متابعات ثقافية و فنية

نذير إسماعيل.. خصوبة السواد

اكسم طلاع

لن يحضر نذير إسماعيل (دمشق – 1948- 2016) بعد اليوم إلى المرسم الذي يجتمع فيه مع بعض مجايليه من الفنانين التشكيليين السوريين في قبو الرواق العربي «خزان ماء دمشق القديم» الذي أضحى مقراً لاتحاد فناني دمشق ومقهاهم التاريخي «حيث الورشة الواسعة في القبو المكتظ بالحديث وسحب التبغ وكلام العابرين من بقية المدن السورية ليصادفوا بعض أصدقائهم القدامى.
لا شك بأن «أبو مهند» هو صديق الجميع والأكثر حكمة وتواضعاً، وهو العصامي الذي تعلم الفن وعلّمه وارتقى باختبار التجربة الإنسانية وهو المشاء والحافظة لمفردات النهار الطويل الذي مزقته قذائف الهاون فوق حي الأمين القريب من باب توما، حيث كان مرسمه الصغير المجاور لمرسم صديقه عبد الله مراد ومصطفى علي وغازي عانا وآخرين.
يبدو نذير أنه الوحيد الذي يمشي على مهل، هكذا كنت أراه، يتنفس على مهل وصولاً إلى منطقة العفيف المرسم الجماعي لبعض الذين فقدوا مراسمهم بفعل الحرب، هناك كانت استراحته الطويلة بين (الرواق) وبيته الكائن في حي الشيخ محيي الدين، مروراً بأنفاس من رحلوا والقادمين إلى ازدحام سوق الخضار الضيق. هناك كان يشعل سيجارته الأوكسيجينية، عند تلك الزاوية أذكر كان هناك صنبور ماء، لم يبق منه إلا ما كنت أسمعه من ارتطام طاسة الألمنيوم على الرخام لأشعر بانطفاء الظمأ وتجلي الدراويش تحت قميصي، ربما هي بركات بن عربي يا نذير ما زالت تحمي بعض النوافذ والحمام والأطفال من شظايا فوق المدينة لتسقط في صمت المكان على أسطح البيوت المشمسة.
تربى في بيت جده وتعلم الابتدائية في مدرسة الأيتام في شارع بغداد، وفي طريق العودة إلى البيت يقتضي مرور حافلة الميتم بشارع 29 أيار، والذي كان يقيم فيه أحد رسامي ذاك الزمان في نهاية أربعينيات القرن الماضي. كان ينشر ذلك الفنان لوحاته الزيتية أمام البيت، وبهذه الصدفة تولدت فكرة طفل الميتم أن يكون رساماً، لينتسب في ما بعد إلى دورة تعليمية في معهد الفنون، ولاحقاً طوّر معرفته بارتياده مراسم فناني تلك الفترة كان منهم فاتح المدرس الذي شجع إسماعيل على اختياره لمنحى التعبيرية في اللوحة والفكرة البسيطة.
في نهاية الستينيات ذهب نذير ومعه بعض اللوحات إلى بيروت ليعرضها للبعض ومنهم السيدة صاحبة صالة «ون» للفنون الجميلة التي طلبت منه العودة إلى دمشق، ورسم المزيد من الأعمال لتتمكن من اختيار الأفضل وكان لطفاً منها ألا تشعره بالفشل، يقول نذير حتى آخر أيامه: «إن كل ما نفعله ما هو إلا تجارب فاشلة.. الفشل علّمني. إنه أستاذي الأول».
إن عالم نذير إسماعيل هو عالم مليء باليتم والوحدة والصمت؛ مشغول بما يدور في الرأس وما تلوب به الفكرة وتصل إليه اليد ببساطة العارف والعادي من الجمال، إنه فنان البورتريه بلا منازع. طبعاً ليس بالمعنى السياحي الواقعي للرسم، بل بملامسة التراجيديا الإنسانية الفادحة، تسعة رؤوس على اللوحة ثلاثة منها مقلوبة؟! ربما ضرورة نبل التكوين في العمل الفني من ضرورات توازن هذا العالم المقلوب بفعل الغربة والوحدة وغياب نعمة اللون. إذ أصر نذير على استعمال المواد الطبيعية من الألوان والكحل العربي. إنها خصوبة السواد على الكرتون المحايد في أعمال الراحل، فلم يكن منحازاً للتزيين وغواية السوق، ولم يهمه إلا حكمته التي سكنته طيلة السبعين عاماً دمشقياً.
كم من الأشياء القديمة التي اشتراها من «سوق الحرامية» وكم تباهى بفرادة ما يملك! وكأنها منه قد سقطت في السوق سهواً مثلما تسقط أوراق الحور والدلب الواقفة على ضفاف بردى. كل ما حوله كان يشعرك بقداسة التواضع. نذير إسماعيل.. واحد منا بل أكثرنا وأبلغنا في حكمة الأشياء والمتقشف الصامت عن الكلام، الكريم في ضحكته ونكتته وأفكار لوحاته. وداعاً يا نذير. أفتقدك اليوم أكثر، الآن عرفتُ أنني أحد تلك الرؤوس المقلوبة أعلى لوحتك وأكثرها حزناً.

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة