تراث و وثائق

اكتشاف مدينة الإسكندر وافتتاح متحف البصرة الآثاري

صفاء ذياب

أعلن المنقب الآثاري روبرت كيليك عن الشروع في العمل في مدينة خاركس، وهي المدينة التي بناها الإسكندر الكبير شمال مدينة البصرة قبل عام 250 ق.م، وأضاف كيليك خلال المؤتمر الذي عقده المعهد البريطاني لدراسة العراق، أن هذه المدينة اكتشفت قبل خمسين عاماً، غير أن الإهمال حال دون العمل عليها حتى الآن.
وأشار كيليك، وهو منقب من جامعة مانشستر ويعمل في تل خيبر شمال مدينة الناصرية منذ أربعة مواسم، وقد انتقل الآن للعمل في موقع مدينة خاركس شمال البصرة، إلى أننا نتحدث عن المدينة التي كانت عاصمة في عام 250 قبل الميلاد قبل أن تصبح مدينة مستقلة في زمن الإسكندر، إلا أن تاريخها غير معروف بالضبط حتى الآن. وأضاف كيليك أنه في عام 324 ق. م كان الإسكندر الكبير في مدينة سوسة الإيرانية، وأوجد هذه المدينة على نهر الكارون في التقائه بنهر دجلة، وهناك الكثير من الأسباب الاستراتيجية التي دفعته لإنشائها، لكنه لو كان يعلم أن الفيضان سيمر عليها لما أنشأها، وقد أعيد بناؤها من قبل الملك الفارسي انتوقيوس، وبعدها تطورت لتكون ميناءً تجارياً لمد العلاقات مع الهند في الجنوب والبتراء في الشمال.. إلا أنه بعد انتهاء الحكم الفارسي تم الاستيلاء عليها من قبل الساسانيين، ثم بدأت تفقد أهميتها كميناء.
وبيّن كيليك أن هذه المدينة تقع 40 كم شمال مدينة البصرة، وقريبة من الحدود بين العراق وإيران، وهذا السبب الذي يجعل من الوصول إليها غير ممكن لفترة طويلة، موضحاً أن الاسم المحلي لهذه المدينة الآن (خيابر)، وأن أول آثاري أشار إليها هو جونس هانسمان، الذي زارها منذ أكثر من 50 عاماً وتمكن من اكتشاف الجدار واستطاع أن يمر على نهر دجلة والتقائه بنهر الكارون، وكان داخل هذا الحصن بقايا لجبل خيابر، ومنذ تلك المدة لم يجر العمل عليها، لكن هناك باحثاً بلجيكياً يدعى هوجستان عمل عليها وأشار إليها والتقط صوراً جوية لهذه المنطقة، مشيراً إلى مكان هذه المنطقة والسبب الذي لم يدفع الكثيرين للعمل عليها.
كانت ورقة كيليك هذه ضمن عدة أوراق خلال المؤتمر الذي عقد ليومين حول آثار وتراث البصرة، وحول أهدف المؤتمر المنعقد برعاية المعهد البريطاني لدراسة العراق، يقول الآثاري عبد الأمير الحمداني، أن هذا المؤتمر يستهدف البصرة كتراث وثقافة وآثار وهوية، وهي المرة الأولى التي يعقد فيها مؤتمر دولي بهذا الحجم عن البصرة وفي البصرة، إذ سابقاً كانت المؤتمرات تعقد عن هذه المدينة خارج العراق، لكن جاء الوقت لكي نتحدث عن تراث البصرة وأهوارها وتاريخها والناس الذين عاشوا فيها، وهو عملية لإنصافها بعد عقود من الحرمان والتهميش، وتأتي ضمن سياق بدء العمليات والتنقيبات والبحوث العلمية في جنوب العراق بعد الاستقرار الأمني فيه.
وأشار إلى أن هناك بعثة علمية من جامعة مانشستر في بريطانيا وبعثات أخرى سوف تأتي للعمل فيها، وهذا المؤتمر هو لإعادة كتابة تاريخ هذه المدينة، فالمعروف للجميع أن البصرة مدينة إسلامية لا يتعدى عمرها الفتوحات الإسلامية وكانت مقراً للجيش في عهد عمر بن الخطاب، لكن البحوث الجديدة أثبتت أن تاريخها يعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد.
وفي سؤالنا عمّا إن كانت هناك مدينة فعلاً قبل الفتوحات الإسلامية، أجاب الحمداني إلى أن مدينة خاركس كانت موجودة فعلاً، بعد أن بناها الإسكندر الكبير حالها في ذلك حال مدينة الإسكندرية في مصر، وقد سميت أيضاً فرات ميشان، وهي تقع شمال مدينة البصرة الحالية بحدود 40 كم، بحدود منطقة النشوة من ناحية الدير، وهذه المدينة سميت بمدينة الإسكندرية على دجلة، ثم سميت أنطاخيا، وميشان، حتى وصلنا للفتح الإسلامي فسميت بميسان، وهي كانت مقراً لمملكة ميسان، استمر السكن فيها حتى القرن التاسع الهجري ثم هجرت بالكامل، وكانت مركزاً لسك العملة النقدية في العصر الساساني وفي العصور الإسلامية، ومركزاً لمقاطعة اسمها كور دجلة في العصر الأموي والعباسي، وتشتهر بجودة حبوبها وأسماكها وطيورها، ومن ثمَّ كانت كرسياً رسولياً للطائفة النسطورية اليعقوبية، ومنها دخلت المسيحية للبصرة، وكان الكرسي الرسولي الأسقفي مقره في خيابر، ومن ثم انتقل إلى البصرة حينما أنشئت، إلى أن أهمية خاركس كميناء للبصرة ومركز ديني رسولي قلَّ خلال القرون التي تلت ذلك التاريخ.
وبيَّن الحمداني أن هذا المؤتمر يأتي كمحاولة لإعادة كتابة تاريخ المدينة وتسليط الضوء على المخفي والمسكوت عنه من التاريخ. فالجلسة الأولى تحدثت عن البصرة ما قبل الإسلام، كما قُدمت أوراق في الجلسة الثانية عن التراث المسيحي في البصرة، وعن عمليات الحفريات التي أجريت والأهوار والمدن فيها، كل هذا ما قبل الإسلام، ومن ثمَّ كرست ورشة عنها كمدينة إسلامية ونشوئها وتاريخها وأهميتها، وهناك ورقة قدمت عن الأنهر والقنوات المائية فيها قبل الإسلام، وورقة عن خيابر والحفريات التي أجريت، وفي اليوم الثاني كانت هناك جلسة عن المتاحف وأهمية تطوير متحف البصرة ليكون مركزاً مهماً في المدينة، والجلسة الأخيرة كانت عن الأهوار وعلاقة المدينة بها.. وفي الحديث عن تراث البصرة وفلكلورها تكلم الحمداني عن أهم المدن العراقية التي أزيلت وكانت قد أنشئت في القرن التاسع عشر وما قبل ذلك، وأزيلت معها الأبنية التراثية في بغداد والنجف والبصرة، وقد كان هذا الإهمال لسبب بسيط يرجع إلى عائدية هذه البيوت إلى ملكيات خاصة وليست للدولة، لهذا لابد للدولة أن تتحرك وتشتري هذه البيوت وتحيل ملكيتها إلى الدوائر الرسمية، وما لم يتم نقل هذه الملكية لا يمكن الحديث عن حمايتها.
جاء هذا المؤتمر عقب يوم واحد من افتتاح متحف البصرة في أحد القصور الرئاسية في منطقة البراضعية وسط المدينة، إذ عرض في هذا المتحف أكثر من 440 قطعة أثرية يعود بعضها إلى قرابة 350 عامًا قبل الميلاد، فضلاً عن الفترتين الساسانية والإسلامية، حسبما تحدث به قحطان العبيد؛ مدير المتحف، الذي أشار إلى أن جمعية أصدقاء العراق البريطانية كانت الداعم الرئيسي لهذا المشروع، ولفت العبيد إلى أن «القاعات السومرية والآشورية والبابلية التي يتكون منها المتحف سيتم افتتاحها تباعاً بعد الانتهاء من إجراءات تجهيزها بقطع أثرية من المتحف الوطني في بغداد»، مضيفاً أن «المتحف توجد فيه أيضاً قاعة تعليمية مخصصة لتعليم الأطفال على الأعمال الخزفية والطينية والخشبية». ومن ضمن الجهات الداعمة لهذا المشروع، تبرعت شركة «بي بي» بمبلغ 500 ألف دولار للمتحف حسب تصريح رئيس لجنة النفط والغاز في مجلس محافظة البصرة علي شداد الفارس.
من جانب آخر أوضح قيس حسين رشيد؛ وكيل وزير الثقافة لشؤون السياحة والآثار، في حديث خاص لـ«القدس العربي»، وفي معرض جوابه عن تساؤلنا عن الأسباب التي تدفع الجهات الحكومية العراقية إلى التحرك بعد أن تبدأ الجهات الدولية بالنداءات لحفظ تراث العراق، قائلاً إن كل هذه التحركات جاءت بعد نداءات من وزارة الثقافة، وقبلها وزارة السياحة والآثار قبل دمج الوزارتين، كان أول نداء بعد سبعة أيام من احتلال «داعش» للموصل في السابع من حزيران/يونيو 2014، فبدأ العراق بالتحرك على اليونيسكو وعقد أول مؤتمر لإنقاذ آثار العراق في باريس، ومن ذلك التاريخ أطلقت اليونيسكو بالتعاون مع الوفد العراقي الذي كان يزور باريس خطة طوارئ لإنقاذ آثار العراق، وكل هذا الذي يجري الآن من مؤتمرات وورش وفعاليات واسترداد آثار وتدريب كوادر واستقطاب بعثات أجنبية وتأهيل قاعات في المتاحف العراقية، وحتى الاستعجال في افتتاح المتحف العراقي، ومتحف الناصرية، ومتحف الزعيم عبد الكريم قاسم ومتحف الملك غازي، وافتتاح متحف البصرة، وفي الشهر المقبل سيفتتح متحف السماوة، كل هذا حدث بناءً على خطة الطوارئ التي جرى الإعداد لها من قبل وزارة الثقافة في تموز/يوليو 2014، وبالتالي فإن الوزارة هي المعنية بهذا الموضوع وهي التي دقت أجراس الخطر، ثم جاءت مبادرات الأصدقاء لتصب في هذه الخطة، فحصلنا على أول تمويل من اليابان بقيمة مليون ونصف المليون دولار، فضلاً عن أجهزة تصوير ومسح حديثة، ومن ثمَّ دربنا كوادر فنية في بريطانيا وألمانيا، وبهذا فإن مهندسينا وآثاريينا جاهزون الآن للعمل، وينتظرون تحرير الأراضي من سلطة «داعش» للبدء بعمليات البحث والتنقيب وترميم وصيانة الآثار.
مضيفاً أن هذه الورش جاءت لتهيئة المزاج العام بأن هناك عملاً طويلاً سينتظرنا بعد انتهاء العمليات العسكرية، فالمواقع التي فجرت ودمرت فضلاً عن المتاحف التي سرقت، ينتظرها عمل طويل لإعادة فتحها للجمهور، فهناك مواقع أثرية ارتبطت بذاكرة الناس، مثل تل النبي يونس ويحيى بن القاسم وعون الدين بن الحسن والإمام محمد الدري وحزام الأربعين في تكريت، والكنيسة الخضراء، وكنيسة البوعجيل، فعلينا أن نهيئ الشارع بأننا عازمون على إعادة هذه المواقع، والكوادر الأثرية أصبحت جاهزة الآن حتى في موضع التمويل، هذه المشاريع كل درجت ضمن مشاريع إعمار المواقع المتضررة.. ربما يتبادر تساؤل مهم بعد كلام رشيد هذا، وهو أن الكثير من المواقع تم نسفها تماماً، فكيف ستتم إعادة تأهيلها، رشيد يتحدث مجيباً أن بعض المواقع إذا كان النسف بالكامل، فالمعايير الدولية لا تسمح لنا بإعادة التأهيل والإعمار، ولكن هناك مواقع تضررت ولم تمح من الأرض، فما تسمح به المعايير سوف نعيده، وما لا تسمح به سنبحث عن طريقة لإعادة بنائه حتى نعيد ارتباط الذاكرة المكانية للناس.. موضحاً أن المعايير الدولية تعيق عمل المتخصصين في الآثار، لأن هناك مواثيق دولية مثل ميثاق بورو وميثاق البندقية وميثاق البيكوموس، لا تعطي الحرية الكاملة لكي نرمم كيفما نشاء، لهذا سنعمل مع المواقع حسبما سنراه بعد انتهاء الأعمال العسكرية، وستكون هناك فرق متخصصة بالتعاون مع أجانب لمعرفة ماذا نرمم وماذا لا نرمم. أما عن عدم تحرك وزارة الثقافة والجهات الحكومية لحماية والحفاظ على الأبنية التراثية في المدن العراقية، مثل بغداد والبصرة والعمارة والناصرية وغيرها من المدن، فيبرر رشيد هذا الأمر بأن المشكلة أن هذه الأبينة ليست ملكاً للسلطة الآثارية، بل تابعة لملكيات خاصة أحياناً، وإلى الوقف السني والوقف الشيعي والوقف المسيحي، وأحياناً إلى الحكومات المحلية، أو أمانة بغداد في بغداد، لهذا فنحن لسنا قادرين على حماية ممتلكات تعود لهذه الجهات، فأمانة بغداد تعطي استثمارات على مبانٍ تراثية، شارع االرشيد انتهى الآن تقريباً، وفقدنا بيت ساسون حسقيل ودار الموسيقى في بغداد، فلا يمكن أن نعمل لوحدنا، لأننا لا نملك المباني التراثية، ولا قدرة للحكومة على إعطاء تعويض لملاك هذه البيوت التراثية بسبب الأزمات المالية المتتالية، والاستملاكات التي تحتاج لميزانيات كبيرة جداً، لأن أغلب تلك البيوت تقع في مواقع مركزية وتجارية.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة