بثياب منشّاة وعطور.
وهذه الكلمات صادقة الانطباق على مجريات التربية والتعليم والإعلام في معظم أرجاء عالمنا العربي العائش في شعارات حرب البسوس وثارات داحس والغبراء.
ما أكتبه، هنا، ليس جلدا للذات، بل محاولة لإصلاح الحال الذي يرى فريق منا أنه أصبح من المحال، خاصة في المجتمعات التي انحدرت وما زالت تنحدر نحو الأسوأ والأقسى.
(3)
منذ سنوات كانت إحدى الفضائيات العربية تبث ندوة طبية أسبوعية بعنوان (كلينيك على الهواء) فكتبت مقالة صحافية، طلبت منهم أن يكونوا أكثر تقدما ورقيا فيغيروا عنوان ندواتهم إلى (Clinic on air) (كلينيك أون اير) كي يثبتوا للعالم أنهم متحضرون، وإذا كانوا يخافون من عين الحسود الذي لا يسود فليكن العنوان (هوسبيتال على الهواء) فالكلمة أشمل من الكلينيك وأحلى، خاصة أنها تبدا بـ(هوس) ولدينا والحمد لله الذي لا يُحسد على مكروه سواه الكثير من (المهووسين) (بواو مكررة تأكيدا للمعنى). ولكنِّي قرأت بعد أيام خبرا يقول إن رئيس الدولة بنفسه ذهب إلى مقرهم وطلب تعريب عناوين برامجهم وندواتهم. ولا أدري هل غيروه إلى الأفضل أم إلى الأسوأ أم ما زال حيا يرزق.
(4)
وقبل سنوات أيضا، كانت فضائية أخرى تبث برنامجا (ترفيهيا) راقيا جدا بعنوان (بولينغ الأغاني) فسألتهم عن (البولينغ) بالغين أم بالكاف. وهل هو اسم مطرب أم مطربة؟ أم هو نوع من الديناصورات المكتشفة حديثا؟ ويبدو أن هناك من طلب منهم إيقاف البرنامج فكنت سببا في قطع رزقهم. ولكنهم عادوا بمقدم برامج أخن، أي يتكلم من أنفه، وهو يقفز ويصفق بيديه ويصرخ (نيو لوك) (نيو لوك) (New look) وله الحق فإن العربية عقيمة ليس فيها مقابل للنظرة الجديدة أو المرأى الجديد أو (الطلّة الجديدة) للوجوه المعدنية.
(5)
هذا كان قبل سنوات.. أما في هذه الأيام فبرامج أكثر قبحا وبذاءة، وتصعيدا للهجات الناشزة إلى أن تكون عناوين ندوات ومقابلات كأن العربية عقمت عن مقابلات فصيحة لهذه البرامج الفضيحة، وندوات الثرثرة والأصوات الصدئة القبيحة. ولكنِّي لن أذكرها حرصا على (مراعاة الآداب العامة). خاصة بعد أن حدثنِي صديق أن مسؤولا عربيا رفيع المستوى وغليظه كان في زيارة لدولة أوروبية، وقبيل لقائه مع رئيس وزراء تلك الدولة، أصيب مترجمه الذي صحبه معه من بلده بالتهاب الزائدة، حفظكم الله منها. فاستعان المضيفون بمترجمهم وهو من بلد عربي آخر، وبعد جملتين، طلب المسؤول (العربي) من المترجم العربي أن يتكلم العربية، وهو يقصد لهجته التي لا يعرف سواها.
وحدث في لندن أن مسؤولا عربيا التقى رئيس الوزراء البريطاني السابق، ولم يظن الإنكليز أن المحادثات ستحتاج إلى مترجم، فالمفروض أن هذا المسؤول يعرف الإنكليزية، بلا شك. ولكن ما إن بدأ بالحديث حتى وجدوا أنهم قد ضاعوا فلم يستطيعوا فهم ما يقول.
وحين أخبرني من أثق به بهذه الحادثة، قلت له: لا شك أنه تكلم معهم بلغة شكسبير ولذلك (ضيّعهم) وكان متقصدا، حرسه رب العباد.
(6)
خطيب منبري، في فضائية عربية متأسلمة يستشهد بقوله، تعالى (بقية الله خيرٌ لكم) وهي في قوم شعيب الذين كانوا يطفّفون في الميزان، فيقول: بقية الله واضحة، شلون بعض الناس يكولون مو واضحة؟ بقية الله همّه العلماء الأعلام إلى زمن الظهور. كل واحد في زمانه بقية الله.
شيخ آخر في بلد آخر وفي فضائية عربية متأسلمة يفسر الآية (ألم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) فيقول: يعني إيه؟ يعني ربنا بيقول للمؤمنين اقتلوا الكافرين. اقتلوا مين؟ اقتلوا الكافرين وليه بتقتلوهم؟ عشان همّه كافرين. مين همّه الكافرين؟ كل من لا يؤمن أنو لا إله إلا الله وأنو محمدٌ (هكذا بتنوين الضم) رسول الله.
وقد تقول: إن هذا التزييف يمكن أن يقال باللغة الفصيحة. اعتراضك صحيح، ولكن لو كان الناس يعرفون الفصحى لما استطاع هؤلاء وغيرهم تزييف معاني القرآن، ولا شك في أن كثيرا من المستمعين سيقلدون هؤلاء في كلامهم ومضمون ذلك الكلام معتقدين الصحة والصواب فيه. وثمة فرق بين أن يلقي الخطيب فقاقيع فتنته على رؤوس المنصتين له، وبين أن يزيف لهم آيات القرآن. ففي الحالة الأولى سيقال هذا رأيه وليس ملزما لأحد، أما في الحالة الثانية فثمة إلزام وإجبار ينوب الكثيرين.
والمسألة، هنا تهييج للفتن، وسواء كانوا يجهلون المعنَى الصحيح أم يعرفونه، فهم يستغلون جهل الناس باللغة ومعانيها فيدسّون سمومهم في معسول الكلام، فاستطاعوا أن يوظفوا القرآن الكريم حسب أهوائهم معتمدين على جهل الكثيرين بمعاني كلمات اللغة العربية.
(7)
على أن ذلك الذي يعتقد أن لهجته الناشز هي اللغة الفضلى الفصحى، فله الحق، لأنّه يفتح أذنيه على أصوات، يعاد تكرارها له في المدارس، ويسمعها في وسائل الإعلام، وتصخ سمعه في المنابر، وجلسات تفسير القرآن وإجابات الأسئلة الشرعية المتلفزة، ويسمعها من أفواه المسؤولين في خطبهم وتصريحاتهم.
على أني حضرت محاضرات لمستشرقين فرنسيين وبريطانيين ألقوا محاضراتهم باللغة العربية، فما تمنيت ولا تمنَّى السامعون أنها تنتهي، لجمال الإلقاء وحسن الأداء، لقد كانوا يعرفون قيمة الصوت اللغوي، ونغمة تركيبه في الكلمة، ولم يقعوا في خطأ واحد مهما كان.
واتبعني إلى تدوينات شواهد في صفحات «الفيسبوك»:
(8)
* لفت الكاتب والمدون عبد العزيز أحمد (من مصر) انتباهي إلى تدوين له في صفحته، يقول:
(من المتناقضات أن يقوم المحاضر بشرح الموضوع باللغة العربية بدرجة من الدقة، وإذا به يطالع في وجوه مستمعيه واستفساراتهم عدم فهم ما قام بشرحه، فيتحول بهم إلى اللهجة العامية ليفسر لهم مقصده. وهذا يحدث أيضا بين الرؤساء ومرؤوسيهم في العمل وبين الموظف والجمهور. يا للعجب.. لقد تحولت اللهجة إلى لغة وسيطة تفسر بها مقاصد وعبارات اللغة العربية.. لقد طفح الكيل يا سادة، تراجعت اللغة العربية عن عرشها وتربعت العامية. ترى كيف تعود اللغة العربية لازدهارها من جديد؟ ملحوظة: هذه الانتكاسة لم تحدث في اللغات الأخرى.. فمتى نستفيق؟).
سؤاله الذي اختتم به منشوره دفعنِي إلى وضع النص في صفحة التواجه»الفيسبوك» للحوار، فوصل لي عدد وفير من الردود، في العام، والخاص، مما يدل على اهتمام بالموضوع.
وقد اختلفت الرؤى، فلا بأس أن أذكر بعضها هنا:
الدكتور خيري أبو شاهين يشخص عظمة اللغة العربية وعمقها في مقابل تسطح العامية وعقمها، ويرى أن مناهج تعليمها لا ترقى حتى إلى مستوى غير الناطقين بها، ثم ينتقد لغة الإعلام من مسلسلات وأفلام وما تروج له من انحطاط وتخلف. ثم يدعو إلى العناية بالنشء وأن نأخذ بيده إلى لغته بطريقة منهجية علمية. ويرى أن عز القوم في اعتزازهم بلغتهم.
وكتب الكاتب والشاعر حمد بن سيف الحمراشدي، من ولاية الرستاق، سلطنة عمان:
أظن الأساس يبدأ منذ بداية المراحل والفصول الدراسية حتى تكتمل حلقات المعرفة في هذا الشان. واللهجات فيما أحسب لغات محلية وفق كل مجتمع ولا يمكن إغفالها، المهم الاهتمام باللغه الفصحى من البداية.
إضافه الى ما ذكرته سلفا حول هذا الموضوع فإننِي أؤمن أن اللهجات المحلية تمثل لغات لبعض المجتمعات ونجدها متأصلة في مناطق معينة دون غيرها إلا أنها ليست مجتمعة في لغة أهل المدن نظرا لأن مجتمع المدينة يختلف بثقافاته المتعددة بسبب فرص العمل ووجود المؤسسات ذات الكادر المتخصص والمثقف وغير ذلك.
الهروب من اللغات (يقصد اللهجات) غير ممكن لتوارثها والاعتماد عليها.
التصحيح أو العودة إلى اللغة العربية الفصحى أمر كبير وبحاجة إلى جهد أكبر وزمن أطول إن أردنا فعلا العودة إليها ولا ننسى أنها لغة القرآن الكريم.
ثم يقترح الكاتب حمد الحمراشدي ممارسة الكلام الفصيح وتعريب المعاملات.
السيد صباح العبيدي من العراق رأى أن السهولة مطلوبة والشرح بالعامية لا يعنِي تجاهل الفصحى.
أحمد التميمي يعتمد على محمد عابد الجابري فيقول السبب صعوبة اللغة العربية وتشعب مفرداتها وكونها حمالة أوجه ثم يختم تدخله بالقول (وهذه مشكلة العرب وسبب انتكاسة الفكر العربي كما قال محمد عابد الجابري في كتابه نقد العقل العربي)
ورد عليه أحد المتابعين في البريد الخاص (منعا لسوء التفاهم كما قال) ذاكرا أن محمد عابد الجابري كتب باللغة العربية التي لم تمثل انتكاسة في كتاباته. والعربية أيضا كانت لغة القوم في عصور ازدهارهم الحضاري. أما الصعوبة والسهولة فمسائل نسبية. وذكر أن كثيرين في آسيا يتعاملون بالإنكليزية، وفي أفريقيا بالفرنسية، فأين هو تطورهم؟
الكاتبة والمدونة سلمى اللواتية من سلطنة عُمان كتبت:
ستبقى اللهجات تدير شؤون الحياة العامة ولا ضير في ذلك غير أن الخلل الحقيقي في تعليم اللغة العربية في مدارسنا التي تعاني من ضعف شديد في توثيق العلاقة بين اللغة والجيل الحديث وما يواجهه من تحد في غلبة اللغة الأجنبية في كافة شؤون الحياة، والعلوم ونواحي التقنية والترفيه وغيرها الكثير.
إن المعرفة الصحيحة بروح اللغة تتطلب براعة من معلمين متقنين للغة على نحو عميق ومدربين على أساليب تدريسها لتتأصل في نفوس دارسيها، إلى الحد الذي يمكنهم على الأقل من التفريق بينها وبين العامية، لأن الفصحى هي العامل المشترك في ذلك التنوع المحلي كله، كما أنه على مجامع اللغة العربية أن تمارس وتؤدي دورها بشكل أكبر في تعريب الكلمات وإيجاد الألفاظ البديلة لكل هذه الموجة الصاخبة من الأسماء والمخترعات الجديدة كل يوم، كذلك فاهتمام الحكومات بسلامة الكتابة على الشوارع سواء لوحات المحلات أو الإعلانات سيؤثر في سلامة قراءة وفهم العامي للغة، ولاشك فسلامة الفصحى في وسائل الإعلام ستكون ذات أثر فعال في إكساب اللغة للجمهور العام.
(9)
كثيرة هي مشاريع التنمية اللغوية، وضئيلة جدا محاولات التنفيذ. وثمة عوامل وأسباب عديدة وكثيرة لذلك. ولا يمكن الإحاطة بجميع الأسباب والممهدات التي أدت إلى هذه الحالة، ومعالجتها إلا بدراسات متعددة متعمقة تبحث بعلمية وإخلاص في الأسباب، ومن ثم العمل الجاد للتخلص من تلك الأوضار التي لا تؤدي إلاّ إلى مزيد من الانهيار والتخلّف والضياع على أرصفة مسخ المجتمعات العربية.
وربما نلتقي في مقال آخر يرسم خريطة طريق على الرغم من توقعنا أن سيكون مصيره الرفوف سواء كانت عالية أم واطئة.. لا فرق.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة