متابعات ثقافية و فنية

محمد الحرز: القصيدة السعودية الحديثة تخففت كثيراً من سلطة البلاغة النسقية

حسين الجفال

{ تُشكل التجارب الشعرية الحديثة في المشهد السعودي الحديث حضوراً نوعياً واعياً بالنص الشعري وتطوره، الشاعر والناقد محمد الحرز يشكل دعامة رئيسة في هذا المشهد منذ العام 1999 وحتى اللحظة، أصدر دواوين عدة منها «رجل يشبهني» (1999)، و«أخف من الريش أعمق من الألم» (2002)، و«أسمال لا تتذكر دم الفريسة» (2009)، و«سياج أقصر من الرغبات» (2013)، و«قصيدة مضيئة بمجاز واحد»، و«أحمل مسدسي وأتبع الليل» في العام 2015 وهو الديوان الذي نحاوره فيه وصادر عن دار مسعى، وأربعة كتب نقدية أثرى بها المكتبة العربية «شعرية الكتابة والجسد» 2005 و«القصيدة وتحولات مفهوم الكتابة» 2010، و«الحجر والظلال» دار طوى 2013، و«ضد الطمأنينة» دار مدارك 2013. إلى نص الحوار:

> أحمل مسدسي.. إلى أي مدى تحتمل الصورة الشعرية تشخيص الكائنات من حولك أيها الشاعر؟
– الصورة الشعرية تمثل نفسها أمام الوجود، هذا ما تقترحه علينا الفلسفة المعاصرة، فالتمثيل أو الانعكاس أو التشبيه كلها نظريات حكمت تطور مسيرة الشعر باعتباره صورة، وذلك لسبب بسيط هو كلما تعمق وعينا باللغة كان العالم أكثر تعقيداً والتباساً. وليس الشعر باعتباره صورة سوى محاولة لفك الالتباس أو التعقيد التي تمارسه الحياة أمام اللغة وبالتالي أمام ذات الشاعر. والكائن أمام هذه المحاولة لا يُشخص بل يُصنع وفق عالم مختلف عن طبيعة الحياة التي يألفها، ولا يدرك هذا الصنع سوى الشاعر الذي اختمر الوجود في روحه، وتكشفت قبالة عينيه الخريطة السرية للغة. بالنسبة لمجموعتي الشعرية «أحمل مسدسي وأتبع الليل» في علاقتها بهذا المنظور للصورة الشعرية، على افتراض ما يشير إليه سؤالك، لا تحاول أن تقول العالمَ كله، ولا تدع السطر الشعري المكثف (أفضل هذا التعبير على تعبير الصورة الشعرية، لأسباب ليس هنا محل ذكرها) يستقر على ما يريد أن يقوله، فالمعنى هنا يقع بين الاثنين، وليس ساكناً بالقدر الذي هو نوع من المراوحة بين فضائين: فضاء المجموعة ككل، وفضاء السطر الشعري القائم لوحده.
> «عندما يقع حبك مريضاً في منتصف الطريق» تقول: أسعفه بالذكريات. الحرز على كم من الذكريات يتعكز، وهل أسعفت قلبك بالحب؟
– لا شيء يسعف الحب عندي، ولا حتى الذكريات. وما يقوله الشعر في قصائدنا عن الحب لا يشير سوى إلى نفسه، وليس إلى فعل الحب في الحياة. وأنت تعلم الفرق الشاسع بينهما، لأجل ذلك دائماً ما أرى أن ذكريات الفرد هي وثيقة الصلة بالحب عنده. فالتماثل بينهما حد الاندماج يكمن في هذا الحنين الاسترجاعي الذي يستمر لفترات طويلة داخل النفس، فالذكريات هي الحب وقد تحول إلى حنين طاغ، والحب هو سلسلة من الذكريات لا تنفك تحيل إلى هذا الحنين. مثل هذه المطابقة هو ما يدعوني أن أنظر إلى الحب باعتباره متوالية من الذكريات لا تنتهي، وكأن الحب في حياة الكائن الواقعي يجبرنا على التمسك بهذه المتوالية باعتبارنا كائنات دائماً ما تنشد الحب، لكنها لا تصل إلى ينبوعه الصافي إلا من خلال اللغة وعبرها فقط. لذلك مفردات من قبيل التعكز أو الإسعاف، ينبغي النظر إليها من منظور المطابقة الذي أضعه في قلب العلاقة بين الحب من جهة والذكريات من جهة أخرى.
> «لا تقبل امرأة خلف سياج الكلمات» أراك شغوفاً باكتشاف الآخر، ما دور المرأة وثقل حضورها في حياة الحرز؟
– وهل وظيفة اللغة في الشعر سوى الاكتشاف والمغامرة؟ لكنّ الحذر ينبغي أن يأخذ مجراه، فاللغة ليست مقطوعة الصلة بالحياة والعالم، ومن يذهب بهذا الاتجاه، سيجد نفسه تائهاً في طرقات اللغة، حيث لا نجمة تطل عليه من كوة الحياة ترشده إلى طريق ذاته، ولا صرخة أو ألماً يذكرانه أن الحياة قريبة منه فلا يمكنه الابتعاد. وعليه يجب وضع العبارة السابقة ضمن هذا الإطار، فالمرأة في الشعر من طبيعة لغوية مهما حاولنا إخفاء هذه الطبيعة، بينما حسيتها في الحياة هي المرجع والأساس. ونسبة المرجع إلى الطبيعة هي التي تحدد وعي الشاعر بتجربته في الحياة وأثر حضورها في شعره. بالنسبة لي هناك الكثير لأقوله عن المرأة التي بذرتني في تربة الحياة، والمرأة التي تعهدت شجري كي يكبر، والمرأة التي أخذتني إلى كنوز جسدها للمرة الأولى، والمرأة التي اكتشفت مشاعري الإنسانية على يديها، والمرأة التي علمتني كيف أكتب شعراً؟ لكن السؤال هنا: هل تسعفنا الحياة حتى يتمكن الشعر أن يقول ما ريد أن يقوله عنها؟ أشك في ذلك كثيراً، بالخصوص إذا ما أدركت أنني في مجتمع يتقلص حضور المرأة في علاقته كلما كبر المرء وشب عن الطوق. لذلك أغلب الشعراء الذين عاشوا الحالة تضيع عندهم تفاصيل المرأة، ويتم التعويض عنها بحالات استيهامية تقوم بمهمتها اللغة.
> «الشعر هو الشعر حين يسقط جسدك في براءته الأولى، ولا ينهض» تعب الكثيرون في تفسير الشعر، ما هو الشعر بالنسبة للحرز الشاعر والناقد؟
– صدقني لا أعرف، ولا أريد أن أعرف إذا كان الرهان على معرفته هو تأمل نظري بحت. وإذا كان بول فاليري يقول: «لكل شاعر مفهومه الخاص الذي ينطبق عليه فقط» فأنا أرى أن الشعر هو المقدس بكل ما تحمل دلالة الكلمة من معنى، وعلى هذا الأساس أتصوره وأمارسه. هناك حديث شريف له دلالة في هذا السياق «لله كنوز تحت العرش، مفاتيحها ألسنة الشعراء» ربما هذا التصور لا يمكن اعتباره تصوراً خاصاً، قد يكون ذلك. لكن الأهم هو طريقة حضور الأشياء والكائنات في النص والمعنى الذي ينتج من خلال هذا الحضور.

مخيلة صاخبة
> «الأساطير لا تروى إلا في الليل» ماذا نفعل بالنهار إذا غمرتنا الأساطير ليلاً يا محمد؟
– النهار وعي مطلق، ويقظة وتنبه والتفات إلى ما يتركه الليل من إشارات وأسرار وكأن النهار بالنسبة لي كشاعر هو ذئب يركض خلفك، وأنت تحاول البحث عن تلك التلة التي تركها لك الليل للاختباء. الموروث الذي أدخل الليل في علاقة بالأساطير منذ شكسبير إلى أوسكار وايلد ترك وراءه مخيلة صاخبة وثرية في العطاء لم يقتصر تأثيرها على موروث أدبي معين، بل تجاوزه إلى المخيلة البشرية في مجموع موروثها الجمالي. في مثل هذا الموروث لا نرى النهار سوى محطة استراحة، وإعادة صياغة للحواس، وكل الكلمات والحكايات التي تولد في النهار لا يقطع حبلها السري إلا في عتمة الليل. لذلك يكثر ظهور القابلات في الليل، حيث النهار لا يعمل شيئاً سوى الانتظار، سوى تلقي ما سيؤوله الليل من أحداث، تصبح لاحقاً ثمرة يأكل منها فم النهار.
> هنالك إعادة تعريف للأشياء بذهنية شاعر يحمل منطق الفلاسفة، لماذا تثقل صورتك الشعرية بكم هائل من المفاهيم والمقترحات المعرفية التي يكتشفها النخبوي فوراً بينما تخلق متاهة للقارئ العادي؟
– ثمة التباس هنا، يظهره السؤال على اعتبار أن المنطق الفلسفي أفسد الصورة الشعرية وجعل القارئ العادي في حال ارتباك، ويكمن في عدم تفريقه بين الرؤية الفلسفية والمنطق الفلسفي، فالاقتراب من الرؤية هو في قلب أي عمل شعري جاد لا ينفك يعيد ترتيب الحياة والإنسان والعالم وفق هذه الرؤية، ولا تهم في هذه الحالة كانت المفردة من حقل فلسفي أو اجتماعي.. إلخ، ما يهم هو كيفية حضورها في البناء العام وهو يشي به عملي «أحمل مسدسي وأتبع الليل»، أما المنحاز إلى المنطق الفلسفي فهو بالتأكيد يفرض على المفردة في سياقها الشعري روابطها الفلسفية من علائق يتحدد من خلالها شكل المعنى الشعري، في هذه الحالة يصح أن نقول ما يفترضه السؤال من اتهام. ربما تسرب هذا الاتهام من بعض نصوصي (وأنا أركز هنا على بعض) الواردة خصوصاً في تجربتي «أخف من الريش أعمق من الألم»، لأني وجدت أن التقاء السريالية من جانب بالأثر الفلسفي على السرد من جانب آخر أعطى هذا الانطباع، وهو انطباع محق في حينه.
> لا تعبر، لا تقبل، لا.. هذه اللاءات الناهية التي تشدك للوراء ألا تعطل جنونك الشعري؟
– لماذا هذا الافتراض السلبي إلى هذه اللاء الناهية؟ ناهيك عن أننا لا ينبغي النظر إليها إلا من خلال الوظيفة الأسلوبية التي تنهض بها الجملة الشعرية قبل النظر إليها باعتبارها سبباً مباشراً في عدم الجنوح إلى الجنون الشعري. الوظيفة الأسلوبية في اللغة الشعرية عموماً تتصل في كثير من جوانبها كما يشرحها بارت بالأسلوب الذي يتصف به الفرد في حياته. العلائق وشيجة. لكن ليس وحدها هذه العلائق هو ما يحدد المعنى، هناك روافد عدة لم يتطرق لها بارت، تتعلق تحديداً باعتبار الكلمات رموزاً وليست فقط علامات. وهذا ما يجعلني لا أقبل تفسير اللاءات بهذه الطريقة.
> تقول «على حافة الوردة أبداً يقف ولا يشم» ألا يعد انتحاراً محبطاً للكائن الحي؟
– قد تراها انتحاراً من موقع تفاصيل الحياة اليومية. لكنها في الواقع الشعري لا يهم مثل هذا التفصيل بالقدر الذي يهمنا كيف يتكثف الإحساس بالموقف، ويصعد إلى مصاف المخيلة. ونحن ندرك تماماً أن الأحاسيس والمشاعر لا تخلق ولا يعاد تكرارها أو حتى تصنيفها إلا عبر معامل اللغة الشعرية، بينما حياة المرء تظل الشجرة التي تتمي إليها أغصان تلك المشاعر والأحاسيس. لذلك يمكن أن أقول لك أني أرى الأمر معكوساً، فما تراه انتحاراً ليس سوى إنقاذ للمشاعر، وذلك بإيصالها إلى أقصى حالات التراجيديا الإنسانية في هذه الصورة.
> «نستطيع أن نقاوم الهجوم والنقد. لكننا عاجزون أمام الثناء» سيغموند فرويد. هل قام النقد في بلادنا بدوره الواعي في خلق مناقدة تفتح الآفاق أمام الكاتب والمتلقي؟
– أولاً النقد ينبغي النظر إليه كقيمة، إذا لم يأخذ موضعه المؤثر سواء في الخطاب الأخلاقي أم التعليمي التربوي أم المعرفي الفكري، فإننا بالتأكيد لا نملك وعياً نقدياً يلعب دوراً كبيراً في خلق المناقدة كما تقول كما نرى هذا النقد متجلياً عند الغرب في النظرية النقدية، وعلى رغم المآخذ العديدة على هذه النظرية في الخطاب الغربي، إلا أنها عملت على الأقل في تأسيس أخلاقيات المعرفة، وهذا يكفي في حد ذاته من الفوائد الكبيرة التي جناها الغرب في تطوره المعرفي.
ثانياً كيف يتأسس النقد كقيمة عندنا؟ اختصاراً بالانخراط والتفاعل مع مظاهر الحياة الحديثة، ونقد قيمها الفكرية والجمالية والاجتماعية من العمق، وانفتاح مؤسساتنا التعليمية على هذا النقد من دون تحفظ.

جذر الشاعر
> «إن الشعراء ليسوا طيوراً مهاجرة، والشعر من دون التربة الأم شجرة بلا جذور وطائر من دون عش». رسول حمزتوف. الحرز الشاعر ماذا تهب لك تربة الوطن من ألق في الشعر؟
– لا أفهم من التربة سوى الأرض. الوطن كلمة ترتكز على الوعي والنضوج وهي أكثر ما تنتمي إلى قواميس لغوية سياسية. الأرض هي جذر الشاعر، هي طفولته، هي رائحته التي تكبر معه أينما حل أو رحل، وليس تجربته الشعرية سوى التفات إلى الخلف، إلى ذلك النداء الذي يخرج من الجذر، ولا يستقر سوى في مخيلة الشاعر. فالأرض لا تعني شيئاً بوصفها أرضاً، والشاعر وحده من يراها ذلك الباب الذي اصطدم به أثناء محاولته المشي للمرة الأولى، تلك العتبة التي بكى عليها حين تتركه أمه وتختفي في الحارة، تلك الشمس الحارقة التي تلذع قدميه وهو يمشي مع والده بين الحارات، هذا هو نوع الألق الذي يستعيده الشاعر كلما التفت إلى تلك التربة الجذر.
> «الشعر طريقة لإمساك الحياة من عرقوبها» هكذا يقول الشاعر الأميركي روبرت فروست. كيف نضع هذا القول قيد التنفيذ على أرض الواقع اليومي؟
– كل شاعر له طريقته في الإمساك بالحياة، ليس بالضرورة كما يقول الشاعر الأميركي. البعض من الشعراء يحاول الإمساك بأطراف أصابعها ولا يستطيع، آخرون يعبرون أمامها ولا يلتفتون، البعض يلبس حذاء رياضياً ويحاول اللاحق بها في مضمار السباق، والبعض يعبر من تحت الجسر ولا ينظر إلى استغاثاتها التي تلوح من فوق الجسر. وهكذا، فكل تجربة شعرية هي بمعنى من المعاني محاولة في الإمساك أو التشبث بشيء ما، ربما هي الحياة وربما شيء آخر، وحدها الحياة تدرك لا حقاً المعنى من كل ذلك.
> كونك ناقدا للشعر، حدثنا عن سبب غياب الرمز في القصيدة السعودية الحديثة إلا لماماً، أهو عائد لانتفاء الحاجة التي جعلته ضرورياً في ستينات القرن الماضي لتفادي الرقيب وبطش السلطة الدينية؟
– في فترة خمسينات وستينات القرن المنصرم دخلت القصيدة العربية في حال استقطاب سياسي آيديولوجي حزبي، وخضعت لمؤثراتها المختلفة سواء على مستوى التصور للشعر أو من خلال تحديثه أسلوبياً وتقنياً وفنياً، ولم يكن تقنية الرمز بجميع أنواعه وأشكاله سوى واحد من مظاهر هذا التأثر، ناهيك عن البعد العالمي المؤثر بلا شك على مفهوم القصيدة العربية، وبالتالي القصيدة السعودية ليست استثناء عن ذلك. القصيدة السعودية الحديثة (قصيدة النثر والنصوص المفتوحة على السرد) تخففت كثيراً من سلطة البلاغة النسقية، وتحررت بالتالي من سلطة التاريخ في تصوره للشعر. من ينظر إلى أغلب تجارب الشباب في الشعر السعودي الحديث، يجد الخفة في التعامل مع الشعر من دون عقد مسبقة أو تصورات تعليمية جامدة. وهو بذلك يؤسس لمرجعية لا تقطع الصلة بالآباء، لكنها كما أرى أكثر تفاعلاً مع الحياة من داخل النص نفسه.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة