.

“BODY GUARD” للإيراني إبراهيم حاتمي كيا: جيل على قارعة الطريق

سامر محمد اسماعيل

كرة الفيلم التي دارت في “كرة الفيلم التي دارت في “مسرح الدراما” بـ “دار الأوبرا السورية”، كانت تحمل الكثير لعشاق السينما الإيرانية، التي لطالما كان عشاقها في ازدياد لما أنجزه مخرجوها من روائع برغم القيود الرقابية الصارمة المفروضة عليهم في بلادهم. فمنذ اللحظة الأولى لـ (“بوديكارد” – إنتاج صورة الحياة) لمخرجه إبراهيم حاتمي كيا، تدفقت الصور برشاقة لافتة ساردةً قصة حيدر (برويز برستوئي) الحارس الشخصي لنائب رئيس الجمهورية “دكتور صولتي”، الشخصية الحكومية المرموقة التي ستتعرض لمحاولة اغتيال على يد انتحاري يفجّر حزاماً ناسفاً أثناء هبوط طائرة النائب في الموقع الأثري لقلعة “هامور”، فلا يكون من مرافقه الشخصي إلا الانقضاض على صيحات المهاجم الشاب: “الله أكبر” بإطلاق الرصاص مباشرةً إلى كتفيه ورأسه مردياً إياه على الفور من دون أن يمنعه من الضغط في اللحظة الأخيرة على صاعق التفجير.

مشهد صادم
يبدو ذلك مشهداً مشوقاً وصادماً وغنيّاً بذروة افتتاحية تتبعها مشاهد متلاحقة تعرفنا أكثر فأكثر على شخصية حيدر، المحارب القديم في الجيش الإيراني، والذي سيجد نفسه أمام تهمة الإهمال في حماية الموكب الرئاسي التي سيوجهها له المحقق الأمني، بعد أن يقضي “النائب” متأثراً بجراحه بعد أيام من الحادثة. تسير القصة هنا على مستوى آخر ليس أقل أهمية من الحدث الافتتاحي، وذلك حين يوكل إلى “الحارس الشخصي” (البوديكارد) حماية عالم نووي شاب يشتغل في الوكالة الذرية؛ لنعرف لاحقا أنه أحد أبناء رفاق الحارس الذي استشهد على جبهة القتال في الحرب الإيرانية ـ العراقية.
تمضي أحداث الفيلم بعدها في اتجاه أكثر تشويقاً ودراماتيكية، وذلك حين يتذمر العالِم الشاب من حرص حيدر على ملازمته طيلة أوقاته، حتى في خلواته مع خطيبته الشابة، ما يعقّد الأحداث تباعاً ويجعلها فرصة للإطلالة على تناقضات عميقة بين جيلين: الأول شهد الحرب وخاضها على الجبهات مقدماً الأعمار والأرواح، بينما الثاني عبارة عن تكنوقراط متفوق وغير مكترث لتضحيات الآباء وما بذلوه في سبيل وصول البلاد إلى ما وصلت إليه في مختبرها الذري الذي جابهت به العالم.
ينتهي “بوديكارد” بتضحية حيدر بنفسه مقابل إنقاذ الشاب العبقري من محاولة اغتيال أكيدة، فعلى الرغم من أن “الحارس الشخصي” يتم تسريحه من الخدمة، إلا أن إيمانه بواجبه يدفعه مجدداً إلى الذود عن ابن صديقه الشهيد، الأكاديمي الذري الذي كان العديد من رفاقه ضحيةً لاغتيالات متكررة من قبل شبكة الموساد الإسرائيلية، أو ما ترمز له حوارات الشخصية بـ “أصحاب العيون الزرق” نسبةً للغرب. لكن القصة لا تنتهي هكذا، بل يذهب حاتمي الذي كتب سيناريو الفيلم بنفسه إلى نهاية شعرية لفيلم اقترب من أفلام الإثارة ولا يخلو من لقطات استعراضية هنا أو هناك؛ بدون أن يفقد مع تدافع الأحداث، تأكيد مقولته، فالحارس الشخصي الذي واجه زميله المحقق قال له بالحرف الواحد حين ألقى عليه هذا الأخير قرار عزله من العمل: “إذا بقيت الأمور على ما هي عليه فلن نغرق وحدنا، بل السفينة كلها ستكون مهددة بالغرق”، في انتقاد مباشر وواضح للمؤسسة الأمنية الإيرانية.

إشارات
إشارات عديدة يسوقها الفيلم عن الانفتاح الذي شهده الشعب الإيراني في عهد روحاني، وما آلت إليه الأمور بالنسبة إلى جيل خاض حرباً طويلة ليجد نفسه على قارعة الطريق عند أول غلطة، ورفاق الأمس الذين لم يعودوا كما كانوا، فمنهم من تسلم مناصب عليا في الدولة والجهاز الأمني، ومنهم من قضى نحبه فداءً عن أرضه فصار مزاراً فولكلورياً في بلد أبطالها الآن علماء في الفيزياء النووية.
الشريط الذي حاز جائزة المؤثرات الصوتية في “مهرجان الفجر السينمائي” كانت عروضه قد انطلقت منذ آذار الماضي في صالات طهران، محققاً إيرادات مالية عالية في الأشهر الفائتة؛ فالمخرج حاتمي يعتبر إلى جانب مجيد مجيدي من ألمع الأسماء في السينما الإيرانية ذات الطابع المحلي، وكان قد بدأ حياته مراسلاً حربياً ليقدم فيلمه الأول “الراصد” (1988) متبعاً إياه بفيلم “المهاجر” (1990) وهما الفيلمان اللذان سيجعلانه يتبوأ مكانة مهمة عند جمهور السينما في بلاده، إذ يعمل حاتمي على حياكة سجادته السينمائية عبر تفاصيل في غاية الدقة، ناسجاً أحداثه وشخصياته من صميم الواقع، وبجرأة فنية وسياسية لافتة؛ حافظت على صناعة السينما مثلما تركت الباب موارباً لحوار أكثر هدوءاً مع النظام الإسلامي الحاكم هناك.
الفرصة الضائعة للعرض السينمائي الافتتاحي لـ “بوديكارد” هو اعتماده على دبلجة أصوات ممثليه بأصوات سورية، مستغنياً عن أصوات ممثليه الأصليين باللهجة الشامية البيضاء. خيار لم يكن موفقاً في جانب كبير منه، حيث غيّب الجملة الصوتية الأساسية، معوضاً عنها بتركيب جملة مستعارة بعيدة عن روح الشريط والمجتمع الذي وقعت فيه الأحداث. طبعاً هذا لم يغطِ على بلاغة الصورة عند صاحب “من الكرخ إلى الراين” ما جعل من اللقطة الختامية لبطلي الفيلم داخل نفق السيارات إسقاطات عالية الدلالة، مضافة إليها عباءة زوجة البطل راضية (مريلا زارعي) التي غطت نفسها وزوجها بملاءتها السوداء، بعدما أسلم هذا الأخير عينيه المريضتين لنعاسه الأخير في عناق حتى الموت!” بـ “دار الأوبرا السورية”، كانت تحمل الكثير لعشاق السينما الإيرانية، التي لطالما كان عشاقها في ازدياد لما أنجزه مخرجوها من روائع برغم القيود الرقابية الصارمة المفروضة عليهم في بلادهم. فمنذ اللحظة الأولى لـ (“بوديكارد” – إنتاج صورة الحياة) لمخرجه إبراهيم حاتمي كيا، تدفقت الصور برشاقة لافتة ساردةً قصة حيدر (برويز برستوئي) الحارس الشخصي لنائب رئيس الجمهورية “دكتور صولتي”، الشخصية الحكومية المرموقة التي ستتعرض لمحاولة اغتيال على يد انتحاري يفجّر حزاماً ناسفاً أثناء هبوط طائرة النائب في الموقع الأثري لقلعة “هامور”، فلا يكون من مرافقه الشخصي إلا الانقضاض على صيحات المهاجم الشاب: “الله أكبر” بإطلاق الرصاص مباشرةً إلى كتفيه ورأسه مردياً إياه على الفور من دون أن يمنعه من الضغط في اللحظة الأخيرة على صاعق التفجير.

مشهد صادم
يبدو ذلك مشهداً مشوقاً وصادماً وغنيّاً بذروة افتتاحية تتبعها مشاهد متلاحقة تعرفنا أكثر فأكثر على شخصية حيدر، المحارب القديم في الجيش الإيراني، والذي سيجد نفسه أمام تهمة الإهمال في حماية الموكب الرئاسي التي سيوجهها له المحقق الأمني، بعد أن يقضي “النائب” متأثراً بجراحه بعد أيام من الحادثة. تسير القصة هنا على مستوى آخر ليس أقل أهمية من الحدث الافتتاحي، وذلك حين يوكل إلى “الحارس الشخصي” (البوديكارد) حماية عالم نووي شاب يشتغل في الوكالة الذرية؛ لنعرف لاحقا أنه أحد أبناء رفاق الحارس الذي استشهد على جبهة القتال في الحرب الإيرانية ـ العراقية.
تمضي أحداث الفيلم بعدها في اتجاه أكثر تشويقاً ودراماتيكية، وذلك حين يتذمر العالِم الشاب من حرص حيدر على ملازمته طيلة أوقاته، حتى في خلواته مع خطيبته الشابة، ما يعقّد الأحداث تباعاً ويجعلها فرصة للإطلالة على تناقضات عميقة بين جيلين: الأول شهد الحرب وخاضها على الجبهات مقدماً الأعمار والأرواح، بينما الثاني عبارة عن تكنوقراط متفوق وغير مكترث لتضحيات الآباء وما بذلوه في سبيل وصول البلاد إلى ما وصلت إليه في مختبرها الذري الذي جابهت به العالم.
ينتهي “بوديكارد” بتضحية حيدر بنفسه مقابل إنقاذ الشاب العبقري من محاولة اغتيال أكيدة، فعلى الرغم من أن “الحارس الشخصي” يتم تسريحه من الخدمة، إلا أن إيمانه بواجبه يدفعه مجدداً إلى الذود عن ابن صديقه الشهيد، الأكاديمي الذري الذي كان العديد من رفاقه ضحيةً لاغتيالات متكررة من قبل شبكة الموساد الإسرائيلية، أو ما ترمز له حوارات الشخصية بـ “أصحاب العيون الزرق” نسبةً للغرب. لكن القصة لا تنتهي هكذا، بل يذهب حاتمي الذي كتب سيناريو الفيلم بنفسه إلى نهاية شعرية لفيلم اقترب من أفلام الإثارة ولا يخلو من لقطات استعراضية هنا أو هناك؛ بدون أن يفقد مع تدافع الأحداث، تأكيد مقولته، فالحارس الشخصي الذي واجه زميله المحقق قال له بالحرف الواحد حين ألقى عليه هذا الأخير قرار عزله من العمل: “إذا بقيت الأمور على ما هي عليه فلن نغرق وحدنا، بل السفينة كلها ستكون مهددة بالغرق”، في انتقاد مباشر وواضح للمؤسسة الأمنية الإيرانية.

إشارات
إشارات عديدة يسوقها الفيلم عن الانفتاح الذي شهده الشعب الإيراني في عهد روحاني، وما آلت إليه الأمور بالنسبة إلى جيل خاض حرباً طويلة ليجد نفسه على قارعة الطريق عند أول غلطة، ورفاق الأمس الذين لم يعودوا كما كانوا، فمنهم من تسلم مناصب عليا في الدولة والجهاز الأمني، ومنهم من قضى نحبه فداءً عن أرضه فصار مزاراً فولكلورياً في بلد أبطالها الآن علماء في الفيزياء النووية.
الشريط الذي حاز جائزة المؤثرات الصوتية في “مهرجان الفجر السينمائي” كانت عروضه قد انطلقت منذ آذار الماضي في صالات طهران، محققاً إيرادات مالية عالية في الأشهر الفائتة؛ فالمخرج حاتمي يعتبر إلى جانب مجيد مجيدي من ألمع الأسماء في السينما الإيرانية ذات الطابع المحلي، وكان قد بدأ حياته مراسلاً حربياً ليقدم فيلمه الأول “الراصد” (1988) متبعاً إياه بفيلم “المهاجر” (1990) وهما الفيلمان اللذان سيجعلانه يتبوأ مكانة مهمة عند جمهور السينما في بلاده، إذ يعمل حاتمي على حياكة سجادته السينمائية عبر تفاصيل في غاية الدقة، ناسجاً أحداثه وشخصياته من صميم الواقع، وبجرأة فنية وسياسية لافتة؛ حافظت على صناعة السينما مثلما تركت الباب موارباً لحوار أكثر هدوءاً مع النظام الإسلامي الحاكم هناك.
الفرصة الضائعة للعرض السينمائي الافتتاحي لـ “بوديكارد” هو اعتماده على دبلجة أصوات ممثليه بأصوات سورية، مستغنياً عن أصوات ممثليه الأصليين باللهجة الشامية البيضاء. خيار لم يكن موفقاً في جانب كبير منه، حيث غيّب الجملة الصوتية الأساسية، معوضاً عنها بتركيب جملة مستعارة بعيدة عن روح الشريط والمجتمع الذي وقعت فيه الأحداث. طبعاً هذا لم يغطِ على بلاغة الصورة عند صاحب “من الكرخ إلى الراين” ما جعل من اللقطة الختامية لبطلي الفيلم داخل نفق السيارات إسقاطات عالية الدلالة، مضافة إليها عباءة زوجة البطل راضية (مريلا زارعي) التي غطت نفسها وزوجها بملاءتها السوداء، بعدما أسلم هذا الأخير عينيه المريضتين لنعاسه الأخير في عناق حتى الموت!

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة