الرئيسية / . / فرانسوا ساغان.. المرأة التي كتبتْ رغبتها

فرانسوا ساغان.. المرأة التي كتبتْ رغبتها

علي حسن الفواز

تظل الحريةُ لعبةً صعبة، والبحثُ عنها يُفضي الى ما يشبه المغامرة، وحين يجدُ الإنسان نفسه أمام سؤالِ الحرية فإنه يكون أكثر تورطا في مواجهة لذتها وأحزانها، حدّ أنّ هذا التورطَ يتحولُ إلى قلقٍ وجودي فيه الكثير من اللاجدوى والملل والعبث أحيانا.
فرانسوا ساغان الكاتبة الفرنسية التي عاشت قلق حريتها، وفضائح أسئلتها وفوضاها ومللها، إذ وجدت في هذا القلق محاولتها الساحرة لتبرير وعيها المُربك والمشوش، ولعل روايتها المبكرة «صباح الخير.. أيها الحزن» التي كتبتها عام 1954 كشف عن هذا الوعــــي المُغامر بالحرية وعن تعالقه بالحزن، بوصف الحزن نوعا من الاغتراب، وأنّ الفتاة (سيسل) التي تشبها تماما، مارست عبثها وخبثها وتمردها وكأنها تمارس طقوسها الفاضحة في هذا الوعي، لتجد نفسها أمام لعبة الضد وعبثية المعنى والوقوف أمام حزنها الأليف والمشاغب معا، وهي مسكونة بهواجس الفقد والغياب والبحث عن وجهٍ آخر للوجود.
الفقد قد يكون شعورها الخفي والباعث على هذا التمرد، وعلى توصيف (وعيها الوجودي الصاخب) إذ وجدت نفسها أمام تحولات عاصفة، وأمام عالم فقد الكثير من اطمئنانه الرومانسي، فبدتْ الحرية وكأنها لعبة ماكرة للتجاوز أيضا، ولتأكيد هاجس فلسفي بدأ ينمو مضطربا في داخلها.. فتلك الرواية تحولت إلى صدمة وإلى موضة وإلى موقف تتمثله الأنا المضطربة والباحثة عن توصيف وجودي لمعناها، وحتى القرّاء العرب وجدوا في رواية «صباح الخير أيها الحزن» أنموذجا فائقا للتمرد وللوعي الاغترابي للحرية، حدّ أنّ روائيا عربيا مهما مثل إحسان عبد القدوس كتب روايته الشهيرة «لا أنام» تماهيا مع رواية ساغان، ومع أنموذجها الأنثوي المتمرد والباحث عن ذاته المغامرة والخارجة عن سياقات المجتمع.
فرانسوا ساغان التي رحلت في 24/ 9/ 2004 تعيدنا إلى موضوع جنسانية الرواية، وإلى إشكالية المرأة وحريتها وأسئلة وعيها وسط صعود أصوليات تضع هــــذه الحرية والوعي بها في سياق (أنطقة المُحرّم) كما يسميها الكاتــــب سعد محمد رحيم، فهي تعــــي تماما علاقة وعيها بالواقع وبذاتها وقدرتها على أنْ تواجه الأسئلة الفارقة، تلك التي تمسُّ الجسد والذات والحرية والرغبة، وهذا ما أعطــــى لروايتها الأولى خصوصية استثنائية، لأنها رواية جـــــيل كامل من الباحثين عن وعيهم ووجــــودهم كما ســــمّاها البعض، وربما هي رواية استشراف لتحولات عاشها المثقفون الفرنسيون بشكل خاص بعد الحرب العالمية الثانية، والاصطخاب الذي عاشوه وسط صعود الموجة الوجودية والعبثية، وبروز صورة الإنسان المتمرد الذي اشتغل عليه كامو في كتابه الذي يحمل الاسم ذاته، أو في شيوع فكرة اللاجدوى عبر صورة البطل في «الغريب» وكذلك في روايات ومسرحيات وطروحات جان بول سارتر وهي تضع الكائن أمام «غثيانه» وأمام «وجوده وعدمه» وأمام جحيم الآخرين.
كلّ هذه المعطيات السوسيوثقافية وضعت ساغان أمام لعبة الضد، لتكشف عن وجود آخر يشبه وجود بريجيت باردو في السينما، فكلاهما أنموذجان للرغبة وللحــــرية والتمرد، وللتعبـــــير عن وعي متجاوز لفعل تلك الرغــــبة والحرية حينما يجدان في الجسد مجالهما التعبــــيري، لكن ساغان خرجت من هذه اللعــــبة الاســـتهلاكية إلى نوع من الوعي الشقي، والاغتراب الداخلي، إذ يتبدى الحزن وكأنه لصيق هذا الوعي، مثلما هو هاجسها الخفي، وشغفها بأنّ الحياة ليست لعبة آمنة دائما، وأن الحرية أحيانا تشبه الحرب، حيث الخسارات والفقد، وحيث الحزن الذي رافقها بشغف تعويضي منذ البدء لتقول له «صباح الخير» فهي تقول «أتردد في إطلاق الاسم الجميل والخطير لـ(الحزن).. الضمير هو إحساس كامل، وأناني إلى حدٍّ يعتريني الخجل منه، بينما يبدو الحزن بالنسبة لي جديرا بالتكريم. لم أكن أعرف الحزن. ولكن فقط الضمير والندم وفي أحيان نادرة الحب. واليوم، هناك شيء ما ينثني فوقي مثل غطاء من الحرير الناعم والمثير للغضب، ويفصلني عن الآخرين».
في هذه الرواية رعب خفي، ربما هو رعب البورجوازية التي خرجت من الحرب بخسارات ثورية فادحة، أو ربما هي ذاتها بالمقابل مشاعر قادتها آلة الملل، أو إلى الرضوخ إلى نوع من المشاعر القهرية، تلك التي استغرقها بأحاسيس مضطربة، مُشبعة بالفقد، أو الرغبة بالاستحواذ والتلذذ والتعالي.
صورة الفتاة النزقة «سيسيل» ظلت تلاحقها، وتضعها أمام الزمن، وأمام الآخرين الذين يغفلون عن سهوٍ أنها تكبر وتشيخ، إذ ظلت مسكونة بمحاولة التمرد على تلك الفتاة التي تطاردها، فرغم أنها كتبت كثيرا، وبإفراطٍ يوازي حياتها الصاخبة، إلّا أنها ظلت أمام لعبة قاسية، تضطرها أحيانا للاستعادة، فرواياتها وكتاباتها «ابتسامة ما، في يوم.. في سنة، هل تحب براهامز، حارس القلب، قليل من الشمس في الماء البارد، ضربات زرقاء في القلب، صورة جانبية مجهولة، الكلب النائم، المرأة المعبأة، مع أجمل ذكرياتي، حرب مضجرة، دم من الأكواريل، الهاربون المزيفون، مع كل محبتي، الهم العابر، المرآة المشروخة، وغيرها» تكشف عن تلك الرغبة الدفينة في البحث عن الوجه الذي لا يشبه وجه «سيسيل».

النسيان الذي يشبه المحو

لم يعد الكثير يتذكرون ساغان، وينظرون إلى كتابتها بنظرة فاقدة للمعنى، ليس لأنّ هذه الكتابات فقدت بريقها فقط، بل لأنّ الصورة التي تركتها ساغان لم تعد مثيرة لأجيالٍ جديدة هربت من الالتزام، ومن الماركسية والبورجوازية والثورة، وفقدت الثقة بفكرة الإنقاذ الرأسمالية، فذهبت تلك الأجيال تبحث عن فلسفات ليوتار وبورديو وفوكو لتعرف أين هي الحرية والإرادة والذات والهوية، بالمقابل فإن ساغان ذهبت لتقاوم نسيانها بالمخدرات والأوهام والسهر والخمر والموسيقى والكتابة التي تشبه الهروب للخلف.
هي لم تعرف الحديث عن الأفكار الكبرى، ولا عن القضايا التي تخصّ الفلسفات العنفية والصادمة، وكلُّ فهمها للوجودية التي تعشقها يتمثل في وعيها الصاخب لإرادتها ولحريتها، ولأنْ تكون الكتابة فضاء لممارسة هذا الوعي بعيدا عن القيود، وربما وجدت في الرواية السانحة المثالية للمجاهرة به، والتلذذ بما يمكن أن تتيحه لتقاوم لعبة الخسارات التي باتت تطاردها في حياتها الشخصية، وفي عزلتها التي أفقدتها الرغبة في المطاولة.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

نيرمينة الرفاعي.. في نص بلا اسم

نيرمينة الرفاعي-   خاص (الجسرة)   أنا حورية البحر الحزينة بعت ذيلي مقابل أقدام لم …