.

اليسار المغربي يستعيد مثقفيه

عبد الرحيم الخصار

يبدو أن اليسار المغربي يستعيد مثقفيه. هذا ما يمكن ملاحظته في الفترة الأخيرة، ونحن على مشارف الانتخابات التشريعية، حيث سيتوجه المغاربة بعد غد الجمعة، للتصويت على لوائح الأحزاب المتبارية على مقاعد البرلمان. إذ هناك ما تشبه العودة الجماعية للالتفاف على الأحزاب اليسارية بعد سنوات ما يمكن أن نسمّيه «اليأس السياسي» في المغرب، حيث كان عدد كبير من المثقفين الطلائعيين يقاطعون الانتخابات، ويرفضون المشاركة في ما تسميه الدولة «العرس الديموقراطي». وقد ظل بعضهم على الموقف ذاته، لكن نسبة كبيرة منهم، ومع ما عرفه اليسار من تكتل (ثلاثة أحزاب في فدرالية واحدة)، دعت بشكل مباشر أو غير مباشرة إلى الخروج من العزلة السياسية ومن موقف المقاطعة الذي صار يبدو لهم سلبياً، وذلك بغية رجرجة مياه يرونها راكدة.
قبل أيام وجّه مئة من المثقفين المغاربة المعروفين رسالة تأييد لرئيسة فدرالية اليسار الديموقراطي الدكتورة نبيلة منيب، أشاروا فيها إلى أنهم «يعاينون، بمرارة، كيف أن تجربة السنوات الأخيرة، لم تضع بلادنا على طريق الانتقال الديموقراطي الحقيقي والإقلاع الاقتصادي الفعلي»، واضعين أملهم في اليسار السياسي كقوة ثالثة تقف في وجه ما أسموه المطرقة والسنداد، أي «بين الخط الذي يعتبر أن الإصلاح ممكن بدون رافعة تنويرية وبمجاملة الفاسدين، وبين خط الحداثة المبتورة والسطحية التي تبرر السلطوية بذريعة مواجهة خطر الأصولية. والخطان معاً يقبلان التضحية بالديموقراطية مقابل مغانم ذاتية»، في إشارة إلى حزبين سياسيين هما الأكثر تنافسية على مقاعد البرلمان، عادة ما تعيب قوى اليسار على أحدهما التستر بالمرجعية الدينية وعلى الآخر خروجه من جلباب النظام.
ومن بين الموقعين على الرسالة عبد الله حمودي الأنثروبولجي بجامعة برينستون، عبد الحق سرحان أستاذ الفلسفة بجامعة لويزيانا، الشاعر عبد الكريم الطبال، اللغوي عبد القادر الفاسي الفهري رئيس جمعية اللسانيات بالمغرب، الروائي محمد برادة، الشاعر محمد بنيس، المؤرخ المعطي منجب، الشاعر صلاح بوسريف، المفكر موليم العروسي، المخرج السينمائي لحسن زينون، الممثل محمد الشوبي، الناشط الأمازيغي أحمد عصيد وغيرهم.
ثمة بيان آخر أصدره نادي القلم، حمل عنوان «المثقفون المغاربة دفاعاً عن المجتمع من موقع اليسار ـ ضد كل أشكال الشطط السياسي»، وقّعه عدد من الأساتذة الجامعيين والكتّاب والباحثين والفنانين من بينهم الكاتب شعيب حليفي، الشاعر عبد الدين حمروش، الباحث مبارك حنون، الفنان سعيد المغربي، الشاعر محمود عبد الغني، الناقد عبد الرحمن غانمي. وصف هذا البيان ما تعرفه البلاد خلال الفترة الراهنة بـ «البؤس السياسي» ودعا إلى «الانخراط الواسع في كل المحطات النضالية والاستحقاقات السياسية في مواجهة كل أشكال التعسف والتضليل والشطط الذي تباشره أطراف عديدة، ومن مواقع مختلفة سلطوية وحكومية ومؤسسية لتمرير سياستها، بدعوى الإصلاح، وغير ذلك من الشعارات». كما وجه نداءً مباشراً إلى المثقفين من أجل المشاركة بمختلف الوسائل النضالية لمساندة مرشحي اليسار.
ولأول مرة في المغرب وفي ما يشبه الحملة الجماعية وضع عدد كبير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي من أهل الكتابة والمسرح والتشكيل والسينما والإعلام لوغوات فدرالية اليسار على بروفايلاتهم، في دعوة مباشرة وتأييد صريح لاختيارهم السياسي.
قد لا تأتي انتخابات السابع من أكتوبر بنتائج كبيرة لصالح الأحزاب اليسارية، لكنها ستكون فرصة لإعادة طرح أسئلة كثيرة تهمّ علاقة المثقف المغربي بمحيطه السياسي والاجتماعي، أسئلة قد يكون الجواب عنها على الأقل هو عدم التراجع إلى الخلف في بلد لم تعد كلمة المثقفين فيه مسموعة.

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة