الرئيسية / إضاءات / فاروق شوشه.. رحيل المغني

فاروق شوشه.. رحيل المغني

عباس بيضون

الصوت الرخيم الجياش بالحنو الذي كان يعرف كيف يشحن وهو يتلوها بإيقاعاتها ولحنها وصداها فتكون حقاً «لغته الجميلة»، وتكون حقاً إنشاده المسائي والصباحي. الصوت يتهدج ويترجح ويبوح ويناجي فيما تقاسيم الوجه وصفحة الخد وبريق العينين تطفح جميعها بالعبارة وتترقرق وتشف وتتلون بالمعاني والصفات والأحاسيس. لم يكن فاروق شوشه الذي فقدناه أمس إلا الشاعر، شاعر بالصوت وشاعر بالملامح والأمارات وشاعر بالقصيدة. فاروق شوشه كان الشاعر وعلى مثال الشاعر الموصوف: الرقة والدفء والحنان في عينيه وفي نبرته وفي كلامه، ثم هناك الأمانة، الأمانة للغة التي أرادها قضيته، الأمانة للأرض والوطن. لعل فاروق شوشه كان رجل الرهافة والولاء، وإذا كان الشاعر الحديث ناقماً ساخطاً رافضاً، فإن هذا لم يكن قدوة فاروق شوشه ولا كان مثاله، هذا الرجل كان وفياً لبلده وعائلته ومؤسسات بلده، كان إيجاباً بحتاً ورضاً بحتاً وحباً بحتاً.
فاروق شوشه الذي ولد 1936 كان إلى جانب صلاح عبد الصبور وأمل دنقل وأحمد عبد المعطي حجازي الذين صنعوا القصيدة الحديثة في مصر، لكن شوشه بقي على درجة من الأمانة للتراث وللشعر الرومانطيقي الذي وصل إليه من علي محمود طه وإبراهيم ناجي.
لقد استجاب شوشه للتفعيلة بدون أن يقطع مع الأوزان الموروثة، استجاب للقصيدة الحديثة لكنه بقي رومانطيقياً، شعره يرشح حزناً وشوقاً وحباً وسلاسة وتغنياً، فاروق شوشه لم يتشرب روح الحداثة بنقمتها ورفضها وسخطها واحتجاجها على الموروث ونفيها للتقاليد. يمكننا القول إن شيئاً من التقليد بقي في شعر فاروق شوشه وفي شخصيته، يمكننا القول إن «اللغة الجميلة» بقيت مثال فاروق شوشه وبقيت قضيته، يمكننا القول إن فاروق شوشه الشاعر كان ضوء فاروق شوشه المذيع، وإن شيئاً من شعره كان في إلقائه المفعم الدافئ، بل إن في صوته من الشعر ما في كلامه وأبياته.
قد يبدو فاروق شوشه بالنسبة للشعراء الشبان محافظاً أو على الأقل محتاطاً، وقد يجدون فيه شاعراً تأخر عن مجايليه وبعضهم سبقه في العمر: عبد الصبور وأمل دنقل وأحمد حجازي. قد يجد فيه الكثير مؤدي شعر أكثر منه شاعراً، لكن هذا بالطبع مطروح على الأيام، مطروح على المستقبل، أما اليوم فإن الشعر سيفتقد صوته الدافئ، وإلقاءه الغني، سيفتقد الشعر شخصه الذي صيغ صوتاً وملامح وكلاماً على مقاس الشاعر بحيث كان في ذلك كله النموذج الشائع، سيتذكرون أبياتاً له من مثل:
لو نجمة تنير لي لو كان يهمس القمر
بأن موعداً لنا يسرقه القدر
فليهدأ ناقوس الزمن الداوي في صوتينا
ولتتوقف هذي اللحظة في عمقينا.

(السفير)

شاهد أيضاً

فكتور هوجو .. الفرنسي الذي وجد الجمال في كل شيء

خاص   (الجسرة)   أديب وشاعر وروائي فرنسي (1802-1885)، ولد في بيسانسون في إقليم دوبس شرقي …