قصة

النباشة….للقاص عبد الحسين رشيد العبيدي

خاص (الجسرة)

 

الرجل الذي فرض عليه الزمن سطوته المدمرة لم يعد قادرا أن يتشبث كالآخرين بمؤخرة السيارة وهي تسير بحذر . لملم دشداشته التي أنهكها الزمن ،وقرفص متكئا في ظل نخله من النخلات القليلة المتناثرة في المساحة المترامية الأطراف . دخن بقايا سيجارته وتطلع بالسيارة التي تتمايل متباهية بجسدها كراقصة شرقية . أمتص سيجارته ثانية ،ونفض يده بقوة بعد أن لسعته .أنتفض واقفا وهو يرى أحد الصبية يدفع صغيرته ليبعدها عن طريقه .
ـ ابن الكلب : صرخ شاتما الصبي الذي تجاهله وهو يعدو خلف السيارة.
أعاد لف كوفيته وسار مطأطئا رأسه كعادته ، ينبش الأرض بعينيه .كان المكب ،في هذا الضجيج المقموع بشمس تصفع كل شيء بشراسة ،يهجع بلامبالاة ،بينما الهواء يشتعل حاملا معه الأبخرة والرواح النتنة
كان الرجل الذي يعلق كيسا بيده اليمنى يتمايل متأرجحا في سيره ويتابع بحثه الأصم وهو يلقي بعينيه على أرض عارية ،وحين ييأس ,يتطلع بصغيرته التي تصر على مرافقته .ولما تفشل عيناه بالإمساك بها ،ينقبض قلبه ….ولاتزال حادثة الولد مسعود ،الذي كاد أن يطمر في سيل النفايات ، تؤرقه .
فيصرخ مناديا بلوعة :أمل ,أمل.
يرد عليه خليط من الأصوات الخشنة ،القاسية ،المستهزئة : هذه . هنا .
يستبد به قلقه ،فلا تطمئنه الإجابات ،يظل ملتاعا يغص برعبه حتى تأتي ,يحتضنها ،يمسد شعرها ….. ويتذكر لوعته وهي تتألم مضطجعة في حضنه . هرول بها الى المستشفى ، ولم تتحسن الا بعدما أخذها الى عيادة خاصة ،بعد أن باع عربته الخشبية .
قالت له : لا تخف علي ً.
تعلقت عيناه بضفيرتيها ،بينما راحت تهرول وراء السيارة . كانت النفايات تنزلق من مؤخرة السيارة كشخص يتغوط في مكان عام بلا مبالاة بينما الرجل يتبرقع بالظل ويراقب الجميع يتكالبون لينبشوا, وما أن يختلف اثنان حتى تنشب معركة . …..رجعت حذرة لأبيها المستجير بالنخلة من فيض شمس النهار .لاذت جنبه . طوق كتفيها بيده وناولها قنينة الماء التي أضحت حارة لتشرب .همست له ودست بيده شيئا كانت تخفيه في جيب ثوبها .
أندهش الرجل وهو يتفحص محفظة النقود ذات الجلد اللامع . تلمسها ،ضغط عليها ،فاستكانت بلونها البني الغامق مزهوة بممتلكاتها .
كان متلهفا ليفتحها ،يدفع الزر ،فتكشف له عن جيوبها المليئة بالنقود . يخمن …..مئة إلف ،مائتان . ود لو أن المبلغ أكثر .,,سأشتري عربة خشبية: قال لنفسه .
هز رأسه ممتعضا لينفض الفكرة التي اعترته من حيث لا يدري . رمق صغيرته ,سأشتري لها ثوبا بدلا من هذا الثوب العتيق.
أبتسم لهذا الهاجس ،رمق رداءه الأبيض الذي أصبح كالحا . اجتاحته موجة الشراء ،فتذكر ثوب زوجته الذي أعطته له امرأة أوصل بضاعتها بعربته .وكيف ضاعت به وهي ترتديه
أعاد تلمس بطن المحفظة الناعم المنتفخ ، كامرأة حبلى . قرر أن يحذر ،يتأنى حتى لا تثير النقود هوس الآخرين .انحنى على طفلته التي ترنو إليه فرحة . همس لها ،أن تذهب لتعمل ،ولا تذكر شيئا للآخرين .
دس المحفظة في جيبه. بحث عن سيجارة يحتفل بها ،ولما فشل ،شرب جرعة من الماء. اعتراه القلق ثانية فتلمسها. ربما يراها الآخرون أو تقع: قال يحاور نفسه
أخرجها من جيبه ودسها بالكيس .تطلع بالآخرين المنهمكين بالقمامة ،تغسلهم الشمس بحرارتها المفرطة من الغبار والروائح الكريهة .أطل قلقه برأسه ،فقبض على رقبة الكيس وأدناه إليه .زحزح نفسه ودس الكيس تحته . لم يغادره حذره فقرر أن يعود للبيت . فكر بعذر معقول حتى لا يثير شكوك الآخرين .، لكنه تراجع . …..وتهيأ له أنه يسمع نداءا تحته ، يستعطفه ،يتوسل إليه ليخلصه من الجب الذي ألقاه فيه . مد يده خلسة الى داخل الكيس . سحب المحفظة . وضعها في حضنه بعد أن صنع حاجزا بركبتيه . أضناه الشوق فأمر أصابعه بفتحها .
كان يود أن يمتع عينيه بمرأى النقود المتنوع ، أحمر ،أخضر ، رصاصي ،لتستكين لهفته . أراد أن ينادي على أمل لتشاركه أفراحه . أجبرته طفولتها أن يتراجع .
راحت يده ترتعش وهي تزيح الزر الذي اضحى صوته الواهن كما لو أنه قرع طبول وهو يتحرر من قاعدته. عض على شفتيه وغرق في موجة من الرعب .تلفت حوله ولما أطمأن هدأت مخاوفه. مد أصابعه المرتعشة تبحث في بطن المحفظة عن الوليد المنتظر .سحبها وهي تمسك بكومة من الأوراق . نثرها في حضنه . نكث المحفظة .تطلع بالأوراق ،قلبها بيديه, تفحصها ،وعاد ليتكئ على جذع النخلة .مد يده الى قنينة الماء ، أمتص جرعة منها ،أحس بحرارة الماء تلسع فمه . مد رجليه بيأس وتطلع بالأوراق التي تفترش حضنه .حيث كان اللاعبون يتزاحمون للحصول على الكرة .

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة