الرئيسية / . / فاضل الجعايبي: «الثورة» قتلت الحلم بتونس بديلة

فاضل الجعايبي: «الثورة» قتلت الحلم بتونس بديلة

فاتن حموي

«الفن قد يكون محاولة يائسة لتغيير ما في النفوس، ومع هذا ما زلت أحاول التغيير من خلال أعمالي المسرحية منذ أكثر من أربعين سنة»، بهذه الكلمات يعرّف المدير العام للمسرح الوطني التونسي المخرج الفاضل الجعايبي العلاقة بين الفن والتغيير، مضيفًا: «إذا تغيّر الفن والمعرفة والثقافة نحو الأفضل فالعالم بخير، المهم وجود الاستعدادات للتغيير والمساهمة فيها. أعتقد أنّ عملي المسرحي هو تطبيب شخصي. التعبير يرضي أفكاري وضميري وهواجسي، وإذا كان للخير العام من خلال تغيير عقليات البشر من خلال التراكمات ولو بنسبة واحد على ألف فيا ليت، ويا ليت الوحش الذي فينا يموت بعد 2000 سنة».
يشارك المسرحي المخضرم الفاضل الجعايبي في «اللقاء الفرعي للشبكة الدولية لفنون الأداء المعاصرة حول حرية التعبير» المنعقد في بيروت وتبدأ فعالياته اليوم وتستمر حتى الأحد المقبل، ويعرض مسرحيته «العنف» (مدتها ساعتان) عند الثامنة والنصف من مساء اليوم على خشبة مسرح المدينة. صاغ الجعايبي السيناريو مع رفيقة دربه جليلة بكار «ألّفت النص بطريقة أنيقة وراقية» بحسب تعبيره. المسرحية من تمثيل بكار وفاطمة بن سعيدان ونعمان حمدة ولبنى مليكة وأيمن الماجري وأحمد طه حمروني ومعين مومني ونسرين المولهي.
تسرد مسرحية «العنف» خمس حالات للعنف، فالزوجة تقتل زوجها وهو يقرأ كتابًا بدافع صراعها مع سائق تاكسي، والأم تقتل ابنها بحرق نصفه، والمثليّ يقتل عشيقه لأنّه أحبه، والطلبة يقتلون أستاذة الفلسفة دون أيّ سبب. «هي حالات من العنف كلها تشترك في كونها اعتباطية وغير منطقية لنتحوّل من القتل إلى دافع القتل، وكأنّنا أمام بطل الغريب لألبير كامو الذي كان يقول: «الإنسان يمتنع»، وعلى الإنسان فعلاً أن يمتنع عن إخراج الوحش الذي بداخله، ذاك الذي يتحيّن أن تأتي الظروف الخصبة ليخرج، لذلك ندعو الجميع إلى التساؤل حول العنف والامتناع عنه، ونؤكد في المقابل على الحب كميزة إنسانية تحمي الإنسان من الكراهية المؤدية إلى العنف.

دموع تطهرية
يعلن الجعايبي لـ «السفير» أنّ التحاور مهم جدًا من خلال المسرح لا سيما في المسائل المسمّاة خطيرة، «المسرح لا تحدّه حدود، فمسرح شكسبير لم يتحدّث فقط عن المواطن الإنكليزي، بل عن الإنسان بصورة عامة. أعمالنا تتناول الإنسان التونسي ولكنها تجاوزت الحدود، فالعرض الأول لمسرحية «العنف» كان في أعرق المسارح الإيطالية «البوكولي» العام الماضي حيث خرج الناس من المسرح مذهولين وحائرين وكثر ذرفوا دموعًا تطهيرية، وكانت نقاشات حول دور المسرح ورهاناته. المسرح مجعول للتمسّك بالحقيقة المطلقة. المسرح عندما يتحدّث عن الإنسان يُحدث نشوة عبر قنوات الضحك على سبيل المثال، ويرتقي بالإنسان إلى مستوى أقوى من الوعي من خلال خوضه في الذات الإنسانية».
يشرح الجعايبي عن مسرحية «العنف» بالقول إنّ المنطلق من تونس الثورة، «المسرحية هي عن العنف الدموي الراديكالي أي القتل، قتل النفس وقتل الآخر. لا نتحدّث عن العنف من منطلق أسبابه الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والدينية والجهوية، بقدر ما نمضي إلى أبعد من كل هذا. العنف موجود من أيام قابيل وهابيل، تفاقم عبر السنين والعصور، وليس من خصوصيات الفقير أو الضعيف بل هو مكمون في تاريخ البشرية بشكل اصطدامات فردية أو جماعية. الإنسان لا يكون إنسانًا إذا امتنع عن الاعتراف بالوحش الذي فيه. نحن دومًا أمام جدلية العنف ـ التوق إلى السلم. التناقض رهيب في الإنسان. معظم الناس تمدّ السبّابة نحو الآخر أو نحو السماء، ويمتنعون عن مدّها نحو ذواتهم لمساءلة أنفسهم. اللوم دومًا نحو الآخر، ورد الفعل هو الخوف المنقلب إلى عنف إن من جهة التكالب على الحكم، او لأسباب أنانية وانتهازية عقائدية مكمونة، أو أسباب غريزية لا يحرّكها لا العلم ولا الظروف الاجتماعية ولا المال». يرفض الجعايبي اعتبار «العنف» أهم أعماله المسرحية، «لا أقوّم أعمالي بل ما أقدّمه اليوم أعتبره عملاً يضاف إلى الأعمال الأخرى».

آليات فنية
يقول الجعايبي إنّ الطرح الراديكالي لا يستطيع أن يكون عملاً وثائقيًا في المسرح، بل يحتاج آليات فنية ترتقي بالذوق والمعرفة عبر ممثلين مهمين وصورة مهمة وبليغة وجملة متقشفة وبليغة تعتمد على السهل الممتنع، مع اختصار في الحركة للغوص في عمق الأمور.
وحول مدرسة الممثل التي أنشأها في تونس يقول: «ليس هناك مسرح الغد من دون إعادة النظر في نظام التمثيل، ومن خلال الاستجابة للفراغات الموجودة انطلاقًا من الوعي. جاءت مدرسة الممثل استجابة لانتظار كثير من المسرحيين والممثلين. هناك فرق بين امتهان التمثيل واحترافه، والتكوين العام لا يكفي، إذ للتمثيل تقنيات خاصة، مدرسة الممثل سدّت فراغًا فادحًا في تونس بين جيلنا والجيل الجديد. يوجد تفاوت في المعرفة والتجربة، ولا بدّ أن نولي الشباب الاهتمام اللازم، سعيًا منا إلى إرساء ركائز مسرح شاب وخلق تواصل بين الأجيال داخل مؤسسة المسرح الوطني، وسنسعى في السنوات المقبلة إلى فتح اختصاص يُعنى بالكتابة والدراماتورجيا وكذلك فن الإخراج، ليكتمل العمل على تكوين الثالوث الأساسي الذي يقوم عليه العمل المسرحي الجماعي، المخرج والكاتب والممثل. في «العنف» سيرى المشاهدون لقاء عمالقة المسرح أمثال جليلة وفاطمة ومتخرجي مدرسة الممثل. سيظهر جليًا على المسرح ارتقاء الشباب التوعوي المسرحي».

الثورة
نسأل الجعايبي ماذا قتلت فيه الثورة وماذا أحيت، فيجيب «قتلت شيئًا من الحلم بتونس بديلة، هذا القتل هو بحكم عمري، أصبنا بنكسة كبيرة بسبب تردي الأوضاع، لكنّ النكسة ضرورية لننهض من جديد. الثورة فجّرت مكمون غريزة القتل، فالصدمات تظهر الوحشية في كلّ مكان. بتّ أشاهد العنف في كل الفضاءات. وباختصار نعيش تحت ضغط مستمر».
يعتبر الجعايبي الذي يتنفّس مسرحًا وإبداعًا أنّ الكارثة تكمن في ما يدرّس في المسرح وما يبث عبر القنوات التلفزيونية، «تجاوزت فن الصدمة. لا شيء يصدمني حاليًا. لكنني أبالي بالوضعية الكارثية للفنان الناشئ والكوارث القانونية. المسؤولية على كل المستويات. نظرتي السوداوية لا تمنعني من المواكبة والمحاولة قدر المستطاع من خلال عملي بوعي ويقظة دون أن أكذب أو أبيع وهمًا. أصنع فنًا قد يغيّر ما في النفوس بنسبة واحد في المئة. وأنا مع التعبير ومع منع الرقابة على الأعمال الفنية». ويختم الجعايبي حواره بالتشديد على أنّ الوعي الفردي يفرز ويحقّق وعيًا جماعيًا. وهذا جلّ ما يصبو إليه.

(السفير)

شاهد أيضاً

على ضفة نهر بلا اسم.. ل -أمل زقطان-

-أمل زقطان-   عندما يأتي المساء. البيت يستعد لنومه، الأبواب والنوافذ، الأرواح المستنفرة والمستعدّة للخروج …