متابعات ثقافية و فنية

«هوت ماروك» لياسين عدنان… استراتيجيات السّلطة المضمرة

عبد الرزاق المصباحي

للسلطة أبواب سرية لا يلجها الجميع، فالتحكم الأكثر نفوذا في منطقها، يبنى تحت الأقبية وخلف الستائر السميكة، وبنسق لا يدرك كُنهه وأسراره إلا الراسخون في الدهاء وبعدِ النظر، المنعم عليهم بالكينونة داخل دوائر السلطة الضيقة. أولئك القادرون على استقراء الواقع المحليّ، وتطويع ظروفه بمرونة هائلة، تلتبس معها الرؤية وتضيق إلى أبعد الحدود الممكنة. ومنه يصير هذا الواقع متمنعا، بعيد الغور، وشديد الغموض حتى عن أعتى الدارسين السوسيولوجيين والسياسيين والثقافيين. إنه ليس واقعا مركبا يمكن تفكيكه، ثم إعادة بناء عناصره لفهم نسق علاقاتها، ولكنه واقع ملغز البناء لا يخضع للمنطق السليم، والأدوات العلمية المعروفة أكاديميا مهما بلغت دقتها لا تستطيع استيعابه. ناهيك عمّا يمكن أن يلحق أيّ دراسة علمية أو قراءة صحافية جدية مزعجة من تهميش وتبخيس متى ما بدا أنها تلامس جوهر النسق السلطوي المضمر، لذلك يأتي الخيار التخييلي، في الأغلب، بديلاً مؤثراً وسالما لاستغوار أبعاد هذا النسق. ورواية «هوت ماروك» للشاعر والإعلامي ياسين عدنان الصادرة في طبعتين عن منشورات الفنيك المغربية ودار العين المصرية 2016، تندرج ضمن هذا الخيار، وتحاول أن تقدم قراءة في الواقع المغربي الساخن بأحداثه وتحولاته الثقافية والسياسية وعلاقة أفراده بالميديا الجديدة.

السلطة الناظمة

تَقرأ رواية «هوت ماروك» أشكال السلطة المضمرة عبر ثلاثة مداخل، سياسية وثقافية وإعلامية، وهي مداخل تلتقي خيوطها عند سلطة ناظمة خفية، تملك قدرات هائلة على تطويعها وتوجيهها لخدمات أجندات معينة، تختلف حسب الظرفيات والأحوال. ورغم ما يبدو من عدم التناغم بين الفاعلين في هذه الحقول الثلاثة، فإنهم يصدرون في سلوكهم وأقوالهم عن التصورات نفسها وعن التوجيهات الخفية عينها، بدون اعتبار للفارق الاجتماعي أو الثقافي، بحيث إننا يمكن أن نتحدث عن تنميط ثقافي للسلوكات والأفعال، تنتفي معه التصنيفات الثقافية التي تميز، توهُّما، بين النخبة والرعية، بين المثقف والأمّي، فهم جميعا يعزفون على الوتر نفسه بوعي أو بدونه. وبوسعنا أن نختصر هذا الوتر في مفهوم ثقافي صاغه عبدالله الغذامي هو الذات الخائفة التي تفيد بأن السلطة قد تصنع الخوف من الآخر، وتحذر منه، وتنشر فكرة المؤامرة، حتى تخلق استعدادا سيكولوجيا عند الناس لتقبل إجراءات قاسية، ورفض أي تغيير.
إنه تحكم يتم على مستوى ثقافي بالدرجة الأولى، ويتخذ طابعا توجيهيا. وإن رحال العوينة، وأنور ميمي، ونعيم مرزوق، ويزيد الملخة، والعميد مختار، وحسنية بن ميمون.. وهي ذوات إجرائية تحرك أهم الأفعال الإجرائية في الكون التخييلي للرواية، تجسد أدوات السلطة الناظمة، التي تفوّض لها سلطا مكذوبة توزعها عليها بقدر قربها منها، وتستعملها في الوقت المناسب، فرحال العوينة الطالب المجاز في الأدب العربي القديم، الذي عمل مشرفا على مخدع هاتفي، ثم محل إنترنت، مارس سلطة تدمير الآخرين حينما كان طالبا في الكلية، حين أوقع بفؤاد الوردي مع جماعته (العدل والإحسان)، ثم شنع بالشاعر وفيق الدرعي، حينما اتهمه بالعمالة للمخابرات إبان الحراك الطلابي في كلية الآداب في مراكش، ثم بعد فوزه بجائزة ابن الونان. مستعملا في ذلك الوشاية المحكمة، التي تُحبك بدهاء وتختار الوقت المناسب، والوسيط الملائم، حتى تكون الضربة قاصمة، تؤذي أو تربي، تلهي أو تسكت نهائيا المعنيّ بها. وكذا الأمر مع فؤاد الوردي الذي وجد نفسه منبوذا من قبل جماعته ومطرودا منها، ووفيق الدرعي الذي طرد وهمش وخوّن من قبل الرفاق، ثم اعتذاره عن تسلم جائزة ابن الونان في الحفل الذي نظمته وزارة الثقافة، بعد أن جمعت تعليقات رحال العوينة في موقع هوت ماروك المختفي تحت اسم (ولد الشعب) متظاهرين في ذلك الحفل الذي لم يحضره وزير الثقافة نفسه في فضيحة ثقافية كبرى.
إن رحالا يوظف منطق السلطة في إلجام المزعجين الذين يهددون أناه أو يتحرشون بمصالحه، حتى لو بنيت على الظن أو الكره بدون سبب، وإلا فإن وفيق الدرعي لم يتعرف أصلا إلى رحال، ولم يؤذه، ولكن مغصا مؤلما يعصره كلما شاهد نجاحاته وتفوقه، ولا يزول ذلك المغص إلا حين ينغص عليه حياته، ويطبق عليه، أقسى ما يمكن من الأذية، ثم يعطف عليه بعد ذلك. في شيزوفرينيا عجيبة هي ميسم سلوك كثير من الناس، الذين يحزنون لمآسي الناس بصدق، ويحقدون عليه ويكرهونهم، ويتمنون زوال نعمهم حينما يكونون في أفضل حال بالصدق والإخلاص نفسيهما. ورحال نموذج للخامل الذي تسكنه نزعة تدمير عالية ومخيفة، لكنها كامنة، ولا توازيها سلطة حقيقية، لذلك كان في البدء يصفي حساباته مع أعدائه وخصومه في الحلم، قبل أن يمكنه الإنترنت عبر موقعي (هوت ماروك) و(فيسبوك) من تصفية فعلية لحساباته العالقة، بضربات قاصمة تسعده. قبل أن ينتقل إلى الاحتراف حينما جنده العميد العيادي، لتوجيه النقاش العمومي مستغلا قدرته على التنكر في إهاب أسماء مستعارة مختلفة: أبو قتادة، ولد الشعب… التي لها تأثير هادر على زوار الموقع. وإن السلطة الناظمة، هنا، تلعب دور المدرب المحنك في كرة القدم، الذي يختار مكان اللاعب الموهوب، وينقله إلى الاحتراف لتسجيل الأهداف ضد الخصوم، ورحال يمتلك موهبة المزايدة والتلفيق والإساءة، لذلك استعمل أكثر من مرة ليوجه الناس لما تريده السلطة الناظمة وتسعى إلى تكريسه، ومثيله أيضا الكاتب الصحافي المعروف نعيم مرزوق، الذي (يوحى إليه) كما جاء على لسان العميد العيادي، الذي طلب من رحال عدم منكافته وإزعاجه، ودعم تحليلاته كلما وجد توجيها من المعلقة حذام.
إن التوجيه الذي تمارسه السلطة الناظمة، يجعل من الاستقلالية مفهوما منسوخا في منطقها، إذ لن يكون إلا للاستهلاك الإعلامي، الذي يوفر مصداقية مكذوبة لمدعيها، إذ هناك تراتبية محفوظة ترعاها، وتؤدب بموجبها الشّاب الخارج عن طوقها، فنعيم مرزوق مثلا، حين نشر ملفا فضائحيا عن رجل الأعمال أيت الحاج من تلقاء نفسه، وبدون استشارة رؤسائه المتخفين، وجد نفسه في السجن، قبل أن يوظف سجنه بعد ذلك من قبل السلطة نفسها لخدمة قضية حرية التعبير في المغرب، أي إن هامش الحرية يضيق إلى أبعد حد ممكن، وحتى ممارستها، أي الحرية، في حالات معينة فلا تخرج في النهاية عن حدود مرسومة بدقة. وهذا معناه أن السلطة المضمرة تمارس دور السارد الكلاسيكي الذي يرى كل شيء والموجود في كل الأمكنة مراقبا حدودها بأسلاكه الثقافية والزجرية الشائكة.
إن السلطة المضمرة الناظمة لا تمارس تحكمها بعيدا عن الواقع الذي تعرف أدق خصائصه الاجتماعية والثقافية وسيكولوجية أفراده، وهي تعي أن منطق التراتبية جزء من آليات التحكم المضمرة والمعلنة في العلاقات بين الأفراد، الذين يمارسون القهر والتسلط على بعضهم بعضا. والرواية تضع اليد على كثير من أشكال هذه التراتبية القاهرة، فحسنية بن ميمون تنكل عبر أشواكها اللاذعة بزوجها رحال العوينة الخامل في حضرتها والناشط إلكترونيا، مثلما أن حليمة والدة رحّال ظلت تقرّع زوجها عبدالسلام بسبب أو بدونه. أما الأستاذ بوشعيب المخلوفي فكان يمارس قهره على الطلبة الذين يشرف على بحوثهم أو يدرسهم، ويجبرهم على اختيار موضوعات تخدم أطروحته المؤجلة. وهو نفسه خاضع لعميد الكلية، ويبالغ في الانحناء حين السلام عليه، ولا يؤخر طلبا لتوصية عن طالب محظوظ. ثم إن السلطة الناظمة لا تراهن على جواد خاسر. فرحال أبدى قابلية الخضوع لهذه التراتبية، كما لمسها الرفيق المختار (العميد العيادي)، في الجامعة، ناهيك عن قدرته الخارقة على التلفيق والوشاية التي نجحت في تحييد فؤاد العروي ووفيق الدرعي. والسلطة الناظمة تبحث عن مواصفات معينة لا بد من توفرها، ومنها أساسا الجماهيرية والتأثير والمصداقية ولو انبنت على الادعاء والمراوغة والكذب الصراح. فما يهمها هو أساسا الحفاظ على التراتبية وخدمة أجنداتها بدقة وإبداع محسوبين.

رموز حيوانية

تقرأُ رواية «هوت ماروك» واقعا موغلا في المحلية، كما لو أنها تحاول نمذجة توزيع مواطن السلطة في المغرب وتراتبيتها، وتفضح ادعاءات الاستقلالية، بما يصيب حقا بالذعر، فالقارئ قد يستشعر أنه يعيش في غير الوطن الذي يعرفه، وطن متحكم فيه، رسمت كل مساراته بما فيها انحرافات أفراده بعناية قصوى، وعلى الرغم من كون عملية إسقاط بسيطة لأسماء وأحزاب فاعلة في مجال الثقافة والسياسة والإعلام الآن في المغرب على شخصيات وأحزاب أو حتى موقع (هوت ماروك) نفسه في الرواية، ستوصل إلى استنتاج أنها جميعا معنية بأحداث الرواية. وأن الأمر يتعلق بتأريخ تخييلي لحقبة ضجت، فعلا بسلوكها وأفكارها وأخبارها؛ فإنه، أي الإسقاط، لن يكون طريقا سالكا، ويفقد الرواية قصديتها التي تتعدى، حتما، غاية نقل شخوص وأحداث موثقة نعرفها، إلى محاولة نمذجة لسلوك السلطة الناظمة. ولعل اختيار مماثلة ذوات الرواية غالبيتها بحيوانات مطابقة لسلوكها وخصائصها، لمما يؤكد قصدية النمذجة، مثلما يحيل إلى تشابه القوانين التي تحكم الحيوانات بصنوتها الإنسانية. أقصد القوانين التي ترعاها السلطة الناظمة.
إن بوشعيب المخلوفي الذي يجده رحال والسارد فيلا عروضيا، يجسد التراتبية في مجتمع الفيلة، التي يحترم فيها الصغيرُ الكبيرَ، ويحفظ له مكانته، بدون إمكانية أن يعترض أو يثور أو يرفض أوامر الأعلى مرتبة. ورحال نفسه سنجاب يملك (ذاكرة مخبر لا ذاكرة مؤرخ أو جغرافي) أي إنه يملك موهبة حفظ الوجوه والأخبار والأحداث، لذلك سهل أن يصير أداة باهرة في يد السلطة الناظمة، بعد أن كان يوظف ذاكرته السنجابية في العبث بحياة الآخرين وتدميرها استجابة لهوى النفس التي تكره، بطبعها، كل ناجح ومختلف. وكذا الأمر مع الجرذ المختار والجربوع مراد اللذين هما من فصيلة رحال العوينة. وأنور ميمي «نمس مستأنس. قد ينخدع البعض لملمس فروه الناعم وقصر قوائمه، إلا أن أصابعه تنتهي ببراثن حادة»، أما الكاتب الصحافي المعروف نعيم مروزق فحرباء تتلون حسب المصالح والأوامر. والسلطة الناظمة تحتاج إلى هذه الصفات جميعها وأكثر، فهي تحب المتلون الذي لا مبادئ أصيلة له، والواشي الذي يجمع المعلومات والأخبار ويضعها بين يدي من يمثلها، وأيضا من يحظون بقبول الناس ومحبتهم، وتظهر عليهم السماحة والقبول، لكنهم يخفون أشواكا وأظافر تجرح للتأديب أو الإسكات. ولا تني السلطة المضمرة الناظمة عن خلط الأوراق على أدواتها، بحيث يعتقد كل واحد منها أنه الخادم الأقرب ويظن أن الآخر منبوذ، بينما الجميع عازفون رديئون في جوقتها، هي الطائر المحكي، إن شئنا اختيار عبارة المتنبي، وهم الصدى الذي يحدث نشازا ضروريا، هو ما يسم واقعاً يصعب تفكيكه، فهمه ونمذجته.

على سبيل الختام

تبدو رواية «هوت ماروك» رواية مهادنة على المستوى الفني، فالسارد كلاسيكي عارف بكل شيء وموجود في كل مكان، والسرد خطيّ ينقل أحداثا تهم الجامعة المغربية، خاصة صراعاتها الأيديولوجية الحارقة بين الإسلاميين والرفاق. تحولات الحاضرة مراكش بأحيائها وعاداتها، الحياة السياسية في المغرب وعجائبها التي لا تنتهي، وسيرة رحال الخامل في حياته الواقعية الذي يصير وحشا إلكترونيا يدمر كل من يقف في طريقه. غير أن هذه المهادنة التي تنسجم مع اختيار يراهن على استثمار جماهيرية الرواية الآن، للوصول إلى مساحات قرائية شاسعة تستهدف قراء بمستويات مختلفة، ينبغي ألا تحجب عنا سخريتها اللاذعة وسلاسة لغتها، التي جعلت ضخامتها، إذ تقع الرواية في 460 صفحة من الحجم المتوسط، تتحول إلى متعة قرائية ممتدة، نحتاجها لإعادة الثقة إلى جحافل القراء التي تبحث عن المتعة، وهذا حقها، بدون أن تغفل الرواية وظيفتها في الشهادة على العصر، ونقد بنيته الثقافية والسلوكية المعيبة بإضمار التخييل المخاتل.

(القدس العربي)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة