إصدارات

‘ضريح الكمانات’ .. التشبث بجذور العلاقة بين المسلم والمسيحي

أحمد قرني

حنين مغلف بالفقد يسكن تفاصيل رواية “ضريح الكمانات” للشاعر الروائي أسامة الزيني التي صدرت مؤخراً عن دار النسيم. حضور مكتمل للماضي في حاضر من خيبات عارمة لا يبرئ العمل أحداً من مسؤوليته عنها، خيبات تجاوزت الحدود الجغرافية لمسرح أحداث الرواية مستدعية حرب العراق إحدى أكبر الخيبات العربية، في مسعى من المؤلف إلى ربط جميع ما نعيشه من هزائم بخيط واحد رفيع، في مشهد هزيمة عام تطول تداعياته كل شيء، حتى قصص العشق الصغيرة التي تنسحق تحت عجلاتها ذاكرة بطل العمل، الذاكرة التي تلوذ بمشاهدها القديمة الأثيرة في محاولة لاسترداد شيء من وجودها المستلب، ومن بين مشاهد الماضي وروائحه التي تتدفق بين سطور “ضريح الكمانات” لتستقوي بها في مواجهة حالة من التشرذم الاجتماعي العام أعقبت ثورة الخامس والعشرين من يناير المصرية، ذكريات الماضي مع الآخر المسيحي، التي أفسحت لها الرواية أحد أكثر فصولها اشتعالاً بالحنين.

“- أنت مسيحي إذن.

– نعم.. كما ترى؟

– وتقدم لي الطعام طوال اليوم؟ ألم يخبروك بأن المسلمين لا يحبون الأكل من أيدي المسيحيين؟

بهذه الممازحة الخاطفة بين بطل العمل ونادل مطعم مسيحي عجوز يطرح العمل بجرأة حالة من الخصومة يرى أنها زائفة ودخيلة على علاقة المسلمين والمسيحيين، ممازحة يفطن إليه النادل العجوز فتنفرج أساريره ويرد مخاطباً البطل وحبيبته التي التقاها أخيراً بعد رحلة شتات وفقد طويلة: “المحبون يأكلون من جميع الأيدي.. لا يفرقون بين يد مسيحي ويد مسلم.”

لكن العمل يذهب إلى أبعد من ذلك متشبثاً بجذور العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، فيقول على لسان البطلة وهي تستدعي ذكرياتها في دار الحضانة القبطية التي جمعتها بالبطل وهما طفلان في إحدى مدن صعيد مصر: “أمضيت أجمل أوقات طفولتي في الحضانة نفسها، أول معلمة علمتني حروف الهجاء مسيحية، وأول شهادة تفوق لي في صفوف الدراسة أخذتها من مَدرسة النهضة القبطية … لم يكن في ذلك الزمان مسلم أو مسيحي.

لم يكن أحدنا يعرف عن جاره سوى اسمه ووجهه الطلق الذي يلقاه به كل صباح … الدكتور إسحق ناشد كان المفضل لدى عائلتنا في نزلات البرد وأوجاع البطن، والدكتور منير سامي للأسنان، والدكتور مينا للعيون وكلهم مسيحيون، في حين كان لدى خالي وكان جراحاً، زبائن كثيرون مسيحيون.

أول من بدأ يحكي لي قصة “محمد، ذلك الصبي اليتيم الذي فقد أمه وأباه وتولى جده أبوطالب تربيته في الصف الثاني الابتدائي أو الثالث ربما، كان معلمي سامي يعقوب. استمتعت بها منه كما لم أستمتع بها من أحد غيره”.

لكن السارد يوغل في الهجوم على الفئات التي تسعى بالوقيعة بين المسلمين والمسيحيين والنيل منهم، فيقول على لسان البطل:

“.. لم يحدث أن سبَّ مسيحي دينه أو دين غيره يوماً، في حين كان عليه أن يتغاضى عن سب دينه من قِبَل السوقة أحياناً، حتى لا تتحول الوقعة إلى فتنة طائفية، سيكون ضحيتها في الأخير “المسيحيون الأشرار الذين يكرهون المسلمين ولا يتوقفون عن التخطيط لإخراجهم من دينهم”.

كأنهم هم الذين يسبون الإسلام، بل ويسبون الله إذا لزم الأمر، وكأن الإيمان يضيء وجوه أولئك الذين لا يتوقفون عن التشاجر والاشتباك بالأيدي والأقدام والرؤوس كالكباش والثيران تحت شرف منازلنا ليل نهار، مع فواصل من السباب بالعورات، عورات الأمهات دون غيرهن بالطبع، عملاً بوصية الرسول صلى الله عليه وسلم “استوصوا بالنساء خيراً”.

هكذا تنتصر رواية “ضريح الكمانات” لقيم المواطنة والتعايش في مواجهة دعاوى التمييز والتفرقة، في خضم حالة من الرفض العام للنخب السياسية والاجتماعية التي يدينها العمل بالمسؤولية عن حالة التشرذم العام التي وصل إليها المجتمع.

يذكر أن أسامة الزيني أحد الأصوات الشعرية المعروفة التي انتقلت في العقد الأخير إلى أرض الرواية حيث حصد أكثر من جائزة عربية منها جائزة الشارقة للإبداع العربي للشباب عن روايته (أنا وعائشة) من الإمارات العربية المتحدة، وجائزة الألوكة الكبرى عن روايته (أهازيج البنغال) من المملكة العربية السعودية، وجائزة دار الصدى عن روايته (شتاء جنوبي)، بالإضافة إلى قائمة جوائز عربية أخرى في الشعر منها جائزة سعاد الصباح عام 1998 عن ديوانه “طبل الريح” من الكويت.

صدر للزيني روايات: “أنا وعائشة”، و”أهازيج البنغال”، و”أرض الطوطم”، وأخيراً “ضريح الكمانات” باكورة إصداراته الروائية داخل مصر، وشعراً صدر للزيني دواوين “البدو”- مصر، و”رائحة الجسد”- مصر، و”طبل الريح”

(ميدل ايست اونلاين)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة