15

‘رقة القتل’ .. ثنائية السلطة والحرية

أحمد القرني

ما بين القادم من الماضي والآتي في الحاضر يتمحور السرد والحكي في رواية “رقة القتل” للكاتب أحمد طوسون الصادرة عن دار النسيم 2015 وهي الرواية الثالثة بعد “مراسم عزاء العائلة” و”تأملات رجل الغرفة”، والأولى تنتمي لتيار البناء الفني للرواية، والثانية تنتمي لتيار الوعى أما رواية “رقة القتل” فهي رواية الشخصيات حيث تتعرض لسيرة أربعة أصدقاء وهم شوقي كاتب القصة، سيف ناصر الشاعر، حاتم فهمي الرسام، أنور شفيع الشاعر.

الأربعة يجمع بينهم حب الثقافة والإبداع والفن ويجمع بينهم وحدة الزمان والمكان “الفيوم” ويمارسون الإبداع في قصر الثقافة.

ولأن السرد سيسير بشكل متوازٍ أي أننا سنتعرف على سير الأربعة من خلال سرد الحكاية بالتوازي. وسندرك حكم الإختلاف بين سيف ناصر الوصولي الإنتهازي وبين شوقي البسيط الطيب لحد السلبية. والعاشق المعذب بعشقه أنور شفيع والحائر بين فنه وظيفته الضابط الرسام حاتم فهمي.

وسيعري أحمد طوسون الحركة الثقافية بصفته واحدا من المشاركين فيها منذ عقود ولديه خبرة عميقة بها، وربما مارس الأمر عديد من الكتاب العرب فقد قرأت رواية “امرأة من طابقين” للكاتبة السورية هيفاء بيطار حيث استطاعت أن تعري واقعا ثقافيا شائها في التعامل مع المرأة في سوريا. ليست كمثقفة أو مبدعة بل كونها جسدا مثيرا، وتعرية شخصية المثقف الإنتهازي الذي يتوافر بكثرة في تاريخ الحركة الثقافية العربية والمصرية يأتي فى سياق بناء روائي متفرد.

وكان لدى أحمد طوسون القدرة على فضح واقعنا الثقافي من خلال خبرته بذلك الواقع السيء فكان مهتما بفضحه وكشف عوراته. وكيف استطاع سيف ناصر أحد الأصدقاء الأربعة أن يلتقط خيط الصعود بانتهازية فريدة حين قبل العرض السخي من الموظف الكبير بالمؤسسة لشراء المعارضين لسياسات رئيس المؤسسة في الإجتماع الذي اصطحبه إليه صديقه الطيب شوقي فبادر على الفور بتدوين اسمه للعمل بالمؤسسة وما يسمى مصطلحا “التدجين” لإدخال المعارضين حظيرة المؤسسة.

تلك الشخصية التي لا تدع فرصة سانحة إلا قبضت عليها، وقد رأينا أمثال هؤلاء الكثر في حياتنا الثقافية ورأينا مهارته في التخلص من منافسيه حينما استعان بالشيخ إخلاص القيادي بجماعة الإخوان لكي يعينه على التخلص من حسام حامد رئيس تحرير السلسة وكيف سطى على رواية صديقه “شوقي” وكيف كانت لديه المهارة ليخفي معالم السطو أمام سلبية شوقي، وشوقي هو صورة معتادة للأديب الريفي الساذج الذي لا يملك الفراسة لإدراك شرور الآخرين والتعامل بطيبة أمام أفعالهم الإنتهازية، ولا يمتلك الشاجعة لمواجهتهم.

سيف ناصر يصل إلى رئاسة المؤسسة بمعاونة صلاح خطاب مدير الأمن بها ويتخلص من منافسه إيهاب فخري، ويجلس على كرسي الرئاسة. بينما يصارع الضابط حاتم فهمي داخله ما بين صرامة شخصية الضابط وبين رهافة حس الفنان الرسام يشتد الصراع داخل حاتم الذى يتقمص دور الضابط الصارم القوي ليتأسى بزميله ضابط المباحث عمر زاهر. ويتهم في قضية حرق سجين تنتهي ببراءته.

أحمد طوسون يضرب بلا هوادة ليصف واقعا غير معقول وصل إليه حال المثقف العربي حالة من البلادة والإستسلام مثل شوقي ومن الانتهازية مثل سيف ناصر والإبتعاد والعكوف عن المشاركة مثل أنور شفيع الذي سافر وابتعد بل وأصبح قلما مأجورا ومبدعا تحت الطلب يكتب للآخرين مقابل الدولار.

فقد كتب سيرة الصحفي الخليجي ليكشف عورات هذا المجتمع هناك، وتنال الرواية شهرة كبيرة وصاحبها بينما يقبع كاتبها الحقيقي في الظل. ويكتفى بحصد بالمال/ الثمن.

هذا ما وصل إليه حال المثقفين من الإزدواجية مثل حاتم فهمي وسلبية شوقي وهجرة أنور شفيع وانتهازية سيف ناصر. وأحمد طوسون يريد أن يهيل التراب على الجميع، جميعنا شارك في الإثم والخطيئة ونحن ننحني للعاصفة ولا نصرخ في وجه المؤسسة الفاسدة، طوسون يعري دواخلنا ويكشف ذواتنا إننا أما كتابة تنحرف بنا إلى أقصى الحقيقة فتدهشنا دهشة الغائب عن الحقيقة.

• ثنائية الفرد والعائلة

رواية “رقة القتل” تعلن العصيان والتمرد على حياة المثقف العربي والمصري وتضعه أما ذاته في المرآة ليرى نفسه على حقيقتها ونعرف إلى أين وصل تشوهنا؟ إنها تجربة إبداعية غاية في المرارة والوضوح إذ تكشف عن ضعف سلطة الفرد أمام سلطة الجماعة وإرثها.

في هذه المجتمعات لا قيمة للفرد ولا لرغباته وأحلامه وطموحاته، وإنما القيمة لبقاء العائلة وسطوتها، لذا سندرك حجم عجز أنور شفيع عن الإحتفاظ بحبيبته سلمى وتركها تضيع من بين يديه وهو يمتثل لأمه التي لا تريد نسيان الماضي وما فعلته “عالية” بأخيها ابنة تلك العائلة هل يمكنها أن تنسي؟ تحت وطأة صراع الأم مع ذاتها وكيف لم تستطع تجاوز الماضي استسلم أنور شفيع لأمه كما استسلم حاتم لأبيه الحاج فهمي في أن يكون ضابطا تحت وطأة التغيرات الإجتماعية التي أطاحت بقيمة العائلات في البلدة بعد انفتاح السادات وسيادة المادة على كل القيم الأخرى.

إن بوح أحمد طوسون يدهشنا ويملؤنا بالوجع ونحن نتابع صراع الشخصيات لذواتها ولواقعها المفعم بالمرارة. وتتشكل ثنائية الفرد والعائلة فبينما تسعى الجماعة / العائلة لسحق الفرد وأحلامه في مقابل بقاء العائلة لنجد صراع شمس لإبقاء شوقى في حظيرة الأسرة وقتل حبه الوليد لـ هبة الشناوي وتسعى لدى صديقه أنور شفيع لإثنائه عن تلك العلاقة. وبدوره يبلغ أنور شفيع سيف ناصر برغبة شمس زوجة شوقي فيستغل سيف ناصر هذه الرغبة في إقناع هبة الشناوي بالإنتقال للقاهرة بعيدا عن شوقي ليقضي على تلك العلاقة التي أعادت الحياة إلى شوقي فبقاء الأسرة أثمن من علاقة حب تعيد الحياة لصاحبها وهو عين ما فعلته مروة زوجة أنور شفيع حين دافعت عن أسرتها لتواجه حب سلمى الذي اقتحم حياتها فجأة.

ثنائيات الرواية تتشكل وتكتمل وفيها نجد أنور شفيع يترك زوجته ليعود إلى حبه القديم سلمى. سلمى هي الأخرى تصارع العائلة التي تريد الحفاظ على بقائها ومالها وتجارتها فترفض الإستسلام لرغبة سلمى في الطلاق من رفعت الشهاوي. وتقف في وجه تحرر سلمى لتبقى سلمى رهن الإدمان ورهن ماضيها.

وفي النهاية يعيدها أبوها إلى رفعت الشهاوي التاجر ورجل الأعمال لتكون ثنائية التضاد بين حرية سلمى وبقاء العائلة وتنصاع سلمى وتترك حريتها. أيضا يحاول الضابط حاتم فهمي كسر القيد قيد والده وحياته الشرطية الصارمة ويذهب إلى مرسمه ليجد داخله الفنان ويترك شاهندة تعاني الوحدة والبرودة ويتجه ناحية هبة الشناوي التي أطلقت المارد داخله “يكتفي بأن يقول لزوجته إنه في مأمورية ليحصل على تصريح بالغياب من حياته الرسمية ويعانق ريشته” ص 23 من الرواية.

حتى شوقى لا يسلم من هذه الثنائية ليعلن رغبته في الزواج من هبة الشناوي الشاعرة الوليدة التي أسرته بجمالها ليترك شمس تحاول الاحتفاظ به وينتهي الأمر بموت شمس وإدمان سلمى وسقوط هبة الشناوي في الملاهى الليلة بالقاهرة وحتى في الماضي تموت عالية حسرة على خال أنور شفيع.

جاءت تلك النهايات لتعلن رغبة الكاتب في فضح السلوك الإجتماعي المبني في الأساس على مصلحة الجماعة في مواجهة مصلحة الفرد وحريته. وكشف عواراتها بكل جنون واضعا الشخصيات أمام عذاباتها وأمام مصيرها المحتوم في عالم مشوه عالم تحكمه قيم مجتمعية ظالمة تقيد الفرد وإبداعه حتى المثقفين تلعب بهم المؤسسة ولا تتركهم أحرارا.

العالم الذي رصده أحمد طوسون هو عالم مليء بالقبح مليء بالسلبية مليء بالأطماع والإرث الإجتماعي البغيض فكان لازما أن تنتهي شخصياته بالجنوح والإضطراب وأن تنتهي إلى نماذج مرفوضة من الكاتب أراد فضح عالمها الجنوني.

“رقة القتل” هي مرآة صادقة لواقع ثقافي واجتماعي بغيض عامر بالمتناقضات، فأنور شفيع يطيع أمه ويضحى بحبه وعشقه ويترك سلمى تجتر عذاباتها. وحاتم يطيع والده ويدخل كلية الشرطة دون رغبته حفاظا على العائلة التي أوشكت مكانتها الإجتماعية على الضياع والأب “الحاج فهمي” يريد من حاتم أن يحفظ مكانة العائلة فيلحقه بكلية الشرطة وينصاع حاتم لرغبة الإرث / العائلة/ سلطة الأب.

• ثنائية السلطة والحرية

يرمز أحمد طوسون للسلطة بالقيد والإنهزامية وفقدان الحرية والوقوع في الأسر وضياع الأحلام ليصبح مقابلها هو الحرية والتحرر والحلم . السلطة / القيد تكمن في المؤسسة، الزوج، الأب، الحزب، لجنة السياسات، قيد الجماعة، الجماعة الإسلامية وسطوتها على أعضائها، ويصبح بهذا المفهوم الواسع للسلطة التي تعني القيد كل في حالة قهر، فرجل الأمن الضابط حاتم فهمي يخضع لسلطة الأب / العائلة ويدخل كلية الشرطة رغما عنه ثم يخضعه لسلطة النظام الأقوى والأشرس “لن يستوعب أن الابن خرج من طوع أبيه إلى سلطة أب أشد قسوة .. لا يسمح لأحد بالخروج عن صف النظام ولو للحظة إرضاء لشيخ كهل مازال يبحث عن هيبة قديمة ….” ص 25 وظيفته أصبحت القيد / السلطة كضابط شرطة حينما تحدث إليه الضابط الأعلى قال:

“هم من يختارون يا حاتم .. نحن مجرد قطع شطرنج تتحرك في لعبة كبيرة وعلينا تنفيذ الأوامر كما هي، هل تظن أن عساكر الشطرنج بإمكانها أن تسأل الملك عن جدوى الإنتقال من رقعة إلى رقعة أخرى إنها مجرد قطع صماء بكماء لا تملك إلا إطاعة الأوامر والتحرك وفق إرادة الملك وحده ص 22”.

سلمى تخضع لسلطة الأب والزوج. يقول عن سلمى “كانت ممزقة بين صورتين تهتزان أمام عينيها وتكادان أن يتطابقا. نفس ملامح الرجل السلطوي رأتها لحظتها في عيني أبيها كما رأتها في عيني رفعت الشهاوي. لا فرق بين زنزانة يمتلك مفتاحها الأب أو زنزانة يمتلك مفتاحها رجل آخر يملك نفس السلطوية تحت مسمى الزوج .. جرجرت خطواتها المنسحقة عائدة إلى حضن وحدتها وحزنها” ص 71.

المثثفون يخضعون لسلطة المؤسسة وسيف ناصر يخضع هو الآخر لنفس السلطة وأنور شفيع يخضع لسلطة الأم / العائلة ففي مجتمعاتنا تصبح التقاليد والعادات سلطة تأسر أفراد العائلة وتقيدهم .. حتى أنور شفيع يجد في الأم السلطة التي أبعدت عنه سلمى ولم يمتلك سوى الطاعة أمام قهر هذه السلطة العائلية ثم كيف اعتقل بطريقة عشوائية، وفقد عاما من حياته في المعتقل ولم يرتكب شيئا هذا ما جعله يكفر بفكرة الوطن:

“العصى الغليظة والقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والقسوة اللا متناهية والجدران العالية التي تجعلك تفكر في الطريقة التي تنسي بها هذا الوطن” ص 86.

كما أن الإغتراب والبعد المكاني لم يحقق له شيئا “لكن هل يمكن أن تجد حريتك بعيدا عن وطنك؟ كثيرون وجدوهم هناك يحملون زنزاناتهم معهم” ص 85. ثم كيف كان النظام / السلطة قاسيا في التخلص من سيف ناصر ويخرجه من مقعد الرئاسة لصالح أحد رجال لجنة السياسات، السلطة قاهرة وقهرها يلحق حتى أبنائها المخلصين “سيف ناصر”. السلطة لا تحنو على أحد حتى أبنائها.

• تقاطع السرد مع حركة الزمن في البناء الروائي

شكلت تقاطعات السرد من حيث الزمن فنرى تحرر الكاتب في الإنتقال المباغت ما بين الماضي والحاضر ليغيب المفهوم التقليدي للزمن حتى فعل التذكر الذي تقوم به الشخصية لم يكن اجترارا للماضي بقدر ما كان تقاطعا مع الحاضر الآني ليزيد من لحظة التوتر داخل المشهد فمثلا ينتقل الكاتب في لحظة السرد الآنية إلى الماضي البعيد فمنذ قوله “كانا ككهلين يجران خطواتهما الثقيلة بمحازاة البحر” وهي لحظة انطلاق السرد الأولى ينتقل إلى زمن آخر في هدوء “لم يكن اليوم ينبيء بأكثر مما هو معتاد” ص 6 ليبدأ لحظة استحضار الماضي.

وكذا تقاطع حركة المكان والإنتقال الواعي ما بين الريف والعاصمة وتقاطع الأصوات في السرد ما بين السرد العام بضمير الغائب وما بين حوارات الشخصيات التي تجرى على ألسنتهم فقد قام طوسون بسرد الوقائع لا على أساس تراتب زمني متلاحق بل على أساس تداعي الأحداث في عقل راويها فلم يقدم الأحداث وفق تسلسلها الزمني وقت حدوثها بل قدمها وفق تداعي تلك الأحداث في ذهن الشخصية التي يحكي عنها لذا اكتسب الحدث بُعدا نفسيا ليس في حدوثه فقط بل بتأثيره على الشخصية من وجهة نظرها، فلم يعد الرواية والسرد مجرد تسجيل للوقائع وما جرى بتسلسله الزمني بل صار سردا داخليا يعبر عن مكنون الشخصية ورؤيتها لما يقع فاكتسبت الوقائع بُعدا داخليا ليتقاطع الماضي والحاضر معا في وقت واحد.

مثلا يقول عن ناصر سيف: “لا يعرف سر غبطته التي استشعرها حين سمع كلمات الشيخ الأخيرة .. تأرجحت في رأسه أفكار باهتة عن تشكيل الإعتقادات والإيمان بها ووجد في كلماته شيئا ما يقربهما معا” ص 39.

وهنا نجد كيف تشكل في وجدان سيف ناصر ووجد في تعبيرات الشيخ إخلاص ما يمكنه من التعاون معه واستغلاله مستقبلا واستخدم الكاتب ضمير الغائب ليتمكن بالسرد باقتدار من تغطية مشاهد تقع في آن واحد أو أماكن متعددة كان لا يستطيع تتبعها لو كان بضمير المتكلم كما تمكن بتقنية الاسترجاع وهو ما يعرف سينمائيا بتقنية “الفلاش باك” بكثرة في الرواية من كسر رتابة التسلسل الزمني أو الإنتقال المكاني للسرد فالإنتقال بخفة وسرعة ما بين زمنين وما بين مكانين كان أحد سمات هذا السرد واستحضار الماضي السحيق واستدعاء أماكن بعيدة في ذهن الشخصية لنعرف دوافعها ورغباتها كان بمثابة الإضاءة (مثل حديثه عن اعتذار حاتم فهمي عن الإشراف على الإنتخابات في صورة تداعي ذهني واسع (ص 21) برغم أننا لم نكن نعرف شيئا عن الإنتخابات وما سيجرى فيها كما أتى ذكر الفتاة التي طلب منه سيف ناصر أن يجد لها مكانا ثم يأتي ذكرها بعد ذلك ونعرف أنها هبة الشناوي الشاعرة”.

كما أن تلك التقنية أيضا أتاحت له الإنتقال في الفضاء المكاني بسهولة ويسر ما بين “الطريق العام والمقهى وبيت الشيخ إخلاص والمؤسسة ومنزل الحاج فهمي”.

• الإنحرافات الحادة في الشخصية

سيقدم طوسون نموذج سيف ناصر للمثقف الشاعر الإنتهازي الوصولي الذي يبيع كل شيء من أجل الوصول لرئاسة المؤسسة ورأيناه كيف غار من شوقي وامتلأ حقدا عليه بسبب نشره لقصيدتين في إحدى المجلات، أما هو فلم يستطع أن ينشر ولو قصيدة واحدة، ونراه يكيد لحامد رئيس تحرير السلسلة ويمد يده للشيخ إخلاص برغم التباعد الفكري بينهما فهو المنتمي للحزب القومى والشيخ إخلاص أحد قيادات الإخوان. ثم كيف يستعين برجل الأمن صلاح خطاب لكي يطيح بـ “إيهاب فخري” نائب رئيس المؤسسة الذي لم يحقق حلمه أبدا في الوصول لمقعد الرئاسة لأنه دائما ما يختار الرئيس من مطبخ الحزب ولجنة السياسات.

ثم كيف يتخلى عن أفكاره القومية ويهاجم العراقيين والفلسطينيين والسودانيين لمجيئهم إلى مصر. ثم كيف يكون ضحية هو الآخر للعبة قادها الشيخ إخلاص وبعض الجماعات الإسلامية ليهاجموه بسبب طبعه لديوان “هبة الشناوي” فيطيح به من المؤسسة هكذا أراد طوسون من هذا النموذج ليدلل على أننا كما نلعب دور الجناة نلعب دور الضحية أيضا.

• اختلاط الذاتى بالموضوعى والعام بالخاص

بينما يبدو طوسون مهموما بطرح حكاية أبطاله يجرنا شيئا فشيئا إلى قضية وطن وقضية مجتمع يفقد توازنه واتزانه فالخاص والعام يندمجان ويقتربان حتى يتراشي كل منهما في الآخر، هذا الإنصهار يعكس وعي الكاتب بقضيته وهمه حينها ستتلاشي الشخوص بأوصافها وتبقى بمعناها وأفكارها التي ربما تغيب ملامح شخصياته وتتشظى لتصبح عنوانا للجماعة وللمجتمع ولحكاية منظومة تفسد بكاملها، هنا تتحول الشخصيات لتيمات وأيقونات تحمل على أكتافها هموم الجميع وقضية الجميع ويتحول سيف ناصر لإيقونة للإنتهازية والفساد والمثقف الوصولي ويتحول أنور شفيع كمبدع كأيقونة للإستسلام والإبتعاد والإنهزامية ليكون المبدع المأجور الذي يبيع قلمه وإبداعه لكل مشترٍ. ويصبح “شوقى” كتيمة مجتمعية للمثقف المسالم الطيب السلبي الذي لا يتمرد ولا يرفع صوته. وشمس زوجته تلك الزوجة الطيبة التي تساعد زوجها.

إننا أمام رواية اختلط العام فيها بالخاص وتحولت شخوصه إلى أيقونات وعالج في هدوء قضايا كبري عن الهوية وعن الفساد وعن العروبة والقومية وعن نظرة السلطة السلبية للمثقف وعن الإنتخابات والمعتقلات والسجون، الرواية مليئة بالقضايا الكبرى التي عالجها طوسون بهمس دون أن ندري وليس بالصوت العالي ولا بالزعيق.

• ثنائية الرومانسية والواقعية

أحمد طوسون حين يصور مشاهد الرومانسية يصورها بروعة وبقلم بارع ومشهدية بالغة وهو يرق حتى لا تكاد ترى حروفه “البنت التي تشبه شجن الربابة سحرت قلوب طاولة نادي الأدب بقصر الثقافة. قالت إنها تريد أن تكون شاعرة رغم أنها كانت أجمل من كل القصائد التي وقعت عيونهم على حروفها، أكثر موسيقى من بحور الخليل بن أحمد، وأكثر تمردا من نساء نزار قباني ..” (ص 53).

تلك اللغة الرومانسية الشفافة تنقل لنا حالة من الرومانسية التي تعج بها مشاهد الرواية، بينما تسمو النفس وتعلو الروح وتتشبع بتلك المشاهد اللامعة الرقيقة نجدنا أمام واقعية مفرطة في مشاهد قتل وسحق السودانيين في شارع جامعة الدول من قبل قوات الأمن وكيف صور مشاهد الإنتخابات وتجماعات الجماعات الإسلامية في مواجهة قوات الأمن والتربص من كلا الطرفين برعم تعاونهما واتفاقهما سرا في لعبة السياسة القذرة.

هذه الثنائية نجدها واضحة في شخصية الضابط حاتم فهمي تماما لنجده حين يدخل البيت شخصا آخر تماما حتى يدخل إلى الحمام ليعود ذلك الزوج الوديع المحب:

“كانت تعتقد أنه لم يعد نفس الشخص الذي عرفته رومانسيا وخجولا وودودا .. بقامته الرشيقة ووسامته الحالمة الحزينة الأيام جعلت منه شخصا آخر…” (ص 17). يلقى بقناع الشخص المتغطرس إلى تجويف المرحاض ويشد سلسلة السيفون ليتدفق الماء .. حينها تعرف أن حاتمها عاد ترقبه يحتضن طفلتيه بحنان …” (ص 18).

• رقة القتل والقتل الناعم

في النهاية فإن شخصيات الرواية لم تقتل بالمعنى الحقيقي للقتل. إن شخصيات أحمد طوسون في مجملها قتلت ذلك القتل الرقيق القتل الناعم ولأنه لا فرق بين القتل المادي والقتل الناعم فكلاهما هدم لبنية الإنسان بحيث لا يعود صالحا للحياة ومن ثم فالشخصيات التي مرت بكل هذا الإنكسار وكل هذا السقوط لم تعد تصلح للحياة.

القتل الرقيق لدى طوسون هو أشد ضراوة من القتل الحقيقي لأنه يترك الإنسان كومة من الإنهزامية والضياع.

شخصيات الرواية صارت كذلك أنور شفيع من شاعر ومبدع إلى قلم مأجور يكتب للآخرين بأجر ويبيع إبداعه وقلمه. فماذا تبقى له من إنسانية؟

سيف ناصر طرد من المؤسسة وفقد كل طموحه، وحاتم فهمي سقط عن آخره فلم يستطع أن يحيا بازدواجية بين الضابط والفنان وانتهى به الحال أنه لم يصلح كضابط، ولم يعد فنانا.

كل الشخصيات تقريبا قتلت ذلك القتل المعنوي، القتل الرقيق ماذا يتبقى للفنان المثقف إذا سلبت روحه وترك جسدا مادة لا روح فيها ولا فن، المؤسسة قتلت المثقفين والمبدعين بفسادها. وسلمى أيضا انتهت إلى الإدمان ذلك القتل المعنوي للجسد والروح معا.

ربما نأخذ على الكاتب سيادة روح الإنهزامية في الرواية واليأس لكون جميع الشخصيات المطروحة كلها انتهى بها المآل إلى الموت المعنوي والضياع والفشل. لم يكن من بين شخصيات الرواية ذلك المثقف الواعي المقاوم ليبث روح الأمل والتفاؤل ويمتلك روح التمرد وإصرار المواجهة بل الشخصيات الأربعة الرئيسية تشكل في مجملها روح اليأس والخنوع وفقد الأحلام والقهر أمام سلطة المؤسسة / سلطة العائلة/ سلطة النظام، سلطة الجماعة.

أيضا معظم نهايات نساء الرواية نهايات مؤلمة .. سلمى تدمن، عالية تموت، هبة الشناوي تضيع وتصير امرأة ساقطة في الملاهي الليلية. أما موت شمس زوجة شوقي فليس له مبرر درامي، وإنما يكشف عن أن طوسون يري في غياب المرأة وضياعها نتيجة حتمية لضياع الأمل والرومانسية في المجتمع، وإلا فإنه ليس هناك حاجة درامية لموت شمس، ولكن أن يؤمن الكاتب أن المرأة هي رمز الجمال في الحياة فلا بد من موتها في مجتمع يملئه القبح.

(ميدل ايست اونلاين)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة