الرئيسية / سينما و تلفزيون / ‘هي’ .. المزج بين الرعب والكوميديا

‘هي’ .. المزج بين الرعب والكوميديا

حميد عقبي

تزداد تعقيدات الواقع لتصنف بعض الظواهر الخطيرة كحوادث يومية وأحيانا عادية، فالتحرش والاغتصاب تصنف في خانة الجرائم الفظيعة، لكننا نعايشها وربما نتكتم عليها فتتحول إلى الداخل لتولد مزيجا من الجنون والقوة المدمرة التي قد تدمر الضحية وتحيلها إلى وحش كاسر أو غصن واهن يضعف ويفقد وجوده كل يوم.

هناك من يرى أن فيلم “هي” للمخرج الهولندي بول فيرهوفن وبطولة النجمة الفرنسية إيزابيل أوبّير، يحاول اللعب في مجادلات متشعبة وعميقة. هذا الفيلم أثار الكثير من الجدل وبعضهم يرى أنه يضفي الشرعية على ثقافة الاغتصاب، هذه الشرعية لا تذهب إلا عن طريق علاج بطلة الاغتصاب وعلاقتها المغتصب لها.

الفيلم يحكي قصة امرأة تعيش حياة عاطفية معقدة ثم تتعرض للاغتصاب في منزلها، لكنها تحاول تجاوز الحادثة وتمضي للمارسة حياتها دون إبلاغ الشرطة، وتبدأ التحقيق بنفسها وفعلا تكتشفه وتتعلق به.

ما يحدث في فيلم “هي” للمخرج الهولندي بول فيرهوفن نرى (الانتقام) ضد المجتمع الأبوي، المرأة بحاجة للتحرر من ماضيها القاسي والملازم لها والذي يعود ويتكرر بوحشيته من الذكور الذين يقتلعون الفرح والسعادة ويتركون لها الألم والتعاسة كالأب، والزوج السابق، والعشيق وحتى الابن، لذلك عندما تتعرض ميشيل للإغتصاب تتكتم وتعد العدة للإنتقام وبعد معرفة المغتصب يحدث ما لا نتوقعه.

يمكننا التوقف مع المخرج بول فيرهوفن الذي يكشف في بعض حواراته أنه عالج رواية “اوه” للروائي الفرنسي فيليب جيان كونه وجد عالما مدهشا ومختلفا وموضوعا جديدا لم يسبق له طرحه وأعجبته الشخصية الرئيسية بما فيها من غموض وعنف وغرابة وهذا الفضاء سيكون عملا ساحرا بتمازجه مع عالمه الذي يتسم بالعنف والخوف وقد تعامل بحرية مع الرواية، هذا الفيلم يتسم بنكهة سينمائية فرنسية وقد خطط في البداية لتصويره في أميركا ولكنه أحسّ أنه لن يجد شعبية هناك ويصعب وجود ممثلة تقبل بالدور، لذلك تواصل مع إيزابيل أوبير وتحمس لها عندما علم أن فيليب جيان كان يفكر فيها خلال كتابته للرواية.

كما وضح أنه لا يميل ولا يعتقد العامل البسيكولوجي ولا يحب التلاعب به على الإضطراب النفسي ولا ينتمي لفكر فرويد ويرى أن كل شيء ممكن حدوثه وهناك أشخاص يتطرفون في سلوكهم وعنفهم وربما علينا أن نكسب ونقبل الناس وطبيعتهم بغض النظر عن نوعية هذه الطبائع، وهنا في فيلم “هي” نجد خطوات جيدة نحو الخير لتمضي أكثر إيجابية.

كما كشفت الممثلة إيزابيل أوبير العديد من النقاط المهمة خلال حواراتها الصحفية فذكرت أن في مثل هذه التجربة الفنية يمكن تجاوز العرض الأخلاقي للتسلل إلى عوالم خفية وراء الأخلاق حيث نتعمق في عالم آخر حيث الشر والألم فهنا الفيلم تجاوز من مرحلة الحدث كأنه شيء ووسيلة إلى مرحلة قيمته الموضوعية، فهناك تفكير داخلي عميق يداعب ويتفاعل بداخل الشخصية كونها تبحث عن السلام والأمان النفسي وتذوق طعم لذة الحياة رغم كل هذه المخاطر، فالمغتصب يظل حاضرا بقوة من بداية الفيلم إلى وقت اكتشافها له حيث تحدث تحولات مثيرة.

ووصفت المخرج فيرهوفن بأنه مخرج فريد من نوعه ويعلم بالضبط ما يريد من الممثل، وكل هذا تجده مدونا وأسلوبه السينمائي أشبه بمزيج لذيذ بين هتشكوك وشابرول، فهو قريب من الممثل ويناقش بهدوء تفاصيل دقيقة ومهمة قبل التصوير ورغم شهرته العالمية فهو متواضع فلا تهابه بل تحبه وهنا يحدث التفاهم مما يولد الألفة، كما إنه يعتني بالتكوين وحركة الكاميرا لتتفاعل بصدق مع حركة الممثل ويهتم بما يوجد خارج الكادر من فنون ومشاهد العنف والتوتر، فتتدفق الكثير من الأحاسيس، فهو يعرف من البداية ما سيعرضه وما سيخفيه عن المشاهد ومعروف بميوله للغموض وحذف الكثير من الأحداث لخلق التشويق وإثارة المتفرج.

ووضحت أن فيلم “هي” يعطي صورة مهمة للمرأة المعاصرة حيث نجد الشخصية الرئيسية تحاول أخذ طرق للسيطرة على المخاطر حولها، وفعلا نلاحظ هذه القوة الغريبة فهي ليست خاضعة ولا مستسلمة ولا يحولها الإغتصاب إلى شريرة ومجرمة، نجدها باردة في بعض المواقف ثم تتغير لتصبح مرحة وتتوق للذة، فهي تطوع عناصر القوة لصالحها وتديرها بذكاء وهي لا تنتظر منقذا يأتي لدعمها كل هذا تم صبه في قالب إنساني وهي لا تنتهي في قاع الضياع.

رغم أننا مع فيلم يوصف بالمرعب ويمنع مشاهدته في الصالات السينمائية لمن أعمارهم أقل من 12 سنة إلا إن هنالك مواقف عديدة مرحة وكوميدية تثير الضحك، وهذا لا ينقص من قيمة الفيلم، هناك مشاهد وأحداث تنحت فينا القلق والتوتر وبعضها تراجيدي تجعلنا نشعر برعشة ثم نضحك لمفارقات جديدة وتمر أشياء لا نفهمها، يربكنا المخرج عمدا فهو يعطي الثقة بذكاء المتفرج ويدعوه للمشاركة وكونه أيضا يرى أن عالمنا وواقعنا يضج بقضايا وأحداث وسلوكيات غير مفهومة أو منطقية بل ومتناقضة.

الممثل الفرنسي لوران لافيت الذي قام بدور المغتصب يرى أن المخرج لم يحاكم شخصياته، هذه الشخصيات لا نفهم مبرارات سلوكها فهي تخيفنا لكننا نظل معها في علاقة وطيدة ليست مبنية على الشفقة ولا الكراهية، توجد قصة نستمتع بها ومعها رغم ما فيها من غموض وهو عندما يسند دورا للممثل فهذا يعني أنه يعرف قدرات هذا الممثل.

تتسم سينما بول فيرهوفن أنها ليست معقدة ومستحيلة رغم الغموض فهو في المشهد الأول يعطيك الخيار في الدخول والتعايش مع شحصياته أو الخروج وترك الفيلم وهو يضع ما يشبه العلامات المزيفة ويخادعنا قليلا ثم تكون سلسلة من المفاجآت.

بناء الشخصية الرئيسية في فيلم “هي” لا يمكننا فهم كينونتها في البداية ولا الوسط، لا يوجد خط مستقيم يقودنا إليها فهناك استكشافات تأتي عبر حوادث متفرقة هنا وهناك لكن الشخصية تظل المحور المهم. من المهم أن نذكر عدم قتلها للمغتصب ربما كون فيه كثير الشبه من أبيها الذي نكتشف في النهاية بأنه سفاح مشهور ومسجون وهناك من شك بمشاركتها الجريمة البشعة التي ارتكبها والدها المتوحش، وهي منفصلة عن الجميع وفي نفس الوقت تظل متعلقة بهم.

كل هذا ينعش العديد من التصورات المتناقضة ويزج بنا في عالم فيرهوفن ولا شيء يشبهه.

(السفير)

شاهد أيضاً

أيام قرطاج السينمائية دورة العودة إلى أفلام الجنوب وبلدانه

يسري وناس تقام الدورة الـ28 من مهرجان “أيام قرطاج السينمائية” الذي يطلق عليه “عميد مهرجانات …