مسرح موسيقى

عصا يوسف العاني التي انتظرها 45 عاماً

عبد الستار البيضاني

ضمن فعاليات تكريم مهرجان ايام الشارقة المسرحية عام 2014 للفنان العراقي الكبير يوسف العاني (المولود في بغداد 1927)، أقيمت أمسية خاصة لقراءة شهادات الفنانين العرب والعراقيين عن منجز المحتفى به، شاركت فيها نخبة من نجوم المسرح العربي من مصر وسوريا والكويت والمغرب والبحرين والإمارات العربية المتحدة. وقد فوجئت بدعوتي لقراءة شهادة لم أكن متهيئاً لها، كما لم يخطر في بالي أن أتحدث في أمسية يشارك فيها نجوم أسهل ما يمتلكون من مواصفات إبداعية هي طريقة الإلقاء وسحره! فارتجلت كلمة أسميتها “صباحات يوسف العاني”، تناولت فيها بعض طقوس ويوميات مبدع كبير يعيش خريفه في زمن ملتبس فيه كل شيء.
فقد اعتدنا نحن العاملين في القسم الثقافي لمجلة (ألف باء) على إطلالته الصباحية اليومية، حيث يقف عند المدخل رافعاً يده بطريقة مسرحية ملقياً تحيته “صباح الخير والسرور”، وحيث إن مكتبي يقع في بداية القاعة استوقفه لأسئلة عن الأخبار السياسية شاغلنا اليومية في تلك الفترة وكان يحرص على متابعها ليلاً من الإذاعات، فإذا كان مزاجه رائقاً يسرد كل ما سمعه من أخبار ليلاً، وهو واقف (بالمناسبة من النادر ترى يوسف العاني جالساً على كرسي إذ يقضي أغلب وقته واقفاً أو متنقلاً بين مكاتبنا) أما إذا كان متعباً او مزاجه عكرٌ فإنه يطلق مقطعاً من قصيدة شعر شعبي (يستير خلص قلبي…) ولم أتذكر بقية المقطع – و(ستير هو تصغير لاسمي بلغة جنوب العراق).
شقاوات بغداد
بعد أن ألقيت شهادتي وانتهاء الأمسية، عانقته فهمس في أذني (لك ستير شسويت بيه.. طول ما كنت تتكلّم استغرقت بتذكّر تلك الأيام وكأنني واقف الوقفة التي كنت تسمّيها وقفة شقاوات بغداد..)، قلت له أنا أيضاً أثناء حديثي تخيّلتك واقفاً مثل شقاوات بغداد، ولكن من دون عصا، ومددت يدي لسحب العصا التي يتوكأ عليها داعياً إياه أن يتمشى من دونها، فصاح بي (لك لا.. عوفها.. صار 45 سنة انتظرها وتنتظرني..).
في المساء سرد لي قصة العصا وهو يتحسّر على طريقة المغلوب على أمره قائلاً (لقد تحاشيت هذه العصا كل هذه السنوات.. لكنها في النهاية تمكّنت مني). في العام 1969 تمّت دعوتي الى لندن للمعايشة في مسرح (برودواي)، ولأن هذا المسرح يقع في شارع المسارح، طلبت من المسؤولين على دعوتي، أن أزور المسارح الفقيرة أيضاً، وفعلاً تجوّلت في شارع المسارح، وقد جذب انتباهي مسرح يسمى (مسرح الكلاب) تديره مجموعة من المسرحيين الشباب من ذوي الاتجاهات الفنية الجديدة، وبعد انتهاء العرض أخذني المشرف على المسرح الى غرفة عُلقت فيها أعداد كبير من العصي ذات مقبض على شكل رأس كلب، فأهداني واحدة، قائلاً هذه العصي نقدمها الى كل فنان يزورنا من جميع انحاء العالم. يقول العاني في البداية لم أتسلّم العصا وقلت لمضيفي باستنكار (أنا ما زلت شاباً ولا أحتاج التوكؤ على عصا..)، ضحك مضيفي وكأنه لم يكترث لاحتجاجي (في النهاية ستحتاجها.. طريقة من طرائق مسرحنا لمساعدة الفنانين في العالم للتغلّب على أيام نهاية العمر..). أخذت العصا وجلبتها معي الى بغداد، وبقيت الفكرة تترسّخ في رأسي ويترسخ معها التحدي في تحاشي هذه العصا. فعلقتها في البيت وكلما خرجت من البيت أو عدت أنظر اليها مثل الشامت بأنني لن أحتاجها، لذلك تراني كنت صباح كل يوم اعبر جسر الأحرار الى شارع الرشيد مشياً ومن ثم انعطف عابراً جسر السنك لأصل الى مبنى وزارة الثقافة أقضي جزءاً من النهار عندكم قبل أن أتوجّه الى بيتي. وفي السنوات الأخيرة عندما يتعذّر عليّ عبور الجسر وبعد اكتظاظ شارع الرشيد كنت أستعيض عن ذلك بالتمشي الى منطقة الشواكة رواحاً ومجيئاً. وعندما كنت أتعب انظر الى العصا فأزداد اصراراً على تنفيذ برنامجي الرياضي والغذائي لكي لا ألجأ الى العصا التي تحديتها 45 سنة حتى تمكّنت مني أخيراً.
العلامة
ربما كانت العصا لدى يوسف العاني علامة على قرب الموت، لذلك حدث أمامي أكثر من مرة انه عندما يصعد المسرح لإلقاء كلمة أو تكريم يرمي عصاه ويركض على الخشبة، وهذا ما حدث في احتفالات يوم المسرح العالمي عام 2013 عندما رمى عصاه وركض الى منصة المسرح، فكان أن دفع الثمن بأن نقل الى المستشفى بعد تمزّق في أمعائه جراء ذلك. وفعلها أيضاً عند تكريمه في أيام الشارقة المسرحية عندما صعد الى المسرح لتسلّم هديته من الشيخ سلطان القاسمي، وقد حذرته في حينها فقال (في كل مرة أصعد فيها الى المسرح أشعر أنني أصعد لأول مرة فأتخيّل نفسي شاباً لا احتاج العصا).
يوسف العاني الرائد والمؤسس المبدع الأنيق الدافئ هو اكثر شخص شاهدته في حياتي ذوداً عن الحياة ليس في طريقة العيش والسلوك التي ذكرتها آنفاً، وانما في التشبث بالحياة عبر صناعة الجمال وتقديم الفكر بأطر جمالية باهرة. فسواء سقطت العصا من يده أو تمكّن منه الموت كما مصير جميع الكائنات، إلا أن الموت لن يمحوَ مساحات الإبداع التي أثثها طوال 75 عاماً من تجربته الإبداعية عراقياً وعربياً.. ستبقى عشرات العلامات المضيئة في تاريخ الثقافة العراقية تشير بأصابع من ضوء الى يوسف العاني؛ (فرقة المسرح الفني الحديث) التي تأسست في العام 1952 وكان أحد مؤسسيها ورموزها، التي قدّمت أهم درر المسرح العراقي (النخلة والجيران)، وفي السينما بطولته لفيلم (سعيد افندي) عام 1957 وهو من أهم أفلام السينما العراقية، فضلاً عن أفلام أخرى منها مشاركته في فيلم (وداعاً بونابرت) للراحل يوسف شاهين، إداريا يوسف العاني هو أول مدير عام لدائرة السينما والمسرح بتكليف من الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم. وفي التسعينيات قدّم أهم مشروع في تحويل عشرات القصص العراقية إلى أعمال درامية تلفزيونية، فضلاً عن إصدار كتب عدة والمواضبة على الكتابة في الصحافة العراقية…
يوسف العاني وأنت تلوح لنا تلويحتك الأخيرة ستبقى واقفاً في الحياة العراقية بالعكاز أو بدونه.

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة