سينما و تلفزيون

‘ديفين’ .. كوميديا سوداء تخترق الضواحي الباريسية

حميد عقبي

في الكثير من الأفلام الفرنسية التي تتعرض للواقع الاجتماعي المرعب لسكان ضواحي المدن الفرنسية يتم قرع جرس الإنذار لواقع شباب وشابات هذه الضواحي التي تعيش على هامش الحياة والحلم ولا مستقبل لها.

هنا في فيلم ديفين للمخرجة هدى بنيامينا توجد عدة خيوط مهمة لعل من أهمها قصة الصداقة والحب الحقيقي الرابط بين الصديقتين (دنيا وميمونة)، دنيا الحالمة بالثراء والناقدة للتأهيل التربوي والمهني في ضاحيتها حيث تتعامل بسخرية مع مدرستها وتطرح عليها عدة أسئلة لتجيب مكانها، فالراتب 1200 يورو مثلا لا يكفل إلا فتات العيش وتبدو كزعيمة لتعلن رفضها أن تكون مجرد بائعة براتب بائس وتغني “ماني، ماني، ماني”، ميمونة تبدو محبة ومطيعة لدنيا وترافقها في خطواتها ومشروعها للعمل مع تاجرة المخدرات ربيكا، ونرى تحولات نفسية وجسدية وعاطفية سريعة لدى دنيا التي تتحول من شابة صغيرة مراهقة إلى فتاة جذابة ومثيرة ولديها الرغبة لخوض تجربة عاطفية، بينما تظل ميمونة مسكونة بطيبتها وطفولتها وروحها الصافي ووفائها لصديقتها أيضا.

نحن هنا مع مشاكل اجتماعية معروفة في وسط الضواحي المهمشة مثل العنف والمخدرات والبطالة والفقر والتفكك العائلي وجميع الأفلام تتخذها منطلقا لها وتطرح المخرجة أنها لا تحاكم شخصياتها وفيلمها فيلم شعبي وإنساني وترفض تسميته فيلم ضواحي، ولكن الضاحية أيضا كرصيف يمكن أن يوحي للفنان بالكثير من التفاصيل الروحية والإنسانية وهي حاولت البحث عن الحقيقة الإنسانية، فالصداقة والحب والحلم، وذكرت أن فيلمها ليس ترجمة لغضبها من الواقع البائس وليس مجرد تعاطف هو محاولة للمس الواقع برعبة وقسوته وكانت المساحة الكبرى لشخصيات نسائية مختلفة حتى الرجل الذي يرقص في الكباريه متشبه بالنساء.

وكشفت المخرجة أن فيلمها فيلم شعبي محاولة أن تكون مع هذه الشخصيات، تعيش ما يعيشونه، والفكرة تعلقت بذهنها منذ أحداث شغب 2005، ولكن دائما يوجد غضب من شباب الضواحي ويظل مجرد صيحات تعترض وتطالب بالتغيير ولم تتحول إلى ثورة، يجب أن لا نحكم على هؤلاء بسبب المكان الذي يسكنونه بل ننظر إلى الناس ونحاول فهمهم ومعرفة بؤسهم وأحلامهم.

كان الأداء مدهشا وصادقا للممثلتين علية عمامرا وديبورا لوكيموانا، وتتحدث علية عمامرا عن شخصية (دنيا) لتشرح أن الدور كان صعبا كونها ليست من هذه البيئة، وكان عليها أن تعطي الشخصية روحها لذا ذهبت إلى الضواحي وزارت إحدى المدارس هناك، ووجدت أنها لا تفهم لهجتهم وطريقة الحديث والمشي، ولكنها صممت على التقرب من شخصيتها التي أحبتها كونها ذكية وطموحة وكذلك مخلصة لصديقتها ومحبة لعائلتها وهذه القيم والمعاني بعض الناس لا تراها في سكان الضواحي، كون الكثير من الأفلام تصورهم شكليا وبشكل مجحف ويضعونهم في قفص الإتهام ولا يحاكمون الظروف التي تؤدي بهم لهذه النتائج، وهي ظروف لا تتغير ويبدو أنها قدرية، لذلك كانت النهاية صرخة موجعة.

شاهدنا تضامن سكان الحي مع الحالة حيث ميمونة عالقة في المخزن المحترق وترفض سيارة الإسعاف التقدم بسبب تأخر سيارة الشرطة، يتوسل الجميع لرجل الإطفاء لكنه يرفض، ينفجر المخزن، تصرخ دنيا، حالة من الصدمة تهزنا جميعا، تأتي الشرطة فتكون معركة شرسة مع شبان الحي وتظل دنيا مصدومة لهلاك صديقتها والنهاية معبرة وموحية ويبدو تأثر المخرجة بنهاية فيلم “ميديا” للمخرج العالمي بير باولو بازوليني مع وجود فروق ولكن التضحية موجودة، فميمونة سلمت بقدرها وحضت صديقتها على الهروب وفشلت هي ففضلت الهلاك مع تعبيرها بحبها المثالي والنظيف لصديقتها، فلم يكن هذا الحب مبنيا على عوامل مادية مستهلكة ولا علاقة جنسية، بل كان ساميا عن أي ماديات.

تظل ضواحي المدن الفرنسية الكبرى مصدرا للملهاة والكثير من الأفلام الفرنسية تستغل الضواحي وأهلها في بعض المشاهد للإضحاك أو عكس صورة سلبية أو السخرية ونادرا من يتوقف معهم كنماذج إنسانية، فهم مجرد مادة للضحك أو السخرية وهناك صورة مطبوعة ومكرسة تنظر للضواحي كوكر للإجرام والتطرف والإرهاب، وهذا خلق عزلة مخيفة وجعل هذا المناطق سجنا كبيرا وموحشا ومعزولا عن عوامل التحضر، لذلك فهذا الفيلم وغيره ينعش حالة اليقظة ويقرع جرس التحذير لعل هذه الحكومة تنفذ وعودها تجاه هذا الواقع الذي لم يتغير منذ نصف قرن.

كلما جاء رئيس يعد بحل مشاكل الضواحي ويعين سكرتير أو سكرتيرة دولة من أصل عربي أو أفريقي ثم لا يحدث أي شيء ويظل الكلام الإعلامي والتمنيات نشطة إلى أن تنتهي الفترة الرئاسية وهكذا يظل الحال خصوصا أن سكان هذه الضواحي لا يحبون السياسة ولا يشاركون في الانتخابات، فهم خارج الحسابات والمعادلات السياسية والاجتماعية والثقافية وكذلك والإنسانية ففرنسا تدعم دولا فقيرة بمساعدات سخية كدولة معروفة عالميا لكن هؤلاء لا حظ لهم وتصاب بالصدمة عندما تدخل مثل هذه الضواحي لتجد الفقر المدقع والخدمات المنهارة والبؤس المبتسم.

دنيا بطلة الفيلم تتحول لنموذج تراجيدي محزن فهي تخسر صديقتها وتخسر حبيبها والمال وعائلتها وتُطلق صرخة وجع من القلب، أم دنيا هذه المرأة السكيرة البائسة ينكحها الجميع، حقيقة مرة ولكنها واقعية يأتي الحديث التقريعي على لسان ربيكا لتخاطب دنيا قائلة: “جميع شبان ورجال الحي نكحوا أمك”، هذا النموذج حقيقي وغير مبالغ فيه، وشخصية ربيكا بائعة المخدرات أيضا نموذج واقعي ولا مبالغة فيه ويظل حبيب دنيا النموذج النادر، فالقليل ينجح ويغادر وكان الفن وسيلة هذا الشاب للخروج من فخ هذا الواقع.

لا أود المبالغة في مدح الفيلم ولم يجد شهرة شعبية كبيرة رغم فوزه بالكاميرا الذهبية بمهرجان كان 2016 وشاهدت الكثير من أحاديث المخرجة وفرحها بالجائزة ومبالغتها في وصف قدراتها ورغم تغاضي النقاد وقلة الكتابات عن الفيلم إلا إنه حاول رمي حجرة لتحريك جمود بحيرة التمني بالتغيير ورفع صوت فئة مهمشة تحلم بالحياة والحب، وعكس معاني وقيما إنسانية، وبذل طاقمه الفني والتمثيلي جهدا رائعا وهو ليس فيلما عبقريا خارقا لكنه عمل فني يستحق المشاهدة.

(ميدل ايست اونلاين)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة