.إصدارات

قراءة في «شرق الأحزان» للعراقي عباس لطيف

( الجسرة )

الحرب بين واقعية التناقضات وغرائبية التشظيات
نادية هناوي سعدون

تعد رواية «شرق الأحزان» للكاتب العراقي عباس لطيف من الروايات الواقعية التي تتخذ من وقائع الحرب الثمانينية موضوعا لها لتعالجها من منظور ساخر وتهكمي يجعل من المألوف غير مألوف، فكل مأساة تخالطها فكاهة ممضة وكل سخرية لاذعة ينتابها تهكم فانتازي ووراء كل حزن يقبع فرح مجنون وفي كل بكاء ضحك، ويظل الحزن هو القاسم المشترك بين شخصيات الرواية.
ومفارقة هذا التضاد تمنح الحيوات تجددا وتحولا وصيرورة، ولما كانت الكتابة السردية قد تمت في ما بعد مرحلة الحرب، لذلك تصبح المكاشفات بلا رتوش واضحة للعيان بعد أن كشفت الحرب عن بشاعتها وضراوتها.
وعلى الرغم من مرور ما يقارب العقدين والنيف من الزمن على هذه الحرب إلا أنها حاضرة في الذاكرة قابعة في البواطن الشعورية واللاشعورية، إرهاصا مما عاناه العراقيون في المراحل اللاحقة من حصار واحتلال وصراعات طائفية.
وتدلل الاستهلالات التي تضمنتها الصفحة الأولى للرواية على المنحى المأساوي كنوع من الاستباق الذي يصرح للقارئ خلسة بما ستؤول إليه الرواية في نهايتها، أما الحاشية التي ذيل بها هذا الاستهلال فإنها بمثابة إشارة ترميزية إلى أن مساحة السرد الذاتي ستكون متسعة بسبب تداعي الاستبطانات الداخلية، مما قد لا يجد الكاتب معه بدا من كبحها أو السيطرة عليها أو الحيلولة دون إعلانها مكاشفة وتصريحا، ولهذا ينبه قارئه إلى هذه الحقيقة كي لا يتصادم معها.
وتعيش الشخصيات جميعها رئيسة وثانوية صراعا واقعيا يتمثل في ضغوطات المجتمع التي تدفع بالحيوات نحو مصير مخيف ومجهول، إذ الأحزان لا تتوقف والمحزونون يتحركون بعناد وصلابة وهم يحملون ذاكرة أتعبتها الثورة واستنزفت الحرب من ثم ما بقي منها، فهذه الأم تكابد نحيبا مزمنا كطقس يومي تتحرر فيه من الألم وهي تقع تحت طائلة الزمن الذي لا يرحم وقد عاصرت الحرب والسجن والعوز والفاقة.
والأب يعاني متاهة وجع أبدي والأبناء مشتتون وقد قبلوا بالواقع وصدماته غير المتوقعة كدوامة أبدية ومتاهة حتمية لا يمكن لأحد أن يفلت منها، ويلف الحزن الجميع وهم يعيشون في ظل اتون محتدم بتفاصيل ثورات وحروب يسردها رواة ذاتيون على شكل استذكارت استرجاعية لها بداية ولكنها بلا نهاية.
وما نحا بالمشهدية السردية ان تكون ذات ديناميكية تراجوكوميدية هو معالجتها الوجع بالضحك حتى في عز المحنة كوسيلة غير شعورية للبقاء على قيد الحياة، وهذا ما يلمسه القارئ منذ السطور الأولى للرواية كاستباق زمني لمآل الشخصيات ومصيرها المحزون، فالحياة بلا منطقيتها لم تعد تقبل التأمل والتفلسف، ومن ثم غدت اللامبالاة واللاجدوى رديفة الحياة وهذا ما لم يترك للمحزونين فرصة الفهم أو التأمل وهم يسلمون أنفسهم للموت بطواعية وبلاهة، أما التعمق في فهم الأشياء وإدراكها فذلك هو الجحيم وتلك هي الفجيعة..
وفي إسناد الحزن بكل مدلولاته إلى زمانية الحرب ومكانها وهو الشرق «شرق الأحزان» يكون المكمن والمنبع والموئل، ولذلك كان افتتاح الرواية عبارة عن تداع شعوري بمناجاة داخلية تقدم المستوى النفسي المنهار للشخصية الرئيسة (كامل) كاشفة عن المحتوى الذهني ايضا فضلا عن نزوع غرائبي في توصيف الواقع «وذات نهاية تتوقف لتحصي فجيعتك التي تسميها العمر وتلملم بقايا الخسارات التي تترى وتعانق بعضها، هل أدمنك الأسى حقا وهذه المساءات تعدو مثل قاطرات يسكنها المجهول.. هل أتى عليك زمن تكون فيه من سبايا المحن وأنت تردد في أعماقك، أما المصابون بوسواس التأمل فهم يقضمون المرارة في كل يوم وساعة. والبلهاء وحدهم يعيشون الحياة «.
وقد تتبعت الرواية مراحل حياة كامل منذ أن كان طفلا أرعبته الثورة وصولا إلى الحرب التي أكلت أهلها فكانت ضروسا لا ترحم، ليكون مشوار حياته ومنذ طفولته مستحضرا لعبارة يكررها «إلى متى يبقى البعير على التل». عاكسا تأزما نفسيا متخما باللاحكمة والتعاسة الممزوجة بالقرف وهذا هو التأزم نفسه الذي تكابده شخصيات الرواية الأخرى، ومنها شخصية محسن الذي اقتادته ثوريته إلى السجون. ومنها أيضا محنة الأم التي ظلت تلاحق ولدها من سجن إلى آخر. وحامد الذي كان غرقه في الكتب والأدبيات اليسارية سببا في تلاشيه في المجهول كمفقود حرب، وكذلك الأصدقاء إحسان وشاكر وفاتن وسراب الذين عانوا من حزن موروث ومزمن. ولأن الرواية واقعية لذلك تكثر التفاصيل المستلة عن وقائع معيشة وأماكن معروفة قابعة في الذاكرة العراقية. أما شخصية رشاد الكردي فإن الكاتب ضمنها في الرواية ليدلل على أن الفكرة البرجوازية هي وحدها القادرة على التلون مع تلون الحكومات، ومن ثم فهي الأكثر تكيفا وتلاؤما مع الواقع، والأبعد نسبيا عن الحزن بعكس الأفكار الثورية والاشتراكية والبروليتارية التي تبقى غير قادرة على التلون مع تلون السلطة.
ولأن الحزن غطى كل الأشياء العاقلة والجامدة، لذلك لم تتح فرصة متسعة للتأمل الواعي. ولما كان كامل هو الشخصية المحورية التي تحمل على كاهلها تداعيات الواقع المر؛ فإنها تختزل رؤيتها للحياة بالتداعيات «كان كل يوم لي آخر يوم من حياتي، لأنه يوم مغلق تماما لا ينبئ عن أي أمل بيوم آخر أفضل. عجلة السأم تدور وتطحن بسيرها العمر الذي يبدو واضحا بأنه مجموعة أوهام»، لتكابد حزنا أبديا ناتجا عن الحرب وما تبعها من هجرة قسرية ومناف بعيدة وسجون خفية وفجائع وويلات.. وما سخرية كامل من أيامه التي يعيشها إلا تنفيس عن حزن تغلغل في كل مسامات جسده وروحه فالدراسة حزن والكتابة حزن والعمل حزن والعشق حزن.
وقد ترافق غرائبية الوصف للواقع سخرية لاذعة» ليس من وسيلة للقضاء على الحزن إلا بشراء حزن يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه وليس من سبيل للخلاص من الوهم إلا بتقمص وهم جديد، هذه هي فيزياء الاندثار اليومي الذي اعتاش عليه»، أو أن الحب مثل الحرب» كلاهما مغامرة باتجاه المجهول والمثير واللامنطق». ولا يخلو هذا الإحساس التراجيدي من لحظات انفراج آني وأمل يتجسد في علاقات غرامية قد يجد فيها تنفسيا عن معاناته كعلاقته بساهرة البرجوازية..
وتتبأر زاوية السرد في الأغلب بسرد خارجي أو بسرد ذاتي يتقصد الكاتب حصره بين قوسين، في إشارة إلى أن الصوت السردي هو صوت متداع لا شعوري كما في الفصل الثامن الذي كان على لسان حامد. والفصل العاشر والثاني عشر والخامس عشر والسابع عشر والتاسع عشر والحادي والعشرون على لسان كامل. والفصل السادس عشر والعشرون على لسان شاكر، وبذلك تكون نسبة السرد الموضوعي اثني عشر فصلا مقابل تسعة فصول من السرد الذاتي، ولأن السارد الموضوعي كان يستبطن دواخل الشخصيات لذلك تغلغلت الحوارات الخارجية بشكل لافت في أغلب مساحات السرد الموضوعي.
ونسقية التناوب الزمني هي الموظفة فمرة يقفز السارد على بعض الأحداث ومرة يعود إليها وتلعب المفارقات الفنية دورا مركزيا، ومن ذلك مفارقة عشق كامل لسراب ومفارقة تحول الحياة عند محسن إلى نفق، وقبول الروسية سوبولينا أن تكون سعدية الروسية ولترتدي الملابس الشعبية « ظلت قصة سعدية الروسية يتداولها الناس لغرابتها وطرافتها، لاسيما وأن سوبولينا أو سعدية قد تعلمت اللهجة الشعبية وبدأت تذهب مع النساء إلى حفلات الأعراس ومجالس عزاء النساء وهي ترتدي الملابس الشعبية وتحيط رأسها الشيلة السوداء والعباءة الطويلة».
ومن المفارقات أيضا أن حامد يرى نفسه مشروع قبر تقوده الحكومة من مجهول إلى مجهول أو قصة الدبة التي تخطف المحاربين والدبة الحقيقية هي المقبرة وأن «لكل إنسان دبة تختطفه». وغالبا ما تمتزج هذه النزعة السردية في توظيف المفارقة باستدعاء الصور الساخرة للتهكم من الواقع وفوضويته اللامنطقية «إنه الجحيم بعينه وأنت ترى بأم عينيك إنسانيتك وهي تنسحق بالبساطيل وعقلك تقبع فوقه البيريه.. حتى أنفاسك هناك من يحصيها. الذي يمتلك وعيا واهتماما بالمعرفة يموت في الـيوم ألف ميتة» . والسخرية لم تأت اعتباطا بل هي من نواتج عالم مغاير ومأساة متجددة لتؤسس منطقها الخاص بما يعكس ما هو مألوف أيضا كنتيجة من نتائج العبث الحياتي في ظل واقعية لا منطقية وفوضوية حيث الخيال كوابيس والزمن جنون، ولأن السخرية نزعة شعبية مأثورة لذلك تحضر شخصية فرحان لهذا الغرض وحده لا غير، وتوظف التناصات الشعرية والتاريخية والأدبية لتبرير بعض الإخفاقات، فإخفاق عشق كامل لسراب جعله يتوصل إلى قناعة تستحضر مقولة أبي نواس (وداوني بالتي كانت هي الداء) ساخرا من نفسه وواقعه «فليس ثمة طريقة لنسيان عشق قديم إلا بنسخه بعشق جديد «، أو يوظف المقولة الميكافيلية أن الغاية تبرر الوسيلة ليسخر من لزومية تعايشه مع زوجته (وسيلة) وتكثر التناصات على شكل استحضارات لمسميات اقتصادية وفلسفية كفائض القيمة ونيتشه وكيمياء الفتوح وحافظ الشيرازي والحزن أفيون الفاشلين، فضلا عن تناصات كثيرة مع أمثال وأغان شعبية.. وقد تتجسد السخرية من خلال المفارقات الفنية، فالحرب جنون والانتصار هزيمة والقتال عاهة والتاريخ «حين يكون مقلوبا ويسير على رأسه فإن الحياة تتحول إلى سيرك سيريالي». كما تدفع السخرية اللاذعة إلى أن يقارب بين الأمومة والثقافة، فكلاهما يعانيان ويلات الحرب ليكون مصيرهما واحدا هو العبث والمجهول والموت والزيف والعوز..
وهذا ما يدفعه إلى السخرية من الحرب التي يراها جحيما بعد أن يؤمر بإعدام أربعة جنود ليتهم بالاستهانة والتخلي عن الواجب، فيغيب إلى الأبد مفقودا في المجهول، كما يرى اشتراكه في الحروب بمثابة ممارسة للجنون وانتصار لفكرة الموت وغياب العقل، ولهذا يرى الحرب من منظار فانتازي ساخر «في الحرب ثمة عبثية وجنون فعليك أن تقتل إنسانا لا تعرفه وليس لك معه خلاف شخصي.. فالجندي يتحول إلى مجرد كائن للقتل بحذف إنسانيته وتحويل الحياة إلى وليمة بدائية وكل حرب لا ينتصر فيها إلا طرف ثالث».
وتكون اللمحة الفانتازية هي خاتمة المطاف، فيرى كامل بطل الرواية نفسه وقد صار بالونا بشريا يتفجر قرفا وخذلانا لينتهي بلا هدف في طرق مدهشة وخطوات مرتجفة تأثرا بمسخ فرانتز كافكا. وهذا ما يدرج رواية «شرق الأحزان» في خانة أدب الحرب الروائي الذي يتخذ من الحرب الثمانينية موضوعا ومادة، وقد تناولها عباس لطيف لا بواقعية تحاكي أو تستنسخ، بل بــواقعية صـادمة وقـاهرة بمرارتـها وتراجـيدتها.

*القدس العربي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق