نصوص

أنطون الذي قتلته الأغاني

حازم صاغية

أشياء كثيرة تعلّق بها أنطون الذي كان سريع التعلّق بالأشياء، إلاّ أنّ السياسة لم تكن واحداً منها. يومذاك كنّا، نحن المراهقين، إمّا حزبيّين أو مُقبلين على تحزّب ما، وكان أنطون ينضمّ إلينا كلّما تجمّعنا حول طاولة في المقهى الذي يديره، «لأنّني أحبـــّهم كلّهم على اخــتلافهم» كما كان يقول. لكنّ عقل أنطون كان يعمل بطريقة بدت لنا غريبة، فيقوده في اتّجاهات لا تلتقطها آلاتنا المعـــتادة. فحيـــن تحدّث أحدنا بحذلقة المراهقين عن نابوليون وما إذا كان صناعة التاريخ، كما قال إنغلز، أو صانعه، كما رأى سارتر، تدخّل أنطون على غير عادته في هذه النقاشات، سائلاً: لكنْ قل لي من هي أمّ نابوليون؟ وإذ استغربْنا جميعاً سؤاله، وليس بيننا من يملك جواباً عنه، أكّد أنطون أنّه لا يحقّ لنا الخوض في نقاش كهذا ونحن لا نعرف شيئاً عن والدة الإمبراطور الفرنسيّ.
لماذا يا أنطون؟ سألناه، لأنّها هي التي ولدتْه وربّته، ومن دونها ما كان نابوليون ليوجد وما كان لهذا الخلط في التاريخ أيّ معنى. السؤال الوجيه الذي ينبغي حلّه هو عن دور والدته.
وإذ تبادلنا النظرات والغمزات، أطلق أنطون ضحكته المدوّية التي عُرف بها، كأنّه يقول إنّه هزمنا في موضوع نتعاطاه ولا يتعاطاه. غير أنّه امتصّ بضحكه الطنّان جدّية انتصاره علينا ممّا لا ينوي استثماره. كانت الرياضة، في المقابل، ومعها الاعتداد بالقوّة الجسمانيّة، من مفاخر أنطون، يزاولهما فيما عيناه على الآخرين، متوقّعاً إقرارهم بأنّهم رأوه وشهدوا على جبروته.
هل تريد أن تنام ثلاثة أيّام في الفراش؟ كان يسأل محدّثه. وحين غامر حسام بالإجابة وقال: نعم، عصر أنطون خصره بزندين أوتيا كلّ القوّة، ثمّ رفعه قليلاً عن الأرض وأبعده مسافةً لا تزيد عن ثلاثة أمتار. وفعلاً نام حسام يوماً عن كلّ متر، ولم يقوَ، لثلاثة أيّام، على تحريك ظهره ووسطه.
مذّاك لم يُجب أحد عن سؤال أنطون بـ «نعم».
أمّا إذا ضمّته جلسةٌ ذُكر فيها أنّ ثمّة شخصاً قويّاً في بيلاروسيا، أو في كندا، اعتبر أنطون أنّ في الكلام تحدّياً شخصيّاً له، أو غمزاً من قناته، واستفهم بشيء من الحدّة والاستنفار عن هذا القويّ المذكور ومَن يكون.
والأكل نافس القوّة العضليّة في مَراتبه، وفي أغلب الظنّ أُريد للأمرين أن يحسّنا موقعه بيننا، لا سيّما أنّ جهله بالسياسة كان يُضعف ذاك الموقع. إلاّ أنّ السرعة التي كان يلتهم بها ما يأكله كانت تُجيز التساؤل عمّا إذا كان يتذوّق، بل عمّا إذا كان يهضم. فهو لم يُبدِ مرّةً رأياً في الطعام الكثير الذي يتناوله، وما إذا كان كثير الدسم، مثلاً، أو قليل الملح. لقد نزّه الأكل تماماً عن الرأي وعامله كأنّه محرّم متعالٍ، مع أنّه كان يتدفّق آراءً وأحكاماً مبرمة وهو يتحدّث بازدراء عن كلّ من يُقلّ في طعامه. ذاك أنّ الشبع، في عرفه، كلمة زائدة أو مجانيّة أوجدتْها اللغة عن عبث كي لا تصف شيئاً. وكانت له في هذا الأمر حِكَمه وفتاواه. هكذا فرّق بين من يحبّون الأكل ومن يحبّهم الأكل، وصنّف نفسه في الخانة الثانية. كذلك، ميّز في قائمة الطعام التي أعدّها لمقهاه، بين «الفرّوج» و»الفرّوج الفيتناميّ» المنقوص الذي جيء به من حروب ذاك البلد. وهو كان يبيع هذا الفرّوج الفيتنامي لطالبيه بسعر أقلّ، وطالبوه «مرضى» يكتفون بجانح واحد أو فخذ واحد.
وقد درج أنطون، المعتدل البنية والمشدود العضل، على توكيد العلاقة بين القوّة ووفرة الأطعمة المأكولة، إذ الأولى تقود إلى الثانية حكماً، فيما الثانية تعزّز الأولى وتضمن ديمومتها. وكان من آرائه، في هذا الصدد، ضرورة الابتعاد عن البنات. فهنّ يُضعفن قوّة القويّ الذي يروح يهزل وتنقطع شهيّته فيما يبالغ في التأوّه والاستماع إلى عبدالحليم حافظ.
والحال أنّ الغناء، إذا استثنينا عبدالحليم حافظ وفريد الأطرش، كان موضع ولعه الأوّل. وأنطون كان ذا صوت كقضم الحجارة، يزيد في بشاعته نشاز غنائه وتقطيع ذاك الغناء بقهقهات الضحك الغريبة التي يختصّ بها. وتراءى لي ذات مرّة، أنّ معاني الكلمات المغنّاة هي ما يُضحكه، إذ أنشأ معها علاقة داخليّة أو سرّية يمارسها داخل غرفة سوداء مقيمة في رأسه لا يدخلها سواه. وهو تصرّف دوماً كما لو كان يحاورها فيما يغنّيها، أو كما لو أنّه يكتشف دلالات جديدة لما سبق أن غنّاه مرّات ومرّات. وربّما كان للسجع والقوافي ممّا استهواه دور في ذلك.
في بعض الأوقات التي لم يكن يغنّي فيها، كان أنطون يتمتم عبارات لا يفهمها إلاّ من يقتربون منه ويُنصتون بدقّة إليه. وهي عبارات تقارب الهذيان، جيء بها من مطارح متباعدة شتّى وأُلصقت واحدتها بالأخرى، كقوله «يا جميع الحالمين/ كلّكم كيس طحين».
لكنْ فجأةً، ومن دون تمهيد ظاهر، بدأت الأغاني تقود خطاه إلى الأحزاب. سمع أنطون، ذات مرّة، نشيد حزب الكتائب ونشيد القوميّين السوريّين، فأعجبه الثاني وصار قوميّاً سوريّاً. ويبدو أنّ أحد «الرفقاء» أراد أن يرسّخ فيه قوميّته المستجدّة فأسمعه أغنية حزبيّة تقول إنّ القوميّين «بيهدّوا جبال»، فاطمأنت نفس أنطون إلى خياره العقائديّ. وعلى رغم بؤسه الماديّ، عزف عن الشيوعيّة التي كانت تستقطب الكثيرين من المراهقين عهدذاك. ذاك أنّ الفارق بين القوميّ السوريّ والشيوعيّ، أنّ الأوّل يقتل القتيل ويرفع رأسه، فيما الثاني يقتله ويختبئ، كما كان يقول، ظانّاً أنّه لا ينطق إلاّ بالحكمة المصفّاة.
وأحبّ أهل القرية أنطون ولم يكترثوا بحزبيّته التي اعتبروها امتداده الفولكلوريّ. وكانت سيرة أبويه من أسباب تلك المحبّة. ذاك أنّ الرواية الشائعة قالت إنّهما وفدا من سوريّة «حين فاض النهر». ومن غير إيضاحات، يُعتقَد أنّهم لم يكونوا على بيّنة منها، يُرجّح أنّ المقصود النهر الكبير الجنوبيّ الذي يُنسب إلى العائلة أنّها عبرته كي تقيم في ضفّته الجنوبيّة. لكن من يعرف هزال ذاك النهر الأشبه بالسواقي، ينتابه أنّ المخيّلات صنعت فيضانه العظيم من أجل أن تتخيّل.
على أيّة حال، لم يوصف أبوا أنطون إلاّ بكونهما من «الأوادم الذين يعيشون بعرق الجبين ويربّون أولادهم على خوف الربّ». فالأب المزارع الذي لم يعمّر طويلاً بعدذاك، ترك عن كلّ يوم عاشه بين اللبنانيّين سمعة طيّبة أخرى. أمّا الأمّ فاجتهدت، في مساعدة ربّات البيوت، لإعالة صغارها الثلاثة، فأتى أنطون يشبهها في العفويّة والصراحة، وإن شابَهَ أباه في ملامحه الغجريّة التي حاكت «فيضان النهر» في إسباغ الغموض على وفادة العائلة.
ولأنّهم أحبّوه، اهتمّ أهل القرية بإدارة أنطون للمقهى الذي استأجره من أحد المهاجرين الملاّكين، مثلما اهتمّوا بأن يُكسبه المالُ القليل الذي يجنيه حياةً كان أبواه يستحقّانها ولم تتسنّ لهما. لكنّ نُذر الحرب كانت تتجمّع، وكان يزداد ارفضاض الشبّان الذين يقيمون في المدن عن قريتهم، بينما يعزف المقيمون فيها عن المقاهي.
وسعياً وراء لقمته، غادر أنطون القرية إلى مكان ما على ساحل جبل لبنان حيث عمل نادلاً في أحد المقاهي. بيد أنّه في هذه الغضون، سمع أغاني الشيخ إمام وأحبّها وفضّلها على ما كان يعرفه من أغانٍ وأناشيد. ويقال إنّه لم يعد مذّاك يغنّي إلاّ تلك الأغاني التي تُرجم ولعه بها انتساباً إلى الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين. وربّما عزّز هذا الانتماء معرفته بأنّ الجبهة المذكورة مختصّة بخطف الطائرات، ما يوشّي الأغاني بقوّة مؤكّدة لم تزده الأيّام إلاّ انسحاراً بها. ولربّما تخيّل، فوق هذا، أنّ قادة تلك الجبهة الأقوياء هم ممّن يأكلون ولا يعرفون الشبع.
ومن يدري، فأنطون، في أغلب الظنّ، حاول إقناع زملائه الجدد بأنّ أغانيه أجمل من أغانيهم، وبأنّ عليهم تالياً أن يغادروا أحزابهم المسيحيّة وينضمّوا إلى تنظيمه الفلسطينيّ؟.
الأمر الذي لا يرقى الشك إليه، أنّه قُتل هناك على الساحل، والأمر المحتمل أنّه كان، في تلك اللحظات، يغنّي.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق