مسرح موسيقى

«الدّم..حبرُ الحَق»: شهداء سوريا

سامر محمد اسماعيل

استقى الكاتب محمود عبد الكريم عنوان «الأوبريت الغنائية الاستعراضية»: «الدّم.. حبر الحَق» (دار الأوبرا السورية، 6-8 تشرين الأول) من المسرحية الغنائية «آخر أيام سقراط» (1998)، ليكون الحوار الذي كتبه الفنان الراحل منصور رحباني، على لسان «شهيد الحقيقة» (400، ق.م) بمثابة العتبة الأولى للأوبريت السورية التي أخرجها عروة العربي. جملة نهائية عارضت رؤية نيتشه عن مفهوم «الحق» عندما قال الفيلسوف الألماني: «تقع التراجيديا عندما يقتتل طرفان، كل منهما يشعر أنه على حق».
الحق هنا يُكتب بالدّم، وعلى هذا الدّم تُبنى المواثيق والعهود، ويوسم الأبطال بأكاليل الغار و «مواكب النصر القادم».
لا جدال إذاً ولا حق ولا حقيقة غير الدّم، باعتباره المعادل الموضوعي والأثر المادي الوحيد للعقد الاجتماعي الجديد، فالحبر والدّم هنا صنوان في كتابة التاريخ، وعليه فالصراع مفتوح «حتى آخر قطرة دم»، عندما يكون هذا الصراع على وجود أو لا وجود، فالعمل الذي أنتجته «جمعية تموز» طرح سوريا لا كإقطاع سياسي قُطري، بل كحقيقة حضارية أزلية خالدة، سيكون من الصعب فصل مصيرها عن شخصيات رمزت للمقاومة في تاريخها القديم والمعاصر، فمن إيبلا وماري وأوغاريت، مروراً بأورنينا وزنوبيا، وصولاً إلى المتنبي ووزير الحربية يوسف العظمة، يمضي الأوبريت وفق «نِمرات» استعراضية لـ «آرام». فرقة المسرح الراقص التي قدمت بإدارة الكوريغراف محمد طرابلسي معادلاً جسدياً للنص الموسيقي والغنائي اللافت الذي حققه المايسترو طاهر مامللي، متكئةً في ذلك على درامية الجمل اللحنية وكثافتها الإيقاعية وتلوينها بين النشيد والقصيدة والفلكلور، ليأخذنا (مامللي) بدوره بين مراحل متعددة من تاريخ البلاد ومكنون تراثها الصوتي، مشتغلاً على أجواء تصويرية مُحكمة، قاربت النزيف السوري عبر مقطوعات استلهمت الفولكلور دون أن تكون أسيرةً لقوالبه الشعبية المُنجزة.
تأكيد الانتماء للأرض جاء في «حبر الحق» استجابة لسؤال الهوية في غمرة حربٍ في طريقها لإكمال عامها السادس على التوالي بدون ألمٍ يذكر، فالمأساة هنا ليست في احتكار «الحَق» لطرف على حساب آخر، بل الحق ـ كما جاء في العرض ـ هو ما يتسق مع موضوعه، وما يمكن أن يجعلنا نرى الواقع كما هو، بدون تزييف أو تشويه، فالأرض والأوطان والذود عنها لا يمكن أن تخضع للنسبي. هكذا استدعى الأوبريت صيغاً حركية وغنائية موازية للنصين الأدبي والموسيقي، من غير إهمال دور «الراوي» (باسم ياخور) الذي أتى كحلٍ درامي معقول في نص عبد الكريم، للربط بين حقبٍ متباعدة زمنياً، ما سهّل إبرام حبكة رشيقة بين مناظر العرض على خلفية ديكور أدهم مناوي وإضاءة أدهم سفر، من دون التخلي عن لمحات ذلك (المارش) المتصاعد موسيقياً في ذرى محددة من العمل.
اعتمد «الدّم.. حبر الحَق» أيضاً على ثنائية الكاتب ـ الشهيد مستعرضاً مصير العديد من مفكرين ومبدعين سوريين قضوا على يد الغزاة، فمن عالم الآثار خالد الأسعد المذبوح حاضراً على يد مقاتلي «تنظيم الدولة الإسلامية ـ داعش»، إلى فيلسوف تدمر لونجينوس الحمصي الذي أمر الإمبراطور أورليان بقطع رأسه مباشرةً إبان اجتياح جيشه للؤلؤة البادية السورية عام 272 م. مصير مشابه كان قد لاقاه من قبله أبولودور الدمشقي عندما أعدمَ الإمبراطور هادريان هو الآخر مصمم أعمدة تراجان على مقربةٍ منها عام 130م، وذلك على خلفية كتابٍ كشف فيه المهندس السوري أسرار صناعة المعدات الحربية لروما.
رويدا عطية، وفيق حبيب، ليندا بيطار، عاصم سكر، صفوان العابد، محمد القباني، عبير البطل، إسماعيل مناسترلي، مغنون ـ ممثلون ظهروا على خشبة القاعة الرئيسية لمسرح الأوبرا في هذه التجربة، وبأزياء بصرية متحركة صممتها رجاء مخلوف في محاكاة لأعمال مسرحية ضخمة ومكلفة، تستعيدها اليوم «أوبرا دمشق» كتقليد في برنامج حفلاتها السنوي، بعد غياب طال انتظاره لهذا النوع من العروض، في الوقت الذي تشهد فيه عروض المسرح القومي انحساراً كبيراً.

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة