الرئيسية / إضاءات / القصيدة وحرّاسها

القصيدة وحرّاسها

حسن بولهويشات

تغريني بالسرقة القصيدة التي أنتهي من قراءتها وأتأسف لأنّني لستُ كاتبها. وأحبّ القصيدة التي تُشعرني كما لو أنّي أدوس بحذائي الأزهار فتتفتق روائحها الباهظة تحت أقدامي وأتملى أنا الفضاء وأشعر بالخجل. فيما الكتابة بتهتك وميوعة ليست دائما أمرا جميلا. فالنظافة ضرورية ليمرّ الهواء خفيفا ويربت أكتافنا كما لو أنّنا أطفال أبرياء بلا غريزة حمقاء ولا بذاءة في الأصابع.
إطلاقا، لا أستسيغ قصيدة غامضة وملفوفة بالضمادات وورق الألمنيوم. فليس من مسوّغ واضح يدعو الشاعر ليرهق نفسه قبل أن يقول هذا وجهي وهذا أنفي. فاللغة بقسوتها القديمة تحتاج لمن يحنو عليها ويخلّصها من الشعاب الوعرة وتعاريج الجبال الضيقة ويسير بها في سهولٍ وطيئة، حيث هناك من يغمس يديه في ماء الغدير ويشكر الله والماء. وهناك من يعزف الناي وحيدا أمام خرفانٍ لعوبة. وتحتاج القصيدة لمن يأخذها الى ساحات المدن والبلديات لتحرّك رأسها جيئة وذهابا مع عنادل الحرية، وتخبط برجليها على بلاط الساحة مع حناجر المحتجين والغاضبين.
لا أتصور كتابة الشعر خارج الليل. هذه مسألة شخصيّة صرفة. لكن من يستطيع أن يخفي وجهه أمام حسناوات بتنانير قصيرة فوق عربات تجرّها جيّاد مطهمة، بينما جدّات بوشمٍ أزرق وأقراص فضة رجراجة يفتلن شوارب الطريق. ككل مرّة، الأطفال في مقاعدهم الخلفية يلوّحون بمصّاصات حلوى لصغارٍ آخرين في الشرفات ولرضّع في عربات صغيرة مدفوعة. دوما الرضّع يبتسمون، فيما تتكفل الأمهات الرد على تلويحات العابرين بإيماءة الرأس. أشياء كثيرة تحدث في الليل كمرور العربات السرية والانقلابات العسكرية. خيانة زوجية واقتتال بالسيوف والهراوات في بيوتٍ مجهولة. موسيقى دوّارة في المراقص وأدعية وابتهالات في الزوايا والأديرة البعيدة. شتائم في الطرق ومحطات البنزين وأزهار وقهقهات خلف الستائر وحول المناضد. كنّاسون يمسحون الرصيف وقطط تحمل الهدايا في زيارات متبادلة بين صندوق قمامة وآخر.
القصيدة الجميلة تتحرك خارج الزمان وخارج الجغرافيا ويكتبها الشاعر في باريس ولندن وسانتياغو وفي مرتفعات ايتوبيا وفي كلّ مكان تقريبا. القصيدة مثل الزلزال لا توقيت لها، وكتابة الشعر تحت الطلب أمر شاق ومقزّز، كمن يريد أن يسوق درّاجة هوائية بعجلاتٍ ملساء فوق الممشى الحجري، أو كمن يريد أن يحلق وجهه بقطعة زجاج ويتأفف أن يرى الدم. لمرّات عديدة وجدتُ نفسي أكتب في دورة المياه وبشكلٍ مريح ودونما مشاكل في العمود الفقري. حتّى اذا فرغتُ وصفقتُ الباب خلفي تأخرت القصيدة وانحدرت إلى الأسفل لتعبث بها فئران نشيطة وربما تداولتها في أعياد ميلادها الغامضة. تبقى الموهبة مسألة غامضة جدا، ومرتبطة في كثير من أجزائها بالسماء وبارتجاج في المخيلة.
أن تختارك القصيدة من بين ملايين الآدميين الذي يدبّون فوق البرّية، هذا يعني أنك محكوم بالخراب والشتات، ومختلف في عرف الناس والأسر السعيدة التي تتدثر بالملاءات في الشتاء وتتخفف من ملابسها في الصيف. لا أستطيع أن أشرح أكثر من هذا، فالأمور في غاية الحساسية والتعقيد. أمّا الموسيقى الهادئة فهي إحدى أرواح الشعر. الشعر بلا موسيقى جرح غائر في جسد إحدى هذه الأرواح الشفيفة. أذكر يوما من آذار/مارس بعيد، واحتفاء باليوم العالمي للشعر في بلدةٍ بعيدة، كيف كان أحدهم يعطي إشارة بيده لجماعة من الأولاد ليضربوا على البنادير الساخنة بين قصيدة وأخرى. وكم تألمتُ أن تُذبح القصيدة بالبنادير والزغاريد.
أومن بالله، لكن لا أؤمن بناقدٍ طباعه سيئة وقلبه شفرة حلاقة. كما أنّه ليس في مقدور أحد أن يتكهّن بما يدور في رأس الشاعر أو يضع يده على شكل ولون الفراشات التي تحوم حول رأسه. الشاعر يعشق الحرية ويستاء أن يقف دركيّ على بابه كل يومٍ ويقول له صباح الخير أيها الشاعر. والى أين أنت ذاهب في هذه الساعة المبكرة أيها الشاعر. وأين تأخرت البارحة أيها الشاعر. ولماذا تملّخت أكمام قميصك أيها الشاعر. تبدو الأمور أحيانا غير مقبولة بالمرّة مع النقاد. بينما بعض الصحافيين لا يراوحون مكان الناقد الا بقليلٍ حين يسألونك عن سبب استعمال كلمة دون غيرها. ولماذا جاء العنوان مركّبا اضافيّا وماذا تقصد بالجملة الفلانية. أشخاص محدّدون يذبحون القصيدة ويسحلونها في العمق، منهم الناقد بمشرطه اللمّاع وأدواته الغامضة، والصحافي بأسئلته النمطية، والزوجة برائحة الثوم وبهارات أفريقيا الخانقة، وضيف من البادية بكيسٍ من الدوم يطلّ منه صياح ديك أحمر الرأس. وأخيرا إفلاس في الجيوب ودحرجة الإفلاس من مقهى إلى آخر. الشاعر قلبه طيب، لكن هناك من يحفر له قبرا كل يوم ويشمت في مواقفه النبيلة بحفنةٍ من المال. حطّابون لا حصر لهم يحطمون رؤوس الأشجار بالفؤوس والمناشير الكهربائية ويرسلونها إلى المواقد البعيدة بلا رحمة قبل أن يعودوا في المساء ليداعبوا رؤوس الأولاد وينهروا الخادمات. إنّهم ينتفون رأس الوردة ويسحقونها بين الأصابع أو تحت الأقدام لتبتسم نفوسهم الشريرة وتدمع عيون الوردة. للأسف عمر الشاعر قصير. كأن يموت بسبب التدخين أو بسبب مرضٍ مجهول. في أسوأ الحالات أو أحسنها، يتكفل قتله بوّاقون ومزمّرون وجلّادون. لكن من يستطيع أن يجفّف دموع الشعراء الساخنة. ومن يستطيع أن يرى الفرس العربية وهي تمزّق الهواء برأسها في أرقى حلبات السباق ولا يتذكر معلقة امرئ القيس الشهيرة. من يجرؤ أن يجوس بحذائه شوارع غرناطة ولا يتذكر هيئة لوركا بشعره المردود الى الخلف وفرنكو وتاريخه الدموي دفعة واحدة. لا أحد تقريبا.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

فكتور هوجو .. الفرنسي الذي وجد الجمال في كل شيء

خاص   (الجسرة)   أديب وشاعر وروائي فرنسي (1802-1885)، ولد في بيسانسون في إقليم دوبس شرقي …