الرئيسية / سينما و تلفزيون / “حبيبي بيستناني عند البحر”: فلسطين في تحدّ للنّمط السّائد

“حبيبي بيستناني عند البحر”: فلسطين في تحدّ للنّمط السّائد

ماهر الخشن

قيم “دار النمر للثقافة والفنون” برنامجه بعنوان “بحر من الحكايات” ضمن فعاليات “قلنديا” الدّوليّة التي تحمل عنوان “هذا البحر لي” تثبيتا لعلاقة الفلسطينيين بالبحر وتخيّلاتهم عن العودة، التي شهدت الجمعة الماضي عرضا للفيلم الوثائقي الفلسطيني “حبيبي بيستناني عند البحر” للمخرجة “ميس دروزة”. استوحت المخرجة الفلسطينية قصّة فيلمها من كتاب روائيّ وتصويريّ “حسن في كل مكان” للفنّان الفلسطيني “حسن حوراني” الّذي منع من زيارة بحر يافا الذي كان يحلم به.
يأتي هذا الفيلم، الّذي يصوّر رحلة المخرجة إلى البحر في فلسطين، واحدا من قلّة تتحدّى النّمط التّقليديّ السّائد في الأفلام الوثائقيّة حيث يحصر العدد الأكبر من الفنّانين وكذلك الجمهور الأفلام الوثائقيّة بالمعنى الضّيق للمصطلح، أي بفكرة توثيق المعلومات أو الأشرطة المصوّرة، أو نشر “الحقيقة”. يوضح نجاح هذا الفيلم أنّ الرّوائيّة في الفيلم الوثائقيّ غير متطفّلة/ غريبة، بل على العكس من ذلك، فانطلاق هذا الفيلم من فكرة خياليّة (ملاقاة الحبيب “حسن” على شاطئ يافا) وإدخال مقاطع روائيّة كثيرة فيه، يصادقان على إغناء الرّوائيّة أو القصصيّة للوثائقيّ.
الحنين
عمليّة الإغناء هذه هي متبادلة في الأصل، بحيث يستخدم بعض المخرجين الفلسطينيّين مشاهد موّثقة أو مقتطعة من أفلام وثائقيّة في بعض أفلامهم الرّوائيّة، لإغنائها ووضعها في سياق قريب إلى الواقع. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ الرّوائية أيضا لا تنقص “واقعيّة” الأفلام الوثائقيّة شيئا.
يعكس هذا الفيلم صورة “النوستالجيّة” لفلسطين الّتي لا يزال يحملها الفلسطينيّون في أنحاء العالم، فتتمحور فكرته حول البحر ورحلة الوصول إليه، وتسأل المخرجة عن “البردقان” و “عروسة البحر” في يافا. ورغم سيطرة الصّورة العاطفيّة، إلّا أنّها تحكي عن حدث لا يستطيع الشّعور به إلا قلّة وهو الزّيارة الأولى لفلسطين. فتكون فلسطين هي “الوطن الّذي يعيش في الفلسطينيّين”، على عكس النّاس الّذين “يعيشون في وطنهم”، وهي “البلد المقدّسة”. وفلسطين، حسب ما يقول أحد سكّان القدّس للمخرجة، “هي أن تشعري أنّلك لست بغريبة”.
في الفيلم خلط بين واقع مؤلم وأمل موجود وتحليل بعيد لكن ممكن، ويظهر الأخير حين تقول امرأة فلسطينيّة إنّ المشروع الصّهيوني سقط، فهو لم يعد قادرا على تبرير نفسه، وهكذا مشروع ليس له أمل في أمد طويل. ولا يحمل الفيلم يأسا من ناحية انتهاء الاحتلال، فشباب القدس مثلا يدركون حتما أنّ بلادهم ستتحرّر ويدركون أنّ الأمر مسألة وقت، ولكنهم يأملون أن يكون ذلك قبل عجزهم. والجدار العازل لم يكن عائقا أبدا، بل أظهره الفيلم مثيرا للأمل، فالقدرة على تصوير ما يوجد خلفه، والتصاق جسد المخرجة وأذنها فيه جعلا وجوده افتراضيا، يعكس مسألة الوقت “القدسيّة”.
أبعد مكان
وظهرت علاقة الفلسطينيين بالبحر الّتي تُكَوِّن غالبا “الواقع” المُكَوِّن للمشهد الجماليّ والتّصويريّ لمعظم الأفلام الفلسطينيّة الوثائقيّة والرّوائيّة، على مراراتها وبمختلف الصّور الجماليّة. فكان البحر بدايةً تلويناً أزرقَ في رسومات “حسن”، وظهر في صوره القديمة أبيضَ وأسودَ، وظهر بحقيقته المريرة لحظة وصول المخرجة إليه. وكانت “عودة” المخرجة إلى بحر يافا، عودة إلى واقعها وحلمها في الوقت ذاته، فلم تترك حلم ملاقاة “حسن”، ولكنّها اكتشفت أنّ ذهابها إلى بحر فلسطين، الّذي أصبح منطقة عسكرية، هو ذهابها إلى أبعد مكان.
وكانت طريقة التّصوير البسيطة كفيلة في صناعة فيلم يعكسُ اهتزاز اللّاجئين الفلسطينيّين في كلّ مكان (خاصّة في الدّول العربيّة المجاورة)، الّذي يشبه اهتزاز كاميرا المخرجة في أغلب المشاهد، ففلسطين لا تحتاج إلى تعقيد كي تثبت جمالها أو معاناتها أو حتّى أملها. ويبقى هذا الفيلم وثائقيّا – روائيّا يتحدّى “الواقع” انطلاقا من اسم وحلم لا يتوقفان عند ساعة ونصف من الوقت تقريبا، لتظلّ فلسطين “تستنّى عند البحر”.

(السفير)

شاهد أيضاً

أيام قرطاج السينمائية دورة العودة إلى أفلام الجنوب وبلدانه

يسري وناس تقام الدورة الـ28 من مهرجان “أيام قرطاج السينمائية” الذي يطلق عليه “عميد مهرجانات …