سينما و تلفزيون

«أسبوع آرتي» في بيروت.. الحرب وتراثنا الإنساني

علي زراقط

يوجّه ألكسندر سوكوروف رسالة حب، لا بل قصيدة حب لمتحف «اللوفر»، ويضعها في شكل فيلم وثائقي. «فرنكوفونيا» هو الاسم الذي يقترحه المخرج الروسي الكبير لتحفة فنيّة تحاول التركيز على الحب الذي يكنه المخرج للمتاحف، وللحفاظ على التراث الفني والإنساني. أتى عرض الفيلم في إطار افتتاح «أسبوع أفلام أرتي» السابع في بيروت ليل الأحد 16 تشرين الأول.

يعمل الفيلم كنوع من الفضفضة التي يجريها المخرج بينه وبين نفسه. لا بل يمكننا أن نقول كنوع من الحلم، حيث يتكلّم المخرج والكاتب مع نفسه، سائلاً أسئلته ومخاطباً شخصياته. ناظراً إلى التاريخ، ومستعيداً أشرطة الزمن من مخيلته كي يضعها في سياق جمالي مختلف وأكثر شخصية. في حلمه الشخصي هذا يروي سوكوروف حكاية الحفاظ على التحف الفنية والتاريخية، وجميع موجودات متحف اللوفر خلال الحرب العالمية الأولى.
في حكاية تتجاوز آلام الحرب الإنسانية المباشرة، وتتجاوز الضغينة والأحقاد المتبادلة بين الأعداء، يبني سوكوروف قصة سمعية بصرية ترمم العلاقة في داخل المتحف بين الزائر واللوحات المعروضة، بين هاوي العمارة والبناء وقاعاته، بين محبي التاريخ والشخصيات التي صنعته، بين المتحف نفسه والمدينة، متسائلاً «كيف لمدينة أن تبقى إن لم يكن لها متحف يحفظ تراثها؟».
فلنبدأ من الانطباع الذي يخلّفه الفيلم بعد الخروج منه، ألا وهو الخوف. هذا الخوف الذي ينتابنا كمشرقيين، مصابين بجذام الحرب الأبدية، فلا نلبث أن نرى جمالاً ما حتى نغرق في المقارنة فنتذكّر تفجير تمثال بوذا في أفغانستان عام 2001، الدمار الكبير الذي لحق بمدينة حلب خلال السنوات الأخيرة فمحا الكثير من الآثار التي تحتويها إحدى أكبر المدن ذات الطابع المعماري العربي التقليدي، ثم مشاهد القتل على مسرح تدمر… يمكننا أن نستمرّ في تذكّر الفجائع إلى أن يأتي السؤال «كيف لنا كأمة أن نبقى إن لم يكن لنا قدرة الحفاظ على تراثنا الإنساني».

مدينة مفتوحة
عندما دخل الجيش النازي إلى باريس، أعلنت مدينة مفتوحة، غادرها قسم كبير من سكانها خائفين أو ساعين للانضمام إلى جهود المقاومة، إلا أن أحد الذين بقوا في المدينة هو مدير المتاحف الفرنسية، ومتحف اللوفر «جاك جوجار». جوجار الجمهوري الفرنسي، الفخور بانتمائه فضّل البقاء في مركزه الإداري كي يحمي موجودات المتحف، معتبراً هذا واجباً وطنياً وإنسانياً. الأمر الذي اضطره للتعاون مع الضابط الألماني «فرانز ميتيرنيخ» الأريستقراطي المحب للثقافة الفرنسية. من خلال علاقتهما هذه، ينجحان في حماية الحكاية الفرنسية للتاريخ، من خلال حماية موجودات المتحف. في مقاربة تحاول اكتشاف العلاقة بين السياسة والفن، وبين القوة وامتلاك التحف، يخرج نابليون ليروي قصة جمعه لآثار من البلاد التي احتلها، ليتركنا نقارن بزعماء آخرين وكيف يمكنهم أن يظهروا قوتهم من خلال نهبهم لآثار وتحف الأمم الأخرى.
يبني سوكوروف حبه للوفر قطعة قطعة، تماماً كما يبني محب الفنون مجموعته. لا يعنيه التسلسل الزمني للأحداث، بقدر ما يعنيه التسلسل العاطفي تجاه المكان ومَن مرّوا عليه. صيغة قريبة مما كان قد عمل عليه حين صنع قبلاً فيلماً في القصر الشتوي من متحف الأرميتاج (السفينة الروسية 2002) الذي يطوف فيه عبر التاريخ الروسي، متنقلاً في أروقة وغرف المتحف العظيم. المتحف في عقله، في ذاكرته، في قلبه، فنراه خائفاً على الأعمال الفنية المنقولة في عرض البحر على متن مركب روسي يمر عبر عاصفة. يتكلّم سوكوروف خلال مقاطع متكررة عبر الإنترنت مع صديقه قبطان مركب الشحن، ويعبّران عن خوفهما على الشحنة الفنية التي إن ضاعت فلا يمكن تعويضها بأي شكل من الأشكال.

هذيان شعوري
بطريقته التي تعرض المشاهد كنوع من الهذيان الشعوري، أو كنوع من التذكّر، يبني المعلّم الروسي خوفاً مضطرداً، فالدليل على تعلقنا بالشيء هو خوفنا عليه. الخوف على القطع الفنية من الغرق ومن الضياع يمزجه مع الخوف على الإرث الإنساني من الضياع خلال زمن الفيلم أي الحرب العالمية الثانية. يظهر هذا جلياً في أواخر الفيلم عندما يخرق المخرج الجدار الرابع (يتكلّم مع شخصيتيه)، ويُخبرهما بما سيحلّ لهما في المستقبل القريب علّهما يتوقفان عن القلق. إلا أنهما لا يصدّقانه، ويستمران في خوفهما وقلقهما. لأن الفن هو الأمر الأكثر هشاشة، فإن محبي الفن سيستمرّون في الخوف.
يستمر عرض أفلام آرتي على مدى أسبوع بين 16 و23 تشرين الأول. ليعرض الإثنين فيلم «رسائل من الحرب» للمخرج البرتغالي إيفو فيريرا، الذي استوحاه من رسائل كتبها طبيب برتغالي شاب الى زوجته الحامل عام 1971، عندما وجد نفسه في عمق الحرب الأنغولية البرتغالية. ويتميّز الفيلم بصورته الأسود والأبيض الشاعرية. وقد رشّحت البرتغال الفيلم لتمثيلها رسمياً في السباق على اوسكار أفضل فيلم أجنبي لعام 2017.
كما يقدم لنا الأسبوع الفرصة لمشاهدة تحفة المخرج السويدي روي أندرسون، «حمامة جالسة على غصن تتأمل في الوجود» الذي حاز من خلاله جائزة الأسد الذهبي في موسترا البندقية عام 2014. ويعود فيه المخرج الى تيماته المفضّلة وقصصة اللافتة التي تظهر عبثية الوجود. وأيضاً من السويد، يقدم روبين أوستلوند في «قوة قاهرة (السائح)»، دراما كوميدية تنظر في العلاقات الحياتية، ودور الرجل في العائلة المعاصرة. ويذكر أن الفيلم حاز على جائزة لجنة التحكيم الخاصة لقسم «نظرة ما» في مهرجان كان السينمائي الدولي 2014. وتستمر العروض من خلال الفيلم الأحدث للمخرج التايلندي أبيشاتبونغ ويراسيتاكول «مقبرة الروعة»، ويعدّ المخرج واحداً من أبرز السينمائيين الآسيويين العاملين حالياً، وقد حاز مؤخراً جائزة الأمير كلاوس 2016 تكريماً لعمله الرائد في مجالي الثقافة والتنمية. أما فيلم «هذا الشعور بالصيف» للمخرج الفرنسي مايكل هيرز فيتطرّق الى مواضيع الحنين والألم ومشاركة ثقل الغياب. كما يعاد عرض أحد أبرز الأفلام لهذا العام «توني إردمان» إخراج مارين آديه الذي يتناول علاقة أب بابنته التي فقدت مشاعرها بعد انغرازها في أعماق البيروقراطية. وقد رشّحت ألمانيا الفيلم لتمثيلها في السباق على أوسكار أفضل فيلم أجنبي لعام 2017، كما على جائزة فيبريسكي الكبرى لعام 2016.

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة