قصة

شهقة ..للكاتب محمد حمدان الرقب

خاص (الجسرة)

 

لا أدري كم من الوقْتِ مرّ كي أستوعبَ ما حدث (!) يشبه أن تنْظرَ إلى عقارب السّاعة الجامدة تظنّ أنها تتحرّك، وتظلّ تنظر كلّ حين، تحسب أن الوقت يمضي، ولكنّه راكزٌ، كجبلٍ جاثمٍ.
جُرِحْتُ؟ أجل. طُعِنْت؟ نعم. ولكنْ لم أكن أتصوّر أنّ الشخص الذي يستطيع أن يجرحَ هو أنْتَ. أنّ الشخص الذي يدوس على قلبي هو أنْتَ. أنّ الشخص الذي ينسى كلّ لحظةٍ من لحظات السّعادة ويهشّم قلبًا وفيّا هو أنْتَ (!).
أسترْجِعُ شريط الذاكرة المطّاط، يشبه أن تمسك بإصبعك طرفه، وفي الإصبع الثاني طرفه الآخر، وتشدّهما، كلٌّ في اتّجاه مغايرٍ للآخر، ثمّ تفلت طرفًا، وتبقي طرفًا، من ستوجع تلك اللحظة؟!
كنّا، أنا وأمّي، في غُرفتها، وكنتُ فارغةً من كلِّ ألم، قالت لي: اسمعي يا حبيبتي. كلّ كسْرٍ يُجْبَر، إلا أن تكسري قلْبًا. كلّ أمْرٍ يهون إلّا أن تكوني سببًا في إيذاء أحد. كنتُ أصغي إليها، شاكرة لها، ولقلبها الكبير. يشبه أن يكون نافورة ماءٍ تنفتح عن آخرها. كان هذا قلبَ أمي.
لم تدري أمّي الآن مَنْ كسر قلْبي. من هشّم روحي. من هزئ بألمي، وسخر بجرحي. آه يا أمّي. نصائحكِ لي، تشبه أن تصبغي غرفة بيضاءَ بصبْغٍ أبيضَ (!).
والآنَ، عرفتُ سرّ تلك النصائح، عرفتُ لِمَ كانت أمّي تصرّ على ألّا أكسر قلبَ أحد، ولا أسخر بأحد، ولا أترفّع على أحد.
تذكُرُ صديقتي، قبْلَ نكبتي في قلبي، وخيبتي فيكَ، أنّ المرْءَ إن لم يكن قويّا وحاسمًا فإنّه سيتغلّب في هذه الحياة. كنت رقيقة حقّا، طيبة القلبَ، حسنة الظنّ بالناس جميعًا. خِلْتُ أنّ الأمْرَ سَهْلٌ. أثقُ بالناس، والناس يثقون بي. أساعد الناس على النهوض من عثراتهم، والناس يمدّون إليّ أيديهم حينما أسقط (!). معكِ حقّ يا صديقتي، كنتُ مفرطة الثقة في كلّ أحدٍ، يشبه أن تتركَ متاعًا لك على قارعة الطريق، لتقضي حاجةً، ثم ترجع، لا تجد شيئا. أهوَ إهمالٌ؟ أم ثقة كبيرة في غير محلّها؟
أيْقَظْتَني، في إحدى الليالي الباردة، من نومي، لتقولَ لي: الحياة باردة كهذه الليلة مِنْ دونِكِ. سرتْ قشعريرة في جسمي. تذكّرتُ حينها كلمة قالتها لي أمّي: يجب على الإنسانِ أن يدثِّر قلبه كي لا يمْرَضَ. مريضٌ قلبي يا أمّي. عليلٌ. لم أسمع كلمتكِ يا أمّي. يشبه أن تمْلأ وعاءً مثقوبًا (!).
أعرِف أنّ أمي كانت صادقة، واكتشفتُ الآنَ أنك كاذبٌ. آهِ يا أمّي، كنتُ لوحةً بيضاءَ، لطّختْها يدٌ مرتعشة عابثة، بألوانٍ وخطوطٍ وظلالٍ وتعرّجات، ثمّ تُرِكتْ، لا يأبه بها أحدٌ.
لم أتوقّع في يومٍ من الأيام أن أتورّط في علاقتي معك. يشبه أن تُلقى في بئرٍ، في صحراءَ قاحلة. وحيدًا جريحًا ضائعًا، ومذهولًا (!).
هويتُ في هذه العلاقة، كنتُ عمياءَ، عمياءَ الشّعور، لا ألتفت إلا إلى ضربات قلبي، راكضًا وراء حبّي. آهٍ من حبي، وآهٍ من قلبي الكسير.
تَذْكُرُ؟ أقسمْتَ على ألّا تتركَني مهما حصل. على ألّا تتخلّى عن حبّي. تذكرُ أم أنّ في عقلك خرَفًا (!) أنا المأفونة حينما تركتُ الدّنيا ورائي، ونصائح أمّي، وكلمة صديقتي، متقفّيةً آثارَ حبّك. أنا الخرفة حينما كنتُ أنسى كل إساءة تسيئها إليّ (!) كلّ إهانة توجّهها إليّ. كنت أظنّ أنك صادقٌ في حبّك، كنت أظنّ أن الصدق يمكن له أن يكون شيمتك التي ستعدّل بعضَ هفواتك. كنت أظن، أجل. ولكنْ بعضُ الظنّ يُتْعِبُ القلب، وبعضه ينبّهه (!).
أن يأتيك أحدهم كي ينصحك، بكلامه القاسي أجل، ولكنْ ينصحك بصدق وإخلاصٍ، ورغبة كبيرة في أن يبصّرك الطريق الصحيح. يحذّرك أجل، ولكنه حقّا يخاف عليك، يمسك بكتفيك يهزّك هزًا عنيفًا كي تستيقظ، أجل ولكنه يخشى عليك. يشبه أن تكون نائمًا فتقرصك (برغوثة) كي تنبّهك إلى العقربِ المتربّص أن يفتكَ بك.
ألمْ تكتفِ بي؟! ألم أكن مالئة عليكَ حياتكَ كما كنتَ تردد باستمرار؟! إذن لماذا كنتَ تقيم علاقاتٍ مع نساء غيري؟! صادق من شئت، أجل، ولكن أرجع إليّ قلبي أبيضَ كما كان (!) أقمْ مع من شئت، افعلْ ما بدا لك، ولكن أعِدْ إليّ نفسي. يشبه أن يمرّ عجوزٌ بدكّان عطّار يطلب إليه أن يعطيه دواءً يرجع إليه شبابه (!). حقا لا يصلح العطّار ما أفسد الدهْرُ (!)
روحي الآن عجوز، بعكّازٍ ملّ منه. مسنّة، هرمة، يشبه أن تكون كناقة (بازل) تنتظر نفوقها (!).
لكمْ شعرْتُ، بسعادة غامرة، لم تسع قلبي، حينما عثرتَ على عملٍ. كنت أستيقظ في الليل كي أدعوَ لك. أن يوفّقك الله في أن تلتحق بعملٍ. أن تبني مستقبلك معي. عندها يمكن لك أن تتقدّم إليّ، ونتزوّج، وننجب أطفالًا، ونربّيهم كأحسن ما تكون التربية، ونعلّمهم كأحسن ما يكون التعليم! شطّ بي الخيال بعيدًا. غبيّةً كنْتُ، عثرْتَ على عملٍ كي تطلب من والدتك أن تزوّجكَ ابن عمّك، وتبنيَ سعادتك ومستقبلك حقا، ولكنْ على أنقاضي (!).
الوقت ليته يمضي، يسرع، يمرّ كَجَوادٍ مطهّم، أو كالبرْق الخاطف. هل يمكن أن يخترع الإنسان شيئًا ما شريحة، خيطًا، زرّا، أيَّ شيْء، يمكن لحامله أو مستعمله أن يمرّر الوقت، كي يتسنّى له أن يتجاوز كلّ ألم يعقب خسارته الموجعة؟؟!
أقلّب دفاتري، وأراجع حسابي معكَ. الوقت الذي أمضيتُه كان ضائعًا، والأيّام التي كنْتُ أزيّنها بالأحلام المضيئة كانت في الواقع معتمة، كنت معميّة عن الحقيقة الساطعة. أبحث في حقيبة أيّامي عن صفائي قبْلَكَ. عن بياضي. عن فراغي من كلّ شيْء، لكنّك جئت؛ كي تبعثرني. كي تجلدني بسياط الفقد. غدوتُ أبحث عن شيء مفقود، من بين أكداس الخيبة. يشبه أن تفقدَ أمٌّ، في السوق، ليلةَ العيد، طفْلَها، أنّى لها أن تجده؟! فيك ذئبٌ يعوي، وفيّ طريدةٌ تنكمش على نفسها. كُنْتَ ذئبًا وكنتُ حَمَلًا؛ “وإنما تأكل الذئب من الغنم القاصيةَ”؟!.
سيأتي يومٌ، لا شكّ، تتألّم فيه كما تألّمْتُ. ستهمل فيها عينيكَ كما أهملتُ. ستتقلّب على فراشك كذبيحٍ يتمسّك بالحياةِ، والحياةُ آنفةٌ منه. يشبه أن تحفرَ حفرةً لصديقكَ فتقعَ فيها.
ولكنّي جرّبْت، غير أنّي لم أستوعبْ، على نحوٍ ما، ما جرى. يشبه أن تفقد أغلى ما تملك، وتبقى وحدَك تصارع الحياة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة