سينما و تلفزيون

“عنزة” لأندرو نيل.. طغاة “سدوم” الأميركية

زياد الخزاعي

لا شفقة لمَن يفقد رجولته وبأس بدنه وقدرة صبره. لا رحمة لمَن يضع نفسه خارج منظومة “إخوانه”. لا حنوّ لمَنْ تشلّه الذلّة أو تنال المخْزاة من نجابته. هذه ليست قوانين لجيش جبار أو فرقة ماسونية أو تجمّع فاشي. إنها أعمدة دستور اعتباطي وضعتها زمر من طلاب جامعات أميركية مرموقة “تصطاد” طلبة الأعوام الأولى، يسمون واحدهم “عنزة”! لغرض تنظيمهم داخل خلايا، بعد خوضهم امتحانات جحيمية لا توصف بتعذيبها ومهاناتها النفسية، قبل أن يعلنوا فائزيها إخواناً يشملون بكنف الأمان وتوزيع مغانم نصر تبدأ بالمخدرات وتنتهي بالفروج.
سيكون على هؤلاء الوافدين لاحقا، والمنظمين لما يدعى بفرق “في سيغما مو”، الدور للنيل ممن يأتي بعدهم. هذه ليست معلومة جديدة بشأن نواد اجتماعية شبه سريّة تتعاظم قواها داخل مؤسسات طالبية في دولة “الآباء المؤسسين” المتفاخرين بدستور الماسوني جيمس أندرسون (1679 ـ 1739). بل مقدمات أيديولوجية تعتمد قهراً وشراسة مخفيتين لا يطالهما القانون وشرائعه، تمثل مستويات أولى لعقل قمعي يشرّع الولاءات ويبرر الظلم ويحرّض على المآثم، باسم الهيمنة وسحق العدو وإفناء رموزه. لا صفة غير الحظ الذي عرّف المخرج الشاب أندرو نيل على “اعترافات” كتبها مواطنه براد لاند، وأصدرها عام 2004 تحت عنوان “عنزة”، ضمّنها وقائع مرعبة خاضها وهو في سن الـ19، حينما قرر الانضمام الى عصبة إخوانية إثر تعرضه لحادث اعتداء، مدفوعاً بتوجيه من شقيقه الأكبر. ما تلى ذلك، هو هوان ماحق ولّد في كيانه ندباً عميقة، غرابتها أنها لم تحرّضه على التماس القصاص!

فكر أميركي
اعتبر المخرج نيل (مواليد ستو ـ فيرمونت 1978) حكاية بطله براد ورفاقه لمزاً أميركياً حداثياً بحتاً لمفهوم الجندر الذكوري، ذلك أن الطلّة شبه الأنثوية لممثله بن شنتزر تتناقض بحدة مع عالم شرس ولا مأمون، يعرّضه الى هجوم شخصين غريبين استغلا وداعته وسذاجته، فسرقا سيارته وبطاقته المصرفية. هذا ليس حادثاً عابراً في قدر براد. صحيح أنه يحدث أينما كان، بيد أن فرادته تكمن في انعكاساته على الآخرين من زملائه وشيمهم وتساؤلاتهم حول ما الذي يمدّ الشخص الغدار ليصبح قاهراً، أهي غلاظته أم عضلاته أم جساراته أم قناعاته في أن المستهدف كائن منخوب يسهل اقتناصه؟ الحل إذاً هو في صناعة غدارين بالمقابل. زمرة أشاوس لا مكان للتردد أو الذعر في قلوبهم. ما طريقة زرع العزم فيهم؟ الجواب: تعذيبهم بأكبر قدر من القسوة، وإهانتهم بأكبر قدر من الفحش. نقابل البطل براد في المشهد الافتتاحي مأخوذاً وهو يدلف دارة شاب غني مزدحمة بسكارى وعراة وممارسي جنس مثليّ ومتعاطي كوكايين ومدخني ماريجوانا وغيرها، قبل أن يصف براد الحفلة لشقيقه برت (نيك جونس) عند مغادرته أنها “شاذة”، فـ “سدوم” الأميركية متعددة الخطايا، أما أشنعها فتأتي لاحقا مع تعرضه الى تهديد حياته وسط عراء بري استقبل دمه، وظلمة كونية لم تفلح في سَتر ملمّته الشخصية التي كادت أن تدمر نصاعته وطهره وطمأنينته، وكشفت عار توحّده ويسر تعنيفه وترهيبه.

حفلات تعذيب
بكاميرا محمولة ومتفرسة بكل شيء تحت إدارة إيثان بالمر، ومونتاج سريع وانتقائي يلغي الاهتمام بالدراسة وشؤونها بإشراف براد تيرنر، نشهد طوال الدقائق الـ101، فصولاً مطولة من “حفلات” تعذيب منظمة تختلف أزمانها وأماكنها، تجعل من ثمانية يافعين ضحايا هوس يومي لـ “زعامة” تستعجل رجولتهم، ضمنها استعادة مجتزأة من نصّ المعلم الإيطالي بيير باولو بازوليني “سالو، 120 يوماً في سدوم” (1975)، وتحوّل جلساتها الاستفزازية المسماة بـ “أسبوع الجحيم” الى رمز جماعيّ للضراوة، يصفها أحدهم بخبث: “انها غوانتانامو”! ان عسكرة التنكيل عبر صرخات الأوامر والإهانات، والإجبار على ممارسة جنس وهميّ، وأكل مواد غذائية عفنة، والتعارك والتضارب المتبادل، والخضوع الى الإيهام بالغرق، والسجن داخل أقفاص حيوانات، والإرغام على شرب الخمر الى حد التقيؤ، وارتضاء الضحايا تبوّل المختارين عليهم وغيرها، فيما تعبّر مقابلاتها من صرخات الطاعة التي تخرج غصباً من حناجر فرائسهم عن خنوع مطلق باسم الولاء والاتباع، ليصبح هذا الجنون تماثلاً لممارسات حقيقية داخل فرق نظامية، صورها الأميركي ستانلي كوبريك بتأن نادر في “سترة معدنية كاملة” (1987)، هاجسها خلق “طَغَام” يافع لن ترد في قاموسهم كلمتا “شاذ جنسي” و “جبان” اللتان نسمعهما بوفرة في شريط نيل كصيغتي مهانة وتعهير.
بالمقابل، كان جليا أن الكاتب لاند، عبر فيوض وصف مذكراته لجلسات العسف، سعى الى التلميح بورطة رسمية عبر غض نظر الجهات الأمنية عن مراقبة تلك “السطوات المدنية”، وحظر أهوالها المتعاظمة، وعرقلة شهرتها المتوسعة بلا ضوابط عبر وسائط التواصل الاجتماعي والتي اعتبرها المخرج نيل أنها “تعكس حقيقة أننا لا نملك في الولايات المتحدة اليوم كيانات اجتماعية محلية حقيقية” كي يلوذ بها الشباب، ما يفسر اندماج الشقيقين ضمن “مجتمع مصطنع” وعصاباته لتأمين أكبر قدر من العزّة الذاتية والسلامة، تجلّت بصورة صاعقة واستعراضية عبر شخصية ميتش (منتج الفيلم والممثل جيمس فرانكو) الممسوسة بعنفها وهياجها وصراخها في وجوه الشبيبة المسحورة بكاريزما طلّته: “أنتم أعظم زمرة سادة (جنتلمان) عرفها العالم!”. إن حياة البطل الوسيم، رغم تعرضه الى “البلاءات المتكرّرة”، تبقى محجورة ضمن مفارقات سوء قدره. فحينما أُشبع ضرباً على يد المعتدين لم يجد سوى سؤال صدمته لشقيقيه: “هل تعتقد انني جبان؟ لا أعرف، لم أرد على اعتدائهما؟”. وعندما يُتوفى زميل غرفته اليافع ويل (داني فلاهرتي) فجأة خلال تريّضه، يصبح براد هدفاً لشتائم المتشككين بولائه و “وشايته” (التي يعترف شقيقه برت لاحقا بأنه نمّامها الحقيقي!) الى عمادة الجامعة والشرطة، وتعاونه مع تحقيقاتهما بشأن تعرض جسد الطالب الراحل الى عنف جسدي. ما يوصله الى قناعة مريرة بأن “الميثاقية” المزعومة لا ترحم ذكورة مستقلة، تتنازل عن كرامتها وإيمانها كلّيا، إذ لا مكان لعقلانية وتسامح شخصية مثل براد ما زال ضميرها يتساءل ويبحث عن أجوبة شافية لأسباب وقوع البشر في الزّلات، فحتى العنزة تثغو وتقفز حينما تستشعر خطر موتها، فيما يستغفل الإنسان رذالاته بالزعيق وتشوّف القوّة وتوحّشه.

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة