فن تشكيلي

شربل فارس في محراب الريشة والإزميل.. حنين العودة

كامل جابر

لم يخلع شربل فارس، يوماً، ثوب الحنين نحو مسقط رأسه «صربا» (جنوب لبنان)، بالرغم ممّا منحته إيّاه العاصمة من مجالات عمل وطموح فني، في الرسم والنحت، وكذلك في الصحافة والكتابة والنقد والمعارض، إذ كلما لاحت أمامه بارقة أمل في العودة إليها، أسرع مهرولاً ليبني فيها حلماً يراوده منذ اليفاعة، وربما منذ الطفولة. لذلك لم يكن غريباً بعد تعثّر حلم المعرض الدائم، المتحف، في «واحة» جدّه «الدقّاق» منذ عشرين سنة، لأسباب مختلفة، منها الأمنية وربما السياسية، أن يشرّع حديقة بيت «التقاعد» الذي بناه أخيراً في صربا، لتكون معرضاً مفتوحاً لأعمال النحت والرسم، من جديده وقديمه، تحت عنوان «في محراب الريشة والإزميل».
ربما يكون العنوان خير معبّر عن أن العودة إلى «المحراب» الأول لا تمنع قيامة محترف ودوام الإنتاج و «الإبداع» ولو بعيداً عن بيروت.
في العام 2013 عرض شربل فارس نحو ستين قطعة من أعمال النحت والرسم بعنوان «مختارات» في جامعة البلمند، بينما كان يحضر للإقامة «النهائية» في قريته صربا؛ سبق ذلك «الراقصة والحصان» (2012) الأوسع عرضاً في قاعة قصر الأونيسكو في بيروت. أما، اليوم فمعرضه يختلف عن كل سابقاته، إنه معرض «المحراب». إذ «دعا المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» و «جمعية بيت المصور في لبنان»، وبالتعاون مع «جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت» إلى لقاء «فنّي» بين النحت والرسم، في حديقة الفنان بعنوان: «في محرابِ الإزميل والرّيشة»، يتخلل اللقاء: جولة على أعمال النّحت والرّسم، وكلمات عن تجربة فارس، الرابعة بعد ظهر اليوم السبت 16 الحالي.
نزوره في بيت إقامته في صربا ونسأله عن العودة، فيجيب:
«من زمان كانت لدي رغبة في العودة، لكن الظروف لم تساعدني ولم يكن لدي بيت يتسع لطموحي، فضلاً عن الظروف السياسية التي لم تساعدني أصلاً في هذه العودة عندما بدأت بواحة ثقافية وفنية هنا في صربا واستمرت نحو خمس سنوات ثم توقفت لأسباب موضوعية. قد تكون هي التي أخرت العودة، ولأنني في الوسط الثقافي، وبيروت هي عاصمة دائمة للثقافة، أو بالأحرى كانت، لذا مارست في آخر ثلاث أو أربع سنوات نوعاً من شدّ الهمة للعودة، ولسببين مباشرين: الأول سياسي، بسبب الوضع السياسي والاجتماعي في بيروت التي كنا نعتبرها عاصمة الثقافة للعالم العربي بأسره، واليوم أضحت عاصمة من العواصم العربية وليست عاصمة العالم العربي، ثقافياً على الأقل، ونحن تربينا فيها وساهمنا في جعلها تحت تسمية عاصمة الثقافة العربية، صرنا نشعر بأننا غير معنيين أو مبعدين بشكل غير مباشر عنها. والسبب الآخر هو حنين العودة إلى مكان الولادة وعدت».

عاد الحصان ليأخذ منحاه في أعمالك الأخيرة، رسماً ونحتاً، فلماذا هذه العودة أيضاً؟
ـ «في معرض «الراقصة والحصان» الذي نفذته كله في بيروت كنت أراهن آنذاك على العالم العربي وما يسمى بـ«الربيع العربي» على أمل التحول والوعي ورفض الواقع المعاش، لكن وبرغم إيماني بهذا الحلم، ثمة خيبة أصابتنا وأصابتني وذكرتني بقول لجدي ردده أمامي في بداية حراكنا السياسي، كحركة وطنية: «يا بني، في صراع الدول إحفظ رأسك» إنه صراع دول وليس صراع منطقة أو في سبيل المبادئ، فأدركت معايشتي لما يجري اليوم في سوريا وما يرسلونه من جيوش لتدميرها، أنني لن أصل إلى طموحاتي من خلال السياسة فرحت أحققه من خلال النحت والرسم. الراقصة والحصان انعكاس فني لأحلامنا التي نحلم بها. الحصان رمز لهذا الحراك، ومنه الحراك المدني الأخير في لبنان؛ لكن لا سرج فوقه أو لجام يلجمه، حر طليق. أما الراقصة فبمواجهته دائماً من خلال جسدها المتمايل فوق هذا الأديم، ثمة حوار رمزي بين هذه الراقصة وهذا الحصان، واستمر، مرة يسقط الحصان ومرة الراقصة، ما يمثل الحالة المعاشة، إلى أن شعرت أخيراً بابتعادهما، ليصير الحصان أكثر حزناً أو قيداً. التمثال الأخير كنت قد بدأته من قبل (ماكيت)، وكان لمّا يزل حرّاً، عدت وجعلته أكبر قياساً لكنه صار مقيداً، أما الراقصة فقد اختفت، لأن المرأة اختفت».

أنا على قيد الحياة
ولماذا الحصان لم يختفِ؟
ـ «الحصان موجود لأنه الحلم، والأمل، أحلامنا نحن كجيل ويقيننا أنه إذا اختفى الحصان فنحن سنختفي. طبعا لا يتواجد الحصان في كل أعمالي، لأن ثمة تداعيات أخرى تحضر، لكن الحصان يطل بين فترة وفترة، ليؤكد وجودي أنا، على قيد الحياة حتى لو اعتزلت في ضيعتي وفي محترفي، وثمة إمكانية لأن أطل ولو من بعيد على العالم. لن أظلم الحصان وأجيره فقط لما يجري في سوريا فحسب، أو في مصر أو غيرها، هو موجود أصلاً إنما من دون حراك، بسبب السرج أو اللجام، ويعتليه فارس، في السنوات الأخيرة راح يتحرك بحرية أكثر، نزع عنه كل القيود، حتى الفارس الذي كان يقيد مسيره».

لكنك أسميت إحدى لوحاتك الأخيرة «عودة الفارس»!
ـ هذا الفارس أسماه الصديق ميشال معيكي «دونكيشوت 2016». الفارس عاد مطأطئ الرأس فوق الحصان، هو والحصان بحالة مزرية، أحلم في أن يعود بعد هذه الكبوة، هكذا رأيته، لا سيما في ذكرى انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية التي رسمت يوميات كثيرة منها بالأسود والأبيض في الصحف، هي نوع من «نوستالجي» إنما في الواقع عاد ببرودة لافتة وخلفه ظل أسود واسع، إلى جانبه اللون الأحمر، الغضب والثورة، ليس قصدي هنا المقاومة الوطنية، إنما ذلك يمثل الفارس الذي كنت أحلم به، هي انعكاسات مترددة غير متواصلة».

العودة إلى صربا هل لأن المقام ضاق بك ببيروت أو هي صورة حلم جربته مرة، لم ينجح فتعاود الكرة، لا سيما أنك حولت مقر إقامتك إلى محترف ومعرض في آن معاً؟
ـ «هما عودتان، العودة الأولى (1996) كانت عودة فنان مشهور لديه مشاريع ستساهم في فكرة التحرير (لاحقاً)، إذا ما تحرر الجنوب، وكانت الفكرة أن نحول كل بقعة فيه إلى فرح ونشاط وثقافة غير مدينية. كانت مغامرة، تتضمن نشاطات مختلفة بينها الثقافة والمسرح والسينما والنادي، هذه المغامرة أغرقتنا وأغرقت معي كل عائلتي، إنما للأسف، كنت، في حينه، حالماً لأن الواقع كان مغايراً، ما سبّب لدي صدمة دفعتني إلى الانكفاء والعودة إلى بيروت.
أمّا العودة الثانية فتختلف تماماً، لأنها عودة شخصية، عودة نسك، ليس لدي ما أقدمه على المستوى الشخصي بعد كل الذي كنت أشارك فيه، من نشاطات ثقافية، في المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، على مدار السنة، إلى معارض شخصية وجماعية. في البداية اعتبرتها عودة المهزوم، لكن بمجرد انصرافي إلى الرسم والنحت، زاد زخمي في الشغل، وعدلت عن التسمية لأسميها عودة إنسان ليتفرغ إلى النحت والرسم، إلى الطبيعة، إلى رياضة المشي، لكنني انكفأت عن كل عمل سياسي واجتماعي كنت غارقاً فيه، هذا ليس يعني أنني ضده، لكنني أعتبر نفسي أنني لم أعد قادراً على القيام بمثل هذه المهام».

للمرة الأولى تحول مكان سكنك إلى معرض، هل لأنك تراها مناسبة وترغبها؟ أو نزولاً عند رغبة المجلس الثقافي للبنان الجنوبي وجمعية بيت المصور في لبنان؟
ـ «في واحة الدقاق سنة 1996 أقمت معرضاً أسميته «25 عاماً من الرسم والنحت» على أمل أن يتحول إلى معرض دائم للرسم والنحت، ومسرح لنشاطات متنوعة. المرة، يختلف الأمر، في هذه البقعة الجغرافية الصغيرة المسيجة، ولها بوابة حديدية كبيرة، ثمة عودة للذات، لكنها منتجة، وتشكل لي مفاجأة حول زخم الإنتاجية الفنية، لذلك من حق المتابعين لنشاطي السابق الفني وحتى السياسي أن يتعرفوا على جديدي، وماذا فعلت في مكان إقامتي وشغلي، على مساحة 4000 متر مربع، أستثمر حالياً ربعها. سأعرض ما هو موجود في صربا، نحو 60 قطعة تتفوق فيها أعمال النحت. أقول ما هو موجود في صربا، لأنه إبان عدوان 2006 تحطمت أو تضررت مجموعة من أعمالي بسبب تعرض الواحة التي تحاذي ثكنة الجيش للقصف، بعدها وزعت أعمالي في أمكنة ومناطق عدة في لبنان، عند الأصدقاء والأقارب والأحبة، وما سأعرضه يتضمن عينات من مختلف المراحل، وخصوصاً الأعمال الأخيرة».

(السفير)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة