.

حبر أليف شفق يتغذّى من حليب أمومتها

مايا الحاج

عبر تباين لفظي صريح، يأتي عنوان «حليب أسود»- بصيغته المجازية- ليختزل روح الكتاب الذي ألّفته التركية أليف شفق بُعيد تجربة الأمومة وما اتصلّ بها من خوف وكآبة وإلهام. يجمع العنوان بين كلمتين متضادتين بينما ترتكز مذكرات شفق على ثنائية متعاكسة: الأمومة والأدب.
ويُعدّ هذا العنوان «حليب أسود» (الآداب، ترجمة محمد درويش) بمثابة نصّ موازٍ يعمل على إضاءة مستويين، أو لنقل عالمين منفصلين وإنما متجاورين في حياة الكاتبة. أيّ كاتبة تختار الأدب هويةً من دون أن تعرف ما إذا كان ممكناً تجاهل هويتها الأولى، الأنوثة؟
هذا الصراع الذي تعيشه عادة الكاتبات (الإناث) من دون الكتّاب (الذكور) كان أكثر عمقاً في تجربة التركية أليف شفق التي استبدّ بها شعور مفاجئ بالعجز عن الكتابة، بُعيد ولادة طفلتها الأولى. لكنّ المذكرات لا تبدأ من لحظة الولادة كما قد يُخيّل الينا، إنما من الماضي الأبعد. «من اللحظة التي بدأ فيها كلّ شيء».
كلّ شيء كان يسير بهدوء وانتظام في حياة أليف شفق، الكاتبة التي حققت حلم طفولتها بأن تصير راوية حكايات. كتبت قصصاً راودتها خلال أسفارها الكثيرة، فحققت سريعاً شهرةً ومكانة مرموقة في الأدب التركي المعاصر. حضور أبطالها المتوهج دوماً في مخيلتها عوّض لها عن وحدةٍ عاشتها، هي الفتاة الوحيدة لأم عزباء عملت في السلك الديبلوماسي. كانت الأمور تتعاقب في حياتها عادية إلى أن ساورتها هزّة داخلية عقب سؤال طرحته عليها الكاتبة التركية المعروفة عدالت آغا أوغلو حين التقتها في منزلها: «وأنت؟ أتفكرين في موضوع الأمومة؟» (ص 62).
فجأة، انتابتها موجة من الذعر وكأنها متأخرة عن شيء مهم يكاد يهدم حياتها، من دون أن تعي ما هو تماماً. «كم عمري؟ خمسة وثلاثون عاماً. تبدأ الأرقام بالصعود مثل الأرقام المدونة على مضخة الغاز. كم عاماً آخر يمكنني أن أؤخر قرار إنجاب الأطفال؟» (ص 85).
يبدو هذا السؤال عادياً حين يراود امرأة «عادية» تجاوزت سنّ الثلاثين، لكنّ وقعه لا بدّ أن يكون مختلفاً حين تطرحه روائية معروفة بآرائها النسوية، كتبت مرّة «بيان الفتاة العازبة» وصرحت مراراً بأن الزواج يعني طلاقها من الأدب، بل تبنّت مقولة سيمون دو بوفوار المقتبسة عن تعبير هيغلي: «ولادة طفل تعني موت والديه». أضف الى ذلك أنّ صاحبة «لقيطة اسطنبول» عاشت حياتها من دون أن تعرف صورة أبيها، فرفضت أن تحمل اسمه في توقيعها الأدبي واختارت كنية لا تتغيّر بزواج أو طلاق. هكذا، حافظت على اسمها الذي تحبه «أليف» واستعانت باسم أمّها «شفق» (حمرة الغروب باللغة العربية ويكتبها بعضهم شافاق).
هذه العوامل النفسية والفكرية والشخصية كانت تُباعد يوماً تلو آخر أليف شفق، الكاتبة الناجحة، عن فكرة الزواج وبالتالي الأمومة. لكنّ التأثير الذي تركه سؤال آغا أوغلو فيها خلّف فيها «لخبطة» لا تفسير لها سوى أنها غير رافضة تماماً فكرة أن تصير «ماما». ويستمرّ هذا الصخب الداخلي جرّاء سؤال لم تتوقعه، ومن ثمّ يتّخذ شكل حوارات جوّانية مدوية بين نساء صغيرات (أصبعيات) يسكنّ أليف شفق: الآنسة العملية، الآنسة التشيخوفية الطموحة، الآنسة الساخرة الرفيعة الثقافة، السيدة الدرويشة، ماما الرز بالحليب. تُعطيهنّ الكاتبة أسماء وأوصافاً وشخصيات، فكأنهنّ بطلات خفيات لا يراهنّ غيرها. تُناقش هؤلاء «الحريم»، وتسمع دوماً شجاراتهنّ: «إنهن مخلوقات متناهية في الصغر، لا يزيد طول الواحدة منهن عن الإصبع، أربع إلى خمس بوصات، وزنهن يتراوح بين عشر إلى أربع عشرة أونصة. هذا هو حجمهن. إنهن يحولن حياتي جحيماً. ومع هذا لا أدري كيف يمكنني العيش من دونهن».
ولما تجد نفسها أسيرة السؤال عينه، تمضي لتأخذ برأي الواحدة منهنّ: «أسمعت السؤال الذي طرحته عليّ السيدة آغا أوغلو؟ إنني لا أفقه جواباً له. أيمكن المرأة أن تكون أمّاً جيدة في الوقت نفسه؟ أأريد أن أنجب أطفالاً؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فمتى ولماذا وكيف؟» (ص 90).
تدخل هذه الحوارات المتخيلة بين «أنا» الكاتبة المنشطرة وبين «أنوات» متباينة في صميم الأحداث الواقعية التي عاشتها الكاتبة، بينما يتخللها نصوص سردية «توثيقية» عن كاتبات من تركيا وفرنسا وبريطانيا وأميركا واليابان، كانت لهنّ تجارب مختلفة في الأدب والزواج والأمومة.
تزوجت سيلفيا بلاث من الشاعر تيد هيوز وزيلدا فيتزجيرالد من الروائي سكوت فيزجيرالد، أنجبت الأولى ولدين والثانية طفلة واحدة لكنّ زواجهما كان مقبرتهما. قضت بلاث منتحرة وزيلدا محترقة في مصحة للمرضى النفسيين.
مورييل سبارك واحدة من أكثر المؤلفات الإناث تأثيراً في القرن العشرين. كتبت أكثر من عشرين رواية وأعمالاً مسرحية وقصصاً للأطفال، وعندما رحلت حضر جنازتها أصدقاء وكتّاب وناشرون وصحافيون، ما عدا ابنها روبن. فأيّ معاناة تسببت له بها مهنة أمّه ككاتبة؟ ولأنّ الكاتبة يجب أن تبقى قبل أي شيء آخر كياناً مستقلاً، اختارت أخريات من بينهن دوبوفوار عدم الإنجاب لأنّ الكتابة تتطلب تفرغاً وحرية وأنانية وأشياء أخرى تنتفي تلقائياً مع الأمومة.
وفي مقابل هذه النماذج، تحكي شفق عن بيرل باك، المرأة النوبلية ذات القلب الكبير، التي تحدت نظام التبني في أميركا حيث كان الناس يفضلون الأطفال البيض على السود والآسيويين، فتبنّت من هولاء الأطفال «غير المرغوبين» ثم أسست دار «مرحبا» (أول مركز عالمي متعدد الأعراق للتبني) من دون أن ينخفض مستوى غزارتها ونشاطها الأدبي. وجي كي رولينغ هي أيضاً من الكاتبات اللواتي شكلت أمومتهن مصدر إلهام لهنّ، فاستطاعت بعد ولادة طفلتها أن تكتب سلسلة «هاري بوتر» الشهيرة، فكانت أمومتها دفعاً لها الى الأمام.
إميلي ديكنسون، الشاعرة الإرلندية، كانت أمّاً حين نظمت قصائدها الـ1775، ولكن ما كان ممكناً أن تجد الوقت لهذا الإبداع لولا وجود مربية كانت تساعدها في الاعتناء بأبنائها. وقد وصل الأمر ببعض الأبناء إلى المسير على نهج، على غرار ديفيد ريف، ابن سوزان سونتانغ، أو غي جونسون الذي اختار أن يصير شاعراً بوحي من أمه مايا أنجلو، أبرز الأصوات الشعرية الأميركية المعاصرة.
استحضرت شفق بأسلوب روائي جذّاب يُزاوج بين الواقع والتخييل، حياة بعض زوجات الكتاب اللواتي تجاهلن رغباتهن الذاتية من أجل تأمين بيئة مثالية لـ «الكاتب – الذكر». تكتب عن زوجة ليو تولوستوي التي قضت حياتها إمّا حاملاً وإما مرضعة، فأنجبت له ثلاثة عشر ولداً، واهتمت بكل تفاصيلهم وتفهمت مزاج زوجها الذي أبدع- وسط عائلته الكبيرة- روائع الأدب العالمي. وقدّمت كذلك مقاربة بين فكرتي «الأمومة» و«النسوية»، فانطلقت من سؤال فرجينيا وولف عما إذا كان ممكناً أن تحقق شقيقة شكسبير- مثلاً- ما حققه في ظل بيئة لا تشجع الفتاة أصلاً على تطوير شخصيتها الإبداعية؟ فتفترض المؤلفة أنّ للشاعر محمد بن سالم فضولي (شاعر عثماني كبير نظم الشعر بالتركية والفارسية والعربية) أختاً اسمها فيروز. تتصور أنّ هذه الأخت تمتلك موهبته الشعرية نفسها، تعشق الكتابة، غير أنها لا تجد الدعم الذي لاقاه هو، لأنّ الجميع يتعامل معها على أنّ «نهايتها» في بيت زوجها. وما إن تودّع مرحلة الطفولة حتى تبدأ لائحة الممنوعات والمحظورات بغية تشكيل شخصية أنثوية مهذبة يرضى عنها المجتمع الذكوري بنسائه ورجاله. فنراها أخيراً تمزق قصائدها التي خبأتها يوماً في خمّ الدجاج، وراحت تهتم بشؤون منزلها وأطفالها.
في «حليب أسود»، تزاوج شفق بين الحقيقة والخيال والتوثيق لتروي تجربة شخصية، بدأت باضطراب أمام سؤال عن الأمومة لتلتقي من ثمّ بأيوب، رجل حياتها، فتتزوجه في ألمانيا، بعيداً عن أي مظاهر احتفالية، والأهم عن الفستان الأبيض الذي تكرهه. وحين تكتشف حملها، تتنافر الأصوات الداخلية وتُحدث فوضى لا تلبث أن تتحول الى اكتئاب حاد بعد إنجاب طفلتها شهرزاد- زيلدا. ومن ثمّ تنهي كتابها باعتراف دالّ قد تقتدي به كاتبات كثيرات: «إنني في كل ما كتبت وكل ما فعلت، كنت ولا أزال ملهمة الإلهام كله وممتنة عظيم الامتنان لزيلدا (ابنتها) وظاهر (ابنها) ولجماليات الأمومة ومشاقها».
بعد الولادة ومشاعر العجز والخوف والاكتئاب، عادت أليف شفق بـ «قواعد العشق الأربعون» فصارت من أكثر الكتّاب مبيعاً في تركيا والعالم. وليس هذا الكتاب إلّا تعبيراً عن قدرة المرأة في أن تجعل من حليب أمومتها الأبيض حبراً أسود يُثري العالم ويُجمّله.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة