.

التشكيلي العراقي فهمي القيسي… تداخل الصوفية والحروفية بتقنيات جديدة

صفاء ذياب

قدَّم الفنان التشكيلي العراقي فهمي القيسي نموذجاً للفنان الملتزم الذي لم يبحث عن الشهرة، ولا الأمجاد التي تأتي على حساب الفن، بل كان فنانناً لا يعنى إلا بالتجديد وبتجسيد أعماله بتقنيات مختلفة، ومغايرة، بدءاً من الكارتون، مروراً بالتصاميم والكرافيك، وليس انتهاءً بخطوطه التي باتت علامة من علامات الفن العراقي.
فالقيسي الذي رحل فجأًة يوم أمس في العاصمة بغداد، عن عمر يناهز الـ75 عاماً، كان من الجيل الذي غيَّر مسار التشكيل العراقي، رفقة جواد سليم وفائق حسن وشاكر حسن آل سعيد ومحمد مهر الدين..غير أنه ابتعد كثيراً عن الأضواء، وجعل له عالمين لا ثالث لهما: الرسم ومحبة الناس، حسب ما أعلن أكثر من مرَّة على صفحته في مواقع التواصل الاجتماعي.
بدأ القيسي مشواره الأكاديمي بنيله شهادة الدبلوم في التصميم في صناعة الكارتون (ألمانيا الديمقراطية) عام 1965، وعمل مديراً لقسم التصميم في شركة صناعة الكارتون عام 1967، كما أنه أسس قسم التصميم في معرض بغداد الدولي والإشراف عليه لغاية عام 1997، فضلاً عن عضويته في جمعية التشكيليين العراقيين منذ عام 1972، حتى أصبح مديراً لقسم التصاميم في (الدار العربية للطباعة) السابق، وتأسيسه كاليري وقاعة (نظر) للفنون التي أشرف عليها حتى عام 1989.
عرف عن فهمي القيسي نزوعه نحو الصوفية في تكويناته، ورمزيته العالية التي كان مبتغاها التعبيري لأن تتحول في أعماله من طريقة فنية إلى تحديد عنصر التوظيف والجمال واستثمار رؤية لها محمولات الفكر والأسلوب معا؛ حسبما يرى الناقد التشكيلي خضير الزيدي، مضيفاً أن التصوير لديه تتنازع عليه عدة نماذج لها مسحة وأجواء تجريبية تتركب من وحدات يغلب عليها هاجس صوفي، إضافة إلى طرازية تجريدية. ويبين الزيدي أن الحروف التي يضيفها القيسي تسهم في إعطاء العمل سمة جمالية تلزمنا الإيحاء بوصفها سياقاً توظيفياً ورؤيوياً تجنح سطوته التعبيرية إلى تقديم معيارية مرئية تحافظ على أطياف محمولاتها الدلالية. أما قضية القيسي الأساسية فلا تكمن في الشكل فحسب، بل يتعدى الأمر إلى إبداء مرونة في التعبير مع الحفاظ على وحدات النشوة الصوفية وتجليات مركزها وخطابها في الرسم، ومن أغلب السمات أنها تهيء لتحرير شكل تقليدي من نزعته على نحو يقدم هوية خاصة بأسلوب استعاري تكتسب كثافة الشكل فيه غنائية وجدانية بينما يبقى السياق التنويري والرؤيوي محافظا على تجانس بث شيفرات وتجليات مصادره التراثية وأصوله المعرفية والتزاوج الأكثر أهمية يشيد صرح رؤيته من خلال التوجه العام الذي يهيئه الفنان لحمل مدلولات التذكير بالرمزية والحروفية وانعطاف مجالها الموسع ضمن صياغة تعبيرية توسع من رقعة الانفتاح على كسب إرادة التقنية واستقراء نطاق الحداثة من خلال المزج بين المفارقات في العمل الواحد فما الرسالة في ذلك..
التكوينات التي يشير إليها القيسي لا تخلو من اعتقاد أو تخطيط على مستوى الوعي والشعور بمسؤولية وإسقاط تلك الرمزية في السطح التصويري، ومن مقام هذه الرؤية تتطلع حقيقة الرسم ونزعته وتوسيع أفقه وموضوعه، كما أن هناك مرجعية لا بد من التوقف عندها، حينما نشير إلى التكوين الفني والجمالي لهذا الاسم، فهي في ظاهرها تبدو وكأنها أكثر رونقاً في الشكل وتجديد انسجامه التعبيري، إلا أن باطنيتها تشيد نظرية تقدم نموذجاً حياً يواجه حزمة من الأفكار المضادة يتملكها الهاجس الأخلاقي حيال موضوع الرسم في الوقت المعاصر وما الغاية من وجوده وماذا يخاطب في ظل ظروف تتغير بفعل ماكنة الاقتصاد والحرب معاً. يسمح النص التعبيري هنا في لغة التخاطب البصري بتشييد شكل يمنحنا قناعة بأن تصورات الرسوم وانتقائيتها لتوظيف الأمكنة والأزمنة تستقطب مداخل كثيرة لتوثيق الأثر بين الفكري والجمالي، وفهمي القيسي- حسب ما يشير الزيدي- ممن ينظرون إلى هذا التجانس والإيقاع البصري بمرجعية تتضاعف فيها الرؤى وتتحرك مجال الخصوبة والخيال في مناطق حساسة على حساب الموضوعي والجمالي..
بعد عقود من تجربة القيسي، علينا أن نتفهم الأسس التي يجتهد القيسي على إعطائها تصويراً تزيينيا بنظرة رسم عراقية بحتة، ونجاحه في تجديد ضرورة الفن التي بدت تشكل هاجساً له يبقيه قريباً من بواعث البنائية الصحيحة وأصالة الرسم واستجابته لتوظيف الواقع.
ضجت على السطح التصويري في أعمال القيسي تضاريس تعبيرية تميل بطبيعتها إلى التحول والانتشار، ويبدو جلياً مجالها الفني وكأنه يستمد جذوره من تراث حي إلى جانب الاحتفاظ بالقيم الجمالية، فهناك الطابع التزويقي والاستعاري الذي يضيف لمسة من شأنها تعميق الماضي بالانفتاح على تداخلات الأسلوبية الحديثة وما يميز موقفها الآن هو أن مستوياتها وتقنياتها تخلق جواً طبيعياً بدون أن تفقد المعنى المرسوم له، فميزة هذا الفنان أنه انتقائي يبحث في الخصوصية التي تشكل هدفاً يتيح له البحث والتنقيب في الأصول الحية للتراث وهي تسير بمحاذاة التجديد، وتبدو المتابعة الفكرية شاقة بعض الشيء، لكن مع فهمي القيسي وخبرته نرى فناً يتجاوز الإشارة الصعبة وإنتاج طابع جمالي لا يصيغ لنا ذائقة ونظرة تملؤها الدهشة والافتنان برؤية العمل الفني.
من جانب آخر، يقدم الناقد التشكيلي حسن عبد الحميد رؤاه في تجربة الفنان فهمي القيسي، موضحاً أن سطوع جدية منحاه، ووئيد سعي خطاه في ترسيم وتدعيم ملامح وعي عملي- إجرائي، تكلل بدراية مدعومة بنباهة موهبة نحو محافل التصميم والإخراج الفني، وحيثيات الطباعة ومخابئ ممراتها وآليات السيطرة عليه، وبما يماثل أفعال التخطيط (الماكيت) فيما يخص التمهيد لبناء لوحة معينة.. ويضيف: لقد تسنى للقيسي أن يتعرف على مجمل تلك الأمور عن قرب مذيل بذكاء حاد، يميل في الغالب نحو تقليب جمرات مشاعره النبيلة وتحفيز سلامة نواياه القصدية، بوهج ما تتمتع ذائقته بقدر خارق من التمرد الخفي الذي يسكن قيعان تلك الروح الحية والنقية، في خلاصات تعاملها مع اللون وفهم خواصه ودرجات تحولاته وبهاء تماثله وجدوى انصهار مع درجات وخواص ومناسيب وجدان ودواخل هذا الفنان الذي تخطف أعماله عين المشاهد أو الرائي وتملك لبه، حيال وهج ونصاعة تتوحد فيها فتنة وجلال ألوانه الباهرة (أكريلك/ أحبار/ باستيل/ معاجين) فضلاً عن قدرة فائقة ومراس دقيق ومتطور جدا عبر استخدام حاذق لعمليات (الاير- بريش) وغزارة ما يترشح ويتدفق من سحر نبضات، وتنويعات، واسترجاعات، تأملية، تنظف (مداخن الروح) وتغسل أوجاعها من أقذاء وأدران وغبار وشوائب ومخلفات الحروب وملحقاتها، بل كل ما يصيب الحياة من خطل أو خلل وفقدان توازن، جراء أنانية وهمجية البعض من أولئك الذين لا يحتملون أو يتحسسون متع التناغم ولذة التصالح ونشوة الاتساق الإنساني مع الآخر، فيما يعاكس القيسي اتجاه تلك المعادلة المعادية للجمال، ويبادلها بنهج مغاير عبر قدرة تصديه وقوة بأسه في المواصلة على ضخ الحياة بالجميل والنافع.
لا تدع مرتسمات ولوحات القيسي فضلاً عن كل ما أنجز من كتب فنية (آرت- بوك) وتصاميم داخلية لمباني ومكاتب (أنتيرنال- ديزاين) أدنى مجال للتماس والنيل من ملموسات لوحاته ومهموسات بوح ألوانها، وانهمارات شلالاتها وحيوية أفكارها المنسجمة مع خصوصية أشكاله الراسخة في ضميره الإبداعي وسبل التعبير عن ثنايا وعيه الوطني وموقفه إزاء ما يحصل في بلده وما يتعرض وتعرض إليه من ويلات ومصاعب، تتضح وتتمحور في نسيج وطبيعة ما تصبو إليه تلك الأشكال والعلاقات، التي لا تقف إلا عند حدود ما يريد هو، وما ينوي ويتطلع وفق مقدرات ذلك الانضباط العالي والوعي الراكز في متممات ونتائج ما يحصد – نهاية المطاف- لتخرج لوحته بكامل أبهتها وطغيان تباهيها الجمالي الخالص، مذيلة بخطوط طرية واثقة وإشارات برموز تراثية محكومة بسبائك ومسكوكات إسلامية، تتعاصر (من المعاصرة) فيها مفردات أعماله- الأخيرة بالأخص- وتبتهج بنسق حروفيات وتفويضات شكليه، تشعرها خارجة من قاموس خاص لا يليق إلا بتجربة فهمي القيسي.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة