.

التخييل الحقيقي يسود الرواية الفرنسية

أحمد المديني

قبل ثلاثة عقود تقريباً، اتجهت الرواية الفرنسية تحديداً إلى استثمار متجدد ومغاير لتيمة الذات بصفتها مادة خصبة للسرد، تحفل بالمسارات الشخصية الخصوصية، والزوايا الحميمة للأنوات في مكامنها الخفية، ومظانها الأثيرة حيث تنازُع المشاعر والغرائز وانعكاس أو انكفاء الرغبة والواقع في إطار المؤسسة الاجتماعية وسياق الثقافة المهيمنة. نعم، لقد ولدت الرواية الحديثة من قلب تصور كينونة حقيقية للفرد ونزوعه للتفتح وفرض وجوده ضمن نَسق القيم الليبرالية وتشكُلات المدنية الحديثة.
بيد أن تمثيل النزعة الفردية في الرواية عرف بعد ذلك انقلاباً جذرياً ليمثل منعرجات حاسمة في أشكالها ورؤاها وخطاباتها، غذّتها الثورة الفرويدية واكتشاف مناطق اللاوعي وتفكيك الكائن وتشظي الذاكرة، فضلاً عن عامل التحولات السوسيو – اقتصادية والسياسية (بروست تحديداً).
في أتون الحربين العالميتين الكبريين وانعكــــاساتهما تبلورت في الرواية الفرنسية تيمات المقاومة والمصير الإنساني والإحساس بالضياع والبحث عن موقـــع جـــديد للكائن في عالم اهتزت فيه القيم واخـــتفى كل يقين، وهو ما دفع الرواية إلى أفـــق مسدود، ففتحت فيه كوة على الذوات الجريحة، والمنكسرة، والمصائر الضالة، مسائلة ومستعرضة حيواتها وسيرها على أكـــثر من وجه، ومستغورة الخبايا الدفينة ومطلقة سراح التابوات والقول المكبوح.
هكذا ينهي سارتر، مثلاً، صاحب «الغثيان» و«دروب الحرية» و»الكائن والعدم» مساره الفلسفي والأدبي بسيرته الذاتية» الكلمات» (1963)، قبله وبجواره كامو حفلت كتاباته بالملامح والبصمات السير- ذاتية، وبالطبع فأبوهما الشرعي معاً في هذا الجنس بلا منازع، روسو صاحب «الاعترافات». وفيما أعادت مدرسة الرواية الجديدة السرد الفرنسي(غرييه وبوتور) مرحلياً إلى جادة الموضوعية ونهج الشيئية وخصوصاًًً جماليات فلوبير، فإن مارغريت دوراس حفرت له المجرى الذي مضي فيه مديداً وعميقاً منذ نشرت «نائب القنصل» (1966)، نحسب لمّا تغادره بعد، وإمّا تفرّعت عنه جداول وغدران؛ إنه مجرى الكتابة السردية الأوتوبيوغرافية، ما يعد أغزر وأجلى تمثيل للرواية الفرنسية، حديثاً.
فرع من أصل، أولُه وأظهرُه النوع الذي تسمى «l’autofction» (التخييل الذاتي) مصطلحٌ وضعه سيرج دبروفسكي وشخّصه في روايته «Fils» (خيوط، ابن، أبناء) عام1977، فاتحةً النوع بالاتفاق النقدي الأكاديمي. واستغرق من عمر كتابته العقود الثلاثة الأخيرة، ولا يزال أبرز كتّابه دوراس، آني إرنو، كرستين أنغو، ماري داريوسك. انه سيرة ذاتية مواربة، تقول أنا عبر آخر بصيغة روائية، وبلغ حداً من الذيوع غطى خريطة الكتابة السردية الفرنسية ما اعتبره دارسون دليلاً عن فقر في مخيلة الكتاب وشُحٍّ في مصادرهم، ما يسجنهم في أنواتهم، بينما وصفه جيرار جنيت بالسيرة الذاتية المحتشمة. فيما يميل منظور سوسيولوجيا الأدب، ومقاربة بورديو في قواعد الفن وبنية الحقل الأدبي إلى تجذيره ومأسسة هذا النوع.
الآن، في الموسم الأدبي الفرنسي الجديد، لا حدث، قُل الحدثُ كله منصبٌّ، انطلاقاً من فن الرواية. هي سيدة الأجناس الأدبية ومبيعها الأول، على المولود المعمّد جديداً، من غير أن يعلن أحدٌ بالضرورة بُنُوَّتَه، إذ المهم هو التسمية، أو ما يحمل كـ (label) في بلد، حضارتُها، ثقافتُها موسومة ومعيّنة بالتقليعات، ومنها انبثق (نظام العلامات) فاستطاع بارت أن ينتج منه ثقافة ويبنيه مفهومياً، ثم يفرضه ما وراء المحيط، هو ورفقة الكوليج دوفرانس، وزنقة «أولم» ulm. فما الخطب هنا؟ إذا كان مناط التخييل الذاتي هو حكيٌ يسرد حياة كاتبه ويرسم مزاجه ووقائع محددة، مميزة من مساره، عبر ضمير وسيط ومُمَوَّه، وبصيغة تبدو روائية، أي مصنوعة ومقترحة على محمل التخييل، الذي هو الاحتمال، لا الواقع ذاته، وممكن وقوعه، فإن الموسم الروائي الجديد في فرنسا يقترح علينا (عبر قسم كبير منه) نوعاً فرعياً آخر اهتدت إليه جمهرة كتاب حتى أنه استحق اسم الظاهرة، وسماه النقد والإعلام الأدبي المواكب: «L’exofiction» (نقترح موقتاً ترجمة المصطلح بـ «التخييل الحقيقي، اللا ذاتي») مقابل» L’autofiction» (التخييل الذاتي).
لا خيار لنا نحن العرب، غيرنا يبدع، ونحن نتلقى ونتبع. إنها الرواية التي تسرد لك قصة شخص، إنسان حقيقي، أي غير متخيل، وتنكب على إبراز وجوه بالأحرى خفايا وظلال من حياته وعبقريته أو جنونه وعُصابه، بما أنها تختص بشخصيات أعلام لا بنكرات، أو أي غُفل. يعمد فيها الكاتب، الروائي إن شئنا، إلى اختراق ذات الشخصية في علاقتها بمحيطها ومعارفها وإبداعها، وفق شجونها ونتاجها ومدار اهتمامها. ليكن معلوماً أن هذا النُّويْع السردي مختلف عن السيرة الغيْرية، البيوغرافيه. تلك تُكتب عن شخصية مرموقة، بينما هذه، وإن انطلقت من معلومات الحالة المدنية والتكوين الشخصي، يبقى مدارُها الأساسُ والأبعدُ المحيط وعلاقة صاحبها بزمانه وتأثيره فيه. هي تعتمد التوثيق مِهاداً وسَنَداً، وتبعاً لهذا تَضحى قابلة للاختبار وسَبْر الصدقية، ما ينفي عنها بطبيعة الحال» شُبهة» التخييل ويبعد قلمها حتماً عن حبر التّذْويت.
روايات «التخييل الواقعي»، لا شك ستُعدي بسرعة، تتفرع إلى أنواع موضوعاتية، تاريخية،علمية، سينمائية وتشكيلية.
ويبدو وفق نسبة الإصدارات وميول الكتاب أن للموضوعين الأخيرين الصدارة، وهما يغريان أكثر لقربها من مضمار الفن وتلويناته وإرهاف أصحابه، تُفسح مساحة ممكنة للعب، وتتيح للروائي أن يتسلل إلى حميمية الفنان، ودواخله عبر جلب مادته واستحلاب مصادر استلهاماته، التي لا يراها المشاهد إلا ناجزة في اللوحة. وهذا خلافاً لجفاف مادة الموضوع العلمي ووثائقية التاريخي، يتعذر فيهما التفاوت. خُذ مثلاً الحضور القوي لرسامين من عيار مونيه، بونار، فان غوغ، لعبت النساء، زوجاتٍ كُنّ، أو نماذج، أدواراً مهمة (مثل دور زوجة موني في نجاحه، وبيير بونار الذي لم يرسم إلا زوجته) عالجهم بالتسلسل الكتاب: مشيل برنار، وجان مشيل غيناسيا وفرانسواز كلوريك، التي كتبت في روايتها «L’indolente» قصة الحب المكتوم والملتهب بين بونار وزوجته (موديله) الدائم. هي تحبكها وترسمها وتعيد توليد شخصيتها في منشئها الحقيقي لا كما أخفته عن زوجها بانتساب أرستقراطي زائف. يسقطان معاً مقابل بديلهما الصورة التي لا تفتأ تُستعاد بأشكال وألوان في لوحات (150) زوجِها بونار بأحجام وألوان وأضواء. كلوريك تجعلنا أيضاً نرى الرسم يحيا، ونستشرف أجواءَ رسامي عصره وأسلوب حياتهم، ما هو مفيد. كذلك نُثنِّي بمثال آخر من عالم التشكيل رواية «Les remords de Monet» لمشيل برنار، الذي يملك دُربة مقاربة شخصيات من آفاق شتى، يعالج، يحكي فيها بلغة دقيقة وأسلوب محكم ومشرق، لواعج الرسام موني، من خلال فجيعتين في حياته، موت صديقه ورفيق شبابه الرسام بازيل وماخلفه في نفسه رحيل زوجته وموديله الأثير كاميلدونسيو. لقد ظلا حزناً مقيماً في حياته، وانعكسا على أكثر من عمل، تحديداً لوحة «الغداء على العشب» الشهيرة.
يحضر فان غوغ أيضاً بطلاً في روايتين لغيناسيا وفردريك باجاك، من خلال شخصيات ثانوية عاشت في ظله وحاولت الاقتراب منه، وتلقي أضواء مستجدة على شخصيته وفنه.
بالإمكان عرض أمثلة أخرى، لولا أننا نحب تخصيص ما تبقى من هذه الورقة لمعالجة هذا النوع لموضوع السينما بعد التشكيل، بالأحرى لنجوم سينمائية مبهرة، وتعود رواية التخييل الحقيقي تحكي حياتها من منبتها الأصلي، ننبهر مكتشفين سيرتها وتتبع مسارها فمصيرها، كما لو أنها شخصية روائية. إن حكايات النجوم، بشهرتهم وقصص عشقهم فمآسيهم وفضائحهم باتت تشكل مادة دسمة للرواية، بذا ينقلب الدور، عوض الأدب، الرواية التي كانت تغذي الشاشة، غدا الفن السابع هو مادتُها وملهمُها في دورة تحول لافتة. لا بأس بمثال نقدمه من خلال رواية أرنو سانيار المعنونة «Bronson».
هي تتناول شخصية الممثل الشهير الراحل شارل برونسون، بالعودة إلى أصله الليتواني (شارل دنيس بوشنسكي) وتظهر تعلقاً وشغفاً بشخصيته، كيف تقلبت في المصنع الهوليودي، وكما عجنت في أدوار متفردة، شتى. ويحضر المخرج الفرنسي التجريبي جان لوك غودار كذلك بطلاً في رواية: «Sauve qui peut» لتييري فورجي، يدوّن فيها قراءته وكتابته على طرس الكتابة السينمائية التي دشنها غودار. عبر قصة متفرعة الحكايا، معنقدة الشخصيات، يمتزج التاريخ فيها بالمغامرة والغميس الثقافي، لغةً وفكراً وأدباً.
بقي أن نسأل أخيراً بهذا الصدد، هل هذا المنزع سيلغي الحدود بين الفنون، أم يجسّرها، أم يحدث خلطاً قد يفسد الرواية إذ تلوذ الآن إلى عالم السينما لتجدد دماءها، علماً أن الانتقال من صورة الكتاب إلى الشاشة هو كتابة مختلفة، والعكس صحيح. سؤال مفتوح على عديد أجوبة، وخصوصاً على المساحة التي سيشغلها هذا النوع السردي الطارف لاحقاً في أرض الكتابة الروائية الشاسعة والتالدة.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة