متابعات ثقافية و فنية

مهرجان روما: حضور أميركي طاغٍ وغياب كامل للأفلام العربية

عرفان رشيد

انطلقت الدورة الحادية عشرة من مهرجان (احتفال) روما السينمائي في العاصمة الإيطالية أمس (الخميس ١٣ تشرين الأول/ أكتوبر) وتستمر حتى الـ٢٣ منه. ومثلما أَهدت إدارة مهرجان البندقية (فينيسيا) الدورة الثالثة والسبعين من المهرجان في سبتمبر الماضي إلى كبيرَيْ السينما العالمية مايكل تشيمينو وعبّاس كياروستمي، فإن من المؤكّد أن تُهدى دورة «احتفال روما السينمائي» إلى كبيرين آخرين، هما رئيس المهرجان وعميد النقد جانلويجي روندي الذي توُفيَ قبل ثلاثة أسابيع وإلى أستاذ السينما البولندية آندريه فايدا الذي قطعت عليه المنيّة طريق الوصول إلى روما ورحل عن دنيانا قبل خمسة أيام فحسب من انطلاق الاحتفال، الذي كان سيحتفي به ويُطفئ معه الشمعة التسعين برفقة شريطه الأخير «Afterimage»، وكان قد اختاره مدير المهرجان أنتونيو موندا ضمن البرنامج الرسمي لهذه الدورة كدليل على أهمّية الفيلم وليس لمجرّد الاحتفاء بهذا المايسترو الكبير الذي فتح بأعماله الكبيرة طريق العالمية للسينما البولندية منذ سبعينات القرن الماضي وشكّلت تلك الأعمال ومواقفه من نظام جيريك موضوعة أساسية من السجال مع ذلك النظام الذي كان قائماً في بلاده وضد ممارساته وحجره حرّية المواطن البولندي. وبصرف النظر عن المواقف الفكرية والأيديولوجية عمّا آلت إليه في بولندا، بالذات في ما يختص بصعود اليمين السياسي فيها، فقد كانت مساهمة فايدا ومثقّفين علمانيين آخرين هامة للغاية في وضع نهاية للنظام الشمولي الذي كان سائداً في بوندا.
وقبل أسبوع واحد من رحيل آندريه فايدا، كان احتفال روما أعلن عن إضافة نجم آخر إلى الذين سيحضرون المهرجان للقاء الجمهور، وهو النجم الأميركي فيغو مورتسين، والذي سيتحدث إلى الجمهور عن تجربته السينمائية للسنين الثلاثين الماضية، والتي نال خلالها الشهرة العالمية بعد أدائه البطولة في الأجزاء الثلاثة من شريط «سيّد الحلقات» وترشّح للأوسكار والغولدن غلوب ونال العديد من الجوائز والترشيحات الأخرى.
وينضم مورتسين إلى نجوم آخرين سيحتفي بهم الاحتفال، إذْ ستُمنح جائزة « الحياة الفنّية» إلى توم هانكس، كما سيُحتفى بكل من ميريل ستريب وأوليفر ستون وديفيد ماميت ودون دي ليلّو ودانييل ليبيكايند إضافة إلى نجم غناء الهيب هوب الإيطالي لورينتسو جوفانوتّي.

تغييب متواتر للسينما العربية
وكقرينه الأكبر والأعرق، مهرجان البندقية (فينيسيا) السينمائي الدولي، تغافل مهرجان روما أيضاً عن السينما العربية، وحلّق على الخارطة العربية «من دون أن يجد فيلماً واحداً يستحق أن يُختار ضمن برنامج المهرجان»، كما يقول مديره الفني آنتونيو موندا في هذا الحوار الخاص الذي أجريناه معه قُبيل انطلاق المهرجان ببضعة أيام، وحين أكّدنا له بأن من غير المعقول والمقبول غياب سينما تمكّنت خلال سنة واحدة فحسب، منذ سبتمبر ٢٠١٥ وحتى سبتمبر ٢٠١٦، من نيل ثلاثٍ من أهم جوائز مهرجاني فينيسيا وبرلين، وخصّص لها مهرجان «كان» افتتاح برنامج «نظرة ما» بفيلم «اشتباك» للمصري محمّد دياب. يقول المدير الفني لاحتفال روما إنه لا يؤمن بمبدأ المحاصصة الجغرافية سينمائياً، «فأنا» كما يقول «لا أختار الأفلام التي تعرض ضمن مهرجاني وفق مبدأ «الكوتا»، أي بمعنى أنني لا أنحو إلى أن يضمّ برنامجي مثلاً ثلاثة أفلام للمخرجات وفيلماً لمخرج مِثلي، وآخر لإسرائيلي وإثنين لعربيين، وهكذا دواليك.. أنا أختار الأفلام التي تتلاءم والفكرة التي أود أن ينطبع بها البرنامج». ويُضيف موندا «ومع هذا، ففي البرنامج فيلم إسرائيلي وآخر إيراني»، وحين نُلاحظ له ومعه بأن كلا الفيلمين ليسا عربيّين، يبتسم ويقول: «كنت أعني أنني مهتم بتلك المنطقة الجغرافية وبالثقافة العربية بشكل عام، لكني لم أحصل على فيلم عربي يستحق أن يكون ضمن الاختيارات، ومتى ما وجدت ذلك الفيلم فسأكون في غاية السعادة أن يكون ضمن برنامجي».

الملصق بالأسود والأبيض
ويتضمّن بوستر الدورة الحالية لقطة حبور وخفّة جميلة لجين كيلّي وسِيدْ تشاريس، اقتنصها جَي آر إييرمان مصوّر مجلة «لايف ماغازين» في لحظة سحرية خلال التدريبات لتصوير أحد المشاهد الشهيرة من فيلم «غناء تحت المطر» من إخراج جين كيلّي نفسه برفقة ستانلي دونين (١٩٥٢)، وتمثل تلك اللقطة لحظة تخيّل جين ميلّي وهو يراقص سيد تشاريس في حفلة. ويأتي هذا الاختيار لاستذكار الذكرى العشرين لرحيل جين كيلّي، وهو الفنان الذي ترك أثراً عميقاً في تاريخ الفن السابع بفضل موهبته الكبيرة وقدراته المتعدّدة، وقد منحت مؤسستا إيماج ترست وتايم إنكوربوريشن المهرجان حق استخدام تلك الصورة.
ويقول المدير الفني لمهرجان روما السينمائي الدولي أنتونيو موندا، إن «تلك الصورة تختزن في صلبها بشكل رائع كُنه الأناقة والفرح معاً، وهما ما أسعى لمنحهما إلى المهرجان هذا العام، فحركتا سِيدْ تشاريس وجين كيلّي تمنحاننا فضاء الحلم، وأرغب في استذكار هذا العمل السينمائي الكبير الذي تمكّن من المزج بين الجماهيرية والشفافية الساحرة معاً».
وهنا نص الحوار الذي أجرته «الحياة» مع المدير الفني لمهرجان «احتفال» روما السينمائي الدولي آنتونيو موندا:
> دكتور موندا، ها نحن ومهرجانك يبدأ الدورة الأولى من عقده الثاني، الدورة الحادية عشرة. أيُّ مهرجانٍ سيكون؟ أو بالأحرى كيف ندعوه: «فيستيفال- مهرجان روما السينمائي» أم «فيستا- احتفال روما السينمائي»؟
– «كنت سأُصّحح السؤال.. هو بالفعل «احتفال روما السينمائي» وليس مهرجان روما، فمنذ أن تولّيت إدارته استعدت تسمية «فيستا- احتفال»، وهو ما يعني أنه لا وجود لمسابقات ولا لجان تحكيم، والجائزة الوحيدة فيه هي جائزة الجمهور، كما لا وجود لعريفات حفل أو عرّابات احتفال، لا شيء من كل هذا. إنه، أي الـ «فيستا»، احتفاءٌ حقيقي لأفضل ما تقدّمه السينما العالمية في هذا الوقت. وتشارك معنا ٢٦ دولة مشاركة في هذه الدورة وما يربو على أربعين عنواناً للأفلام إضافة إلى البرامج الاستعادية والتحايا لعدد من المبدعين و «اللقاءات عن كثب» مع عدد من نجوم السينما العالميين. وأنا فخور للغاية بهذا البرنامج وسعيد بالاستقبال الحسن من قبل أجهزة الإعلام.
واعتمدت اختياراتنا على ثلاثة مرتكزات أساسية هي: التنوّع والنوعية والعالمية، وربّما كان مُرتكز «النوعية» هو الأهم ضمن الثلاثة، إذْ ليس هناك عمل اخترناه، ابتعد عندي وعند أعضاء لجنة الاختيار، من ضرورة امتلاك النوعية الجيّدة».

أميركا.. أميركا
> ثمة حضور كبير وواسع للسينما الأميركية ضمن اختياراتكم هذه السنة، ليس كأفلام فحسب، بل أيضاً كحضور لنجوم من تلك السينما.
– «ليس بالإمكان إنكار أن السينما الأميركية هامة للغاية وثريّة للغاية وتثير الاهتمام دائماً، وأودّ الإشارة إلى أن مهرجان البندقية أيضاً منح هذا العام مساحة واسعة للسينما الأميركية، وتضمّن البرنامج حوالى أحد عشر فيلماً. أمّا في ما يتعلّق بنا، فهناك نجم كبير، وهو توم هانكس الذي سيحضر ليتسلّم «جائزة الحياة الفنيّة»، وهناك اهتمام بالسياسة الأميركية، فنحن في عام الانتخابات الرئاسية، وهناك، قبل كل شيء اختيارٌ لمجموعة من الأفلام الهامة كآخر أعمال أوليفر ستون «سنودين» وصولاً إلى مخرج شاب واعد مثل آدام ليون بفيلمه «Tramps». اهتمَمْنا بالسينما الأميركية التي عادت إلى إنتاج أفلام جميلة للغاية، وذلك في مواجهة موجات أفلام الـ «بلوك باسترز» السطحية. ومن بين اختياراتنا فيلم « Moonlight» بيرّي جينكيز الذي نفتتح به هذه الدورة، و «Manchester by the Sea»، لكينيث لونيرغان، وهما الفيلمان اللذان أراهن أننا سنراهما ضمن ترشيحات الأوسكار لهذا العام».
> وأي سينما إيطالية سنشاهد في دورة احتفالك هذه السنة؟
– «ستكون لدينا أربعة أفلام إيطالية فحسب، لأنني أنحو دائماً إلى اختيار عدد قليل من الأفلام الإيطالية، في العام الماضي اخترت ثلاثة أفلام فحسب، وأفلام هذه السنة الإيطالية هي «نابولي ٤٤» وهو الأعداد عن كتاب نورمان لويس الشهير بذات العنوان، و «٧ دقائق» لميكيلي بلاتشيدو، و «شمس وقلب وحب» لدانييلي فيكاري، واكتشاف جديد هي المخرجة كارين دي بورتو بفيلمها «ماريا تجول في روما»، وأعتبر هذا الفيلم رهاننا الأساسي لهذا العام، لأنه من اكتشافنا وأنا مهتم به بشكل خاص».
> دكتور موندا، منذ سبتمبر من العام الماضي وحتى سبتمبر هذا العام حققت ثلاثة أفلام عربية (تونسيّة) ثلاثة من أهم الجوائز في مهرجاني البندقية وبرلين، فبشريطها «على حلّة عيني» فازت ليلى بوزيد بجائزة «أيام المخرجين في فينيسيا» العام الماضي وفي فبراير فاز فيلم «نحبّك يا هادي» بالدب الفضّي في مهرجان برلين، وقبل أسابيع فاز فيلم «آخر واحد فينا» لعلاء الدين سليم بأسد المستقبل «الأسد الفضّي» وجائزة دي لاورينتيس، ولم يكن ضمن اختيارات آلبرتو باربيرا في البرنامج الرسمي. أيعقلُ أنّكم، في احتفالك في روما وباربيرا في البندقية، لم تعثروا على فيلم عربي يستحق أن يكون ضمن اختياراتكم؟ ليس هذا تساؤلاً للمساجلة أو النقد، بل لمعرفة حالة.
– «لا، بالطبع هذا تساؤل مشروع.. أنا لو كنت عثرت على فيلم واحد عربي من المستوى الذي أبحث عنه لأخذته بسعادة، من تلك المنطقة الجغرافية لدينا فيلم إسرائيلي بعنوان «Land of the Little People» ليانيف بيرغمان، ويروي بشكل مباشر وغير مباشر عن مآسي تلك الأرض، ولدينا أيضاً فيلم إيراني، وأعلم جيّداً أنك لا تعتبرهما عربيّين…».
> ليست المسألة اعتبارهما عربيّين أم لا.. فهما ليسا بعربيين بالفعل.
– «أعرف ذلك جيّداً.. لكنّي فقط أقول إن تلك المنطقة الجغرافية تعنينا كثيراً، وبمقدار ما يتعلّق الأمر بي، فإنّي أقول لك إنني معنيٌ جداً بالتقاليد وبالثقافة العربية، وأقول لك أيضاً إنني لم آخذ في الاعتبار منطق المحاصصة، فمنذ بدأت بإدارة هذه التظاهرة أعمل على تجنّب اختيار الأفلام على أساس اختيار ثلاثة أفلام لمخرجات مثلاً، فيلمين لمخرجين يهود وآخر لمخرج مثلي أو فيلمين لمخرجين عرب. لست معنياً بمنطق « الكوتا» بل أعمل وفق منطق آخر، في هذه السنة لم نعثر على فيلم عربي يتناسب وبرنامجنا، وسأكون سعيداً للغاية لاختياره في العام المقبل إذا ما وجدناه».

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة