.

رحيل عاشق اللغة العربية فاروق شوشة

أحمد فضل شبلول

لم يمهله القدر للاحتفال بمرور خمسين عاما على برنامجه الإذاعي اليومي الشهير “لغتنا الجميلة”، فقد رحل عن عالمنا فجر اليوم الشاعر الكبير والإعلامي القدير فاروق شوشة الذي أثرى مكتبتنا العربية والإذاعية والتلفزيونية بعشرات الكتب والبرامج المهمة.

ذكر لي صديقي الكاتب الصحفي مصطفى عبدالله أن فاروق شوشة كان يعاني من التعب والإجهاد في الأسابيع الأخيرة، ولكنه استطاع أن ينتزع منه حوارا صحفيا مطولا يعد آخر حوار أجري مع شاعرنا الراحل.

وقال عبدالله إن الشحوب والإرهاق كانا يعلوان وجه فاروق شوشة في الأيام الأخيرة، وفي اجتماعات لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة كان يتكئ على زميله الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبوسنة في تحركاته وقيامه وقعوده.

فور سماعي بخبر رحيله، اتصلت بمصطفى عبدالله للتأكد من صحة الخبر، وبدورها اتصلت زوجته الإذاعية والكاتبة منة الله سامي بزميلتها الإذاعية يارا فاروق شوشة محررة النشرة الدولية بالبرامج الفرنسية، فتأكد الخبر.

رحل فاروق شوشة عن عالمنا وهو في الثمانين من العمر. ففد ولد بقرية الشعراء بمحافظة دمياط عام 1936 وحصل جائزة النيل لعام 2016 وهي أرفع جائزة يحصل عليها الأدباء المصريون.

من أعماله المتعددة ديوان “الجميلة تنزل إلى النهر” الذي احتوى على عشر قصائد طويلة نوعا ما، يتضح فيها بجلاء صوت الوطن، وأزمة الشاعر النفسية إزاء ما يحدث في فلسطين المحتلة، وفي العراق الشقيق، وفي أماكن شتى من الوطن العربي والإسلامي الكبير.

وقد تغلغلت هذه الأحداث في ضمير الشاعر، وفي إبداعه، فصار الكلام عنها يأتي بطريقة عفوية تماما، وانحراف المسار الذي قد نلاحظه في بعض القصائد، مثل قصيدة “أيها الصيف الذي ولى سريعا” يدل على تغلغل هذه الأحداث في لا وعي الشاعر، أو في كيانه، بحيث إنه عندما يتحدث عن الصيف الذي ولى سريعا، فيرحل العشاق وينفض السامر ويشحب الضوء في الأفق، ويصطخب الموج على الشاطئ .. إلى آخر هذه اللوحات المستقاة من الطبيعة، فإن هذا الكلام لا يبشر بحديث عن الانتفاضة الفلسطينية وعن شهداء الأرض المحتلة، ولا عن مآسي بغداد، وتشظي قمر الكرخ على جسر الرصافة .. الخ. ولكنها خبرة الشاعر الطويلة وتمكنه من أدوات التعبير، تجعله ينجح في إدارة القصيدة على هذا النحو غير المتوقع. فكل المقدمة التي كتبها الشاعر عن الصيف، والتي قال في جزء منها:

كم تمنينا

لو انهلت علينا

بنثارات من الأنس الذي تحمل

كي يشرق فينا

والتجاريب التي تدفنها كفاك

ما بين الرمال

بعد أن داس عليها العابرون

ـ يطمس الرمل الخطى

والناسَ،

والصبوةَ

والأحلامَ

والفتكةَ

واللهو البرئ ـ

ثم لا يترك فينا

غير إحساس غريب

ودوار

كل هذه المقدمة لم تكن سوى استعطاف لفصول الطبيعة كي تُبقي على فصل الصيف، أو تجعله يمتد طويلا. لماذا؟ لأن في القدس شتاءً قادما أثقل من كل شتاء، أو كما يقول الشاعر مخاطبا فصل الصيف:

قفْ تمهلْ

إن في القدس شتاء قادما

أثقل من كل شتاء

وعيونا ـ رغم عصف اليأس ـ

فيها ومضة من كبرياء

ترقب اللعبة في الأيدي بلا أي انتهاء

وترى الباغين أقزاما

وما يبنونه تلا على الرمل

هواءً في هواء.

بدأت مسيرة الشاعر فاروق شوشة الشعرية عام 1966 بديوانه الأول “إلى مسافرة”، ثم توالت الدواوين الشعرية والأعمال الأدبية المتنوعة.

ومن دراساته الأدبية المتعددة كتاب “أصوات شعرية مقتحمة” حيث يتناول بالدراسة أربعة عشر شاعرا مصريا معاصرا يتوقف عندهم طويلا من خلال مقالات أدبية، قوامها المحبة التي تهدف إلى الكشف عن هذه الأصوات الشعرية التي يرى ـ الشاعر ـ أنها لم تنل ما تستحقه من اهتمام نقدي. وهي في مجموعها، وتنوع أنغامها، واختلاف مساراتها وأعمارها، تشكل صفحة أو صفحات، من ديوان الشعر المصري المعاصر.

(ميدل ايست اونلاين)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة