ترجمات

رؤى فوق خليج سان فرانسيسكو (1)

ترجمة: أجنيشكا بيوتروفسكا

عن نيتي
أنا هنا. هاتان الكلمتان تحتويان على كلّ ما يمكن أن يقال – أيّ منهما تبدأ وإليهما تعود. “هنا” تعني على هذه الأرض، على هذه القارة فقط لا غير، في هذه المدينة فقط لا غير، في هذا العصر الذي أسميه عصري، في هذا القرن، في هذه السنة. لم أحظَ بأيّ مكان آخر ولا بأيّ زمن آخر، وأتحسس الطاولة من أجل أن أدافع عن نفسي ضد الشعور بفناء جسدي. هذا شيء أساسي جدا – ولكن عموما فإن تَعلُّم الحياة يعتمد على الاكتشاف التدريجي للحقائق الأساسية.
كتبتُ عن موضوعات عدة، ولكن غالبا ليس على نحو ما كنتُ أريد. وأعلم أني الآن أيضا لن أكتب مثلما كنت أنوي منذ زمن طويل، مدرك دائما أنني أطلب المستحيل. سيكون من الضروري أن يكون لديّ المقدرة على توصيل استغرابي من “كوني هنا” في جملة واحدة، غير قابلة للتحقيق، ولكن في الوقت عينه يظهر فيها ملمس جلدي ورائحته، وكل مخزون ذاكرتي، وكل موافقاتي في يومي هذا واعتراضاتي. بيد أنني تعلمتُ شيئا بينما كنتُ أطارد المستحيل. كل واحد منّا يخجل من عجزه وجهله إلى درجة أنه يعتبر أن من الملائم فقط أن ينقل للآخرين ما يظن أنه يفهمه. ولكن أحيانا وليس بسرعة بشكل ما نتخلص من الخجل ونبدأ في التحدث بصراحة عن كلّ شيء لا نفهمه. إذا كنتُ غير حكيم فلماذا يجب عليّ أن أتظاهر بأنني حكيم؟ إذا كنت حائرا، فلماذا يجب أن أدّعي بأنني شخص لديه النصيحة الجاهزة لمعاصريه؟ وربما أن جودة التواصل بين البشر تعتمد على الاعتراف بحدود قدراتنا التي هي بشكل غامض حدود مشتركة للكثيرين، وليست كما كانت من قبل مئة أو ألف سنة؟ ربما عندما تأتي ضوضاء التحليلات والاستنتاجات من كلّ مكان، فإن الاقرار بعدم الفهم لن يكون غير مجدَ تماما؟ لقد قرأتُ الكثير من الكتب ولكن طولي لن يزيد سينتيمترا واحدا لو وضعتُ المجلدات فوق بعضها ثم وقفتُ عليها. مصطلحاتها العلمية غير مفيدة عندما نحاول التقاط الخبرات العارية الهاربة من المفاهيم المعترف بها. اللغة المستعارة توفر العديد من التسهيلات، ولكنها أيضا تقودنا بدون أن ندرك في داخل متاهاتها، إلى أن نستيقظ في ممراتها الغريبة، بلا أبواب خروج لنا. لذلك لا بدّ لي أن أقاوم وأنا أتأكد في كلّ لحظة بأنني لا أبتعد عمّا عشتُ فيه واختبرتُه بنفسي ولمستُه. لا أستطيع أن أخترع لغة جديدة وأستخدم تلك التي درسوني إياها، ولكنني أميّز (آمل ذلك) بين ما هو لي وما هو فقط موضة. لا أستطيع أن أتخلص فى ذاكرتي من الكتب التي قرأتُها ونظرياتها والفلسفات المتناحرة حتى أستعيد براءة لم توجد أبدا في أي مكان، ولكنه مسموح لي بأن أكون متشككا وأن أطرح أسئلة ساذجة بدلا من الانضمام إلى جوقة التأكيد والنفي.
الخجل. أنت شجاع لا تعرف الخوف لأنك بالـتأكيد لديك شيئا مهما تريد أن تعلنه للعالم وأنه لا أحد آخر سيستدعي لإعلانه. ولكن فيما بعد شعورك بالفردية التي لا نظير لها ودورك الفريد يضعفان، والتفكير في كل الناس الذين كانوا موجودين، والموجودين والذين سيكونون موجودين وهم يسعون ويتشككون ويؤمنون ويعلون فوقي بقوة المشاعر أو ذكاء العقل، يسرق الثقة في ما أسميه “أنا”. كلمات الصلوات منذ بضعة آلاف من السنين، الموسيقى السماوية التي نظمها ملحن بشعر مستعار مرتديا ربطة عنق، إذن ماذا أتى بي إلى هنا، لماذا أنا؟ ألا ينبغي أن أقدر حظوظي مقدما: إما أن أتطابق، أو أن أسكت إذا لم أستطيع أن أتطابق؟ الآن، في هذه اللحظة، عندما أضع هذه العلامات على الورق، عدد لا يحصى من الناس يفعل نفس الشيء، وستضاف أعمالنا التي بين أغلفة ملونة إلى حفنة المنتجات التي تضيع فيها العناوين والأسماء. وبالتأكيد في هذه اللحظة شخص ما يقف في المكتبة في مواجهة استعراض الطموحات العظيمة والمغرورة، ويقرر: ربما من الأفضل أن أسكت. جملة واحدة إن كانت ذات ثقل حقيقي ستكون كافية كحصيلة لحياة واحدة. ولكن هنا والآن لدي الشجاعة لأتكلم، تلك الشجاعة الثانوية، ليست تلك العمياء. ربما هو العناد في البحث عن تلك الجملة الواحدة. أو ربما هو نفس عدم الخوف القديم والطباع والقدر من أجل البحث عن حيل جديدة. على أية حال عزائي لنفسي لا يكمن بالضرورة في الدور الفريد الذي استدعيتُ للعبه بل بالترتيب الفسيفساءي لهذا الاجمال الكبير، الذي يتكون من محاولات جزئية وإن كانت عشوائية لناس مختلفين. أنا هنا، جميعنا في “هنا” ما والشيء الوحيد الذي يمكننا أن نقوم به هو محاولة التواصل بين بعضنا البعض.

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق