سينما و تلفزيون

أنوراغ كاشيب.. الميتات الظالمة

زياد الخزاعي

ما الذي يحدث حينما يقابل سفاح، قرينه؟ هل يتصافحان أو يتنابذان بكمّيات الدّم المراق على ذمّتهما، أم يتمازحان حول أعداد الجثث؟ حسب المخرج الهندي المستقل أنوراغ كاشيب وشريطه الصادم «رامان راغاف 2:0» لن يحدث لا هذا ولا ذاك. إنما سيقود الأول صنوه نحو ارتكاب جريمة أخيرة، تغلق دورة الخير والشر وذبائحها الـ 41 مواطناً بريئاً الذين صفاهم رامان راغاف الحقيقي، في ستينيات القرن الماضي في أفقر أحياء مومباي، ضمن دوافع غامضة، هزّت البلاد وضميرها. هذا الشريط ليس عن سيرته برغم إغواءاتها. لا يقارب تفاصيل جرائمه أو ضحاياها أو مطاردات رجال الأمن وتعقبهم لألغازها برغم تشويقاتها وتحريضاتها الدرامية. «هذا الفيلم ليس عنه»، يقول عنوان على الشاشة، لنكتشف بعد ساعتين و7 دقائق أن الهدف هو مقاضاة قانون خفيّ يصنع قتلة خفيّين، يمرّر شراساتهم ويمسح خطاياهم، ولن يأذن لحبال القصاص من مسّ رقابهم. يمكن اعتبار مشهديات الشريط وأحداثها وزواياها وأزمنتها ـ التي ولفها المونتير أراتي باجاج بأنفاس لاهثة وسرعة متداخلة، معتمداً على صور كاميرا محمولة ومجنونة وبدون صبر، ونفذّها جي أوزا لزواريب مزرية وحيوات وضيعة – يمكن اعتبارها ترتيباً رؤيوياً جماعيّاً استنفاريّاً وشديد السوداوية بشأن مسوّغات الفتك ببشر هامشيين ومعوزين وبلا عصمة. هم أهداف سائغة، لا تحتاج إلى عزائم عالية لمحقها.
القدر
يلتقي «السايكوباتي» رامانا (إداء قوي من نوزاد الدين صديقي) بشبيهه ضابط الشرطة الشاب، والمدمن على تعاطي الكوكايين، راغافانا (فيكي كاوشال) للمرة الأولى عند موقعة جريمة ارتكبها الأول ضد تاجر مخدرات سبق أن استعبده وسرق أتعابه، قبل أن يقتحم الثاني بصدفة قدرية المكان لـ «يسرق» العبوات الصغيرة، ويصفّي بدوره ضحية أخرى قرعت الباب في وقت خطأ، مستخدماً المطرقة ذاتها التي هشمت رأس المغدور الأول المدعو «العم». يشهد رامانا من مخبئه خطيئة العسكري وفراره، متأكداً أن نطفة الآثم تلقحت وولّدت تؤاماً. رامانا رجل حيوانيّ متشرد وأقرب الى ذكر مثلّي حيث المرأة كائن منبوذ في حياته، يدور في الحواري ساحباً قضيباً حديدياً وباحثاً عن ضحاياه في كل وقت، فيما ينحط إبن النخبة الهندية راغافانا مع إبنة ذوات «متأوربة» تدعى سيمي (شوبتا دولبالا) ممارساً عليها سطوة تزداد عنفاً كلما طلب المزيد من المخدرات. هذا كائن متوقّد وعصابيّ ذو قدرة خبيثة على إخفاء الأدلة، فالقانون طوع يديه. يتمثل عجزه في غفلانه عن مراقبات «مخلوقه الآخر» لمضاجعاتهما والشدّة بينهما، مدمدماً بلؤم: «لن تجد أي شيء في هذه المرأة، مهما حفرت فيها»، قبل أن يتقرّب من العشيقة، ممهّداً الى فنائها على يد حبيبها الموتور، وتحت شهادة فتاة أخرى اعتصمت في الحمام.
المشترك بين الرجلين أن ضحاياهما نساء، يعترف رامانا: «افترضنا زوراً أن قريننا يجب أن يكون امرأة. لحسن حظي أو سوء حظك أنك أتيت لي كفأل حسن عند أول جريمة ارتكبتها. دخلت بالصدفة. وكان غرام من أول نظرة!». إذن، هما صنيعا نظام أبويّ صارم، وضحيتا معادلته، حيث نرى الشاب منقاداً من قبل والده النافذ. أما الآخر فيعود، ضمن مشهد مرعب بتفاصيله وعنوانه «الشقيقة»، الى شقتها ليهشم رأسها، ويقتل زوجها الذي شبّهه بـ «والدي الأحــــمق الذي كان ينعتني بالثعلب، لأن عيناي تشعّان في الظلمة» أمام طفلهما، منتظراً بهدوء فاجع نضج وجبة «دجاج بالكاري»!
السفّاح
هذه ليس صفاقات سفّاح. انها طوية حساب عسير لا مكان للعواطف في أعرافها، ومصيرها مرسوم بقدرية سينمائية محسوبة وإن شابها ضعف سردي في نصفها الثاني، مرصوصة بموسيقى شبابية استفزازية وكلمات أغانٍ شتائمية تصرخ بـ «الديدان تزحف على جلدك. كم أنت دنس. ولدت على الكذب. أنت نجس بحق». قسّم صاحب «عصابات وايسابور» (2012) حكايته الى 8 فصول مع مقدمة، يترسّم كل عنوان لها جزءاً من سيرورة اندماج ختامي منتظر، نسمع فيه اعتراف رامانا، يلقيه بصوت هادئ و «أبوي»، وبنبرة مفاجئة بتفلسفها وتبريرها لدوافعهما: «لا خلاص من دون تكفير عن الذنب. إن يداً إلهية جمعتك بنصفك الآخر». تعلل المتواليات السينمائية في شريط كاشيب – وهي استعادة لما أنجزه في عمله السابق «بشاعة» (2013) حول اختطاف الأطفال في حاضنة «بوليوود» – خرافة الشخصيتين، تماماً كما أوردها الروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو في «الآخر مثلي»، ذلك أن نسق الجريمة الواحدة لا يتكّرر ولن يتجزأ، ما يتكرّر قصداً هو ذرائعها. عليه، يصبح المونولوغ الأخير للبطل تعميداً نفسياً لتآلفهما: «أنا أقتل بشكل طبيعي مثلما نأكل أو نتغوّط أو نعشق أو نصلي». الأهم، أن النصّ لن يضع تعطشهما للدم كإغواء دراميّ مصطنع أو خال من اتهامية لافتة (ترد سورية ومعاركها ضمن كلام السايكوباتي حول مقاتلين يعبرون الحدود كي يجدوا ضآلاتهم في حروب أهلية أو شغب لارتكاب جرائمهم)، بمعنى أن حيوانية بطليه يجب أن تستند الى مرجعية ما، يكشف عنها الرجل السادي لاحقاً تحت نظرات صبو واضحة بضابطه: «لم أقتل رجلاً أو امرأة أو طفلاً بالخطأ. لم أقتل وأنا متخفٍّ بزيّ رسميّ أو دينيّ أو عباءة إنسانية. أنا أقتل لأنني أرغب في القتل». من هنا، فان وجهي الموت، أي الحاكم والمحكوم سوية، يكملان قهراً اجتماعياً مهولاً بمواجعه، يتموضع الكائن العادي فيه داخل دائرة قنص تستقبل بيسر فاضح قضبان ومطارق وسكاكين ورصاص جزارَيْن يتوحّدان تحت يافطة سفاك فريد، يستعير رامانا لسانه في نهاية الشريط: «رحلتي انتهت هنا، والسبب أن رامان وجد راغافه».

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق