متابعات ثقافية و فنية

الروائي الأردني إلياس فركوح لـ«أيام الثقافة»: مسكون بفلسطين … وأعتبر نفسي أحد أبناء النكبة

بديعة زيدان

بديعة زيدان:
كان لقائي الأول بالروائي الأردني، والناشر، والناقد ذي القامة الأدبية الرفيعة المستوى، إلياس فركوح، وجاهة، في ملتقى بيروت للرواية العربية، في شباط من العام الجاري، ومنذ ذلك الحين التقينا وجاهة لأكثر من مرة، كان آخرها في معرض عمّان الدولي للكتاب، حيث حلّت فلسطين ضيف شرف على المعرض .. تبادلنا الحديث كعادتنا حول الرواية، وأخبار الروائيين، وما قرأه كل منا حديثاً .. اتفقنا، واختلفنا، ولم يكن هذا الاختلاف يعكر صفو الحوارات المتواصلة.
وكنا توافقنا مسبقاً أن تتخذ شكل حوار شامل وموسع في «أيام الثقافة»، هو بطبيعة الحال ليس حواراً على فنجان قهوة، ولكنه ساخن، وله مذاق مغاير .. حوار أقل ما يمكن وصفه بالعميق، والمثقف .. وهنا الجزء الأول منه:

• يستعد إلياس فركوح لطبعة جديدة من روايته «أعمدة الغبار» التي صدرت لأول مرة في العام 1996 واعتبرت حينها نقلة نوعية في الرواية الأردنية والعربية .. لماذا لا تزال برأيك هذه الرواية حاضرة وبكامل رونقها رغم مرور عشرين عاماً على كتابتها ؟
– لست على ثقة من أنّ إجابتي التي سأكتبها الآن، وهنا، قادرة على تغطية السؤال.
إنه مجرد تخمين يتأرجح بين التمني، والوهم، والاعتقاد، وبالتالي أرجو عدم اعتبار ما سيكون مني إجابة واثقة.
فالرواية كُتبت وسط مناخات ساخنة عصفت بالمنطقة التي تحركتُ فيها، وما زلت؛ وأقصد بـ»المنطقة» المساحتين: الاجتماعية داخل بلدانها (الأردن ولبنان)، والسياسية بتقلباتها العنيفة حدّ الحروب الطاحنة (العراق وإيران، والأهلية اللبنانية، وخروج المقاومة الفلسطينية إلى البحر)، وذلك عبر موشور مجموعة شخصيات رُسمت مصائرها داخل هذا الأتون. وربما لأنّ ملامح تلك الشخصيات بدت محايثة لأخرى موجودة في الواقع، ونعرفها، وما زالت فاعلة على نحوٍ ظاهر حتى اليوم – وإنْ بمستويات وأُطر متباينة، كان للرواية فضاء ممتد يشمل ما نعرف وما نريد معرفته، على الصعيد الشخصي الخاصّ، ومجموعة تفاصيل ستطويها الذاكرة النَسَّاءة إنْ لم تُكتب روائياً.
ولأنّ الشخصي الحميم الحائر تعالقَ بالعام القلق المتقلقل إلى حدّ لا انفصام بينهما، فإنّ «كيفية» تدبر نَسْج ذلك كلّه قادني نحو كتابة مركبة، أزعم أنها طارئة على الرواية العربية، نوعاً، فبدَت جديدة طازجة. بَدَت هكذا، لكنها حالَت دون إمكانيّة «تفكيك» نسيجها (في حينها) لدى نسبة من الـ»قُرّاء»، هذه النسبة الآخذة بالتناقص لصالح استيعاب ما كان «مغلقاً» ذات يوم.
إنّ حضورها الراهن ناتج عن توسعة خارطة «المتفهمين» لخصوصيتها بمرور السنوات، ولتحولات الذائقة عموماً التي ما عادت تستند إلى صناديق قديمة، فحطمتها وخرجت منها. مع ملاحظة أنّ طبعتها الثالثة صدرت قبل أسابيع، وسرعان ما مُنِعَت في السعودية عند عرضها على الرقابة هناك!

حكايات البدايات
• أحياناً تكون حكايات البدايات ذات خصوصية ما .. كيف اكتشف فركوح نفسه كاتباً؟
– إذا قلتُ إنّ هذا «الاكتشاف» حدث بالصُدفة، فلن أكون دقيقاً، إذ لا يكون الاكتشاف اكتشافاً حقاً بمعزل عن الغفلة – ولم أكن غافلاً تماماً عن «الرغبة» في أن أصبح كاتباً.
غير أنّ درب تلمسي لهذا الميل والرغبة بدأ حين أشرعتُ ذاتي لغواية الكتب، فأدخلتها حياتي لتحتلَ الكلمات وما تحمله من عوالم «سحرية» مساحةً طفقت تنفلش وتتسع مثل رشقة حِبْر على ورقة مكشوفة المسام.
وهذا التشبيه استللته من فترة صِباي، حين كانت الكتابة في المدرسة حينذاك (الفرير في القدس) توجِب استخدام «المَسْكَة والريشة» وغمسها بمحبرة كلّ مقعد جلسنا عليه، واللجوء لـ»طبق النَشَّاف» الممتصّ لحبر المكتوب فوق الورقة.
ذاك الوقت شغفتُ بالكلمات المطبوعة في المجلات الملونة، كونها حملت حكايات أخْصَبَت لديَّ أرضَ المخيلة.
أختصر: في ما بعد، وفي أواخر المرحلة الإعدادية، كانت قراءاتي نصف الفاهمة لنجيب محفوظ، ممزوجة بمتاهة سارتر الوجودية، متحسسة لتميّز قصص يوسف إدريس وجماليتها دون وعي لسببها، كلّ هذا ساعدني على تنمية «الرغبة» في أن أكون كاتباً.
لم يعد الأمر في منطقة الاكتشاف، بل العمل الحثيث البطيء المتدرج الواعي، وإنْ جاء القِطاف متأخراً، فلا بأس.

نفس فلسفي
• وجدت في معظم رواياتك نفساً فلسفياً .. هل هو من نتائج تأثرك بدراستك الجامعية في الفلسفة وعلم النفس، أم محاولة للارتقاء بالقارئ بدلاً من تقديم الفكرة له على طبق من فضة؟
– إنْ كان ثمّة نَفَساً فلسفياً في كتابتي، القصصيّة والروائية، كما في غيرها من كتابات تأمليّة ونصوص عارية من التجنيس الأدبي؛ فمرد ذلك يعود إلى أني دائم التساؤل.
لستُ مكتفياً بما هو متوفر من «إجابات»، أو التسليم الكُلّي بالمُعَمم والشائع.
إنّ مجرد طرحي للسؤال عَني، وسط هذا العالم المصطخب الذاهب في عُنفه نحو دوائر الدم، قادني إلى مساءلة كلّ شيء: الإنسان بتناقضاته، والواقع بطبقاته المتعددة، ولربما أسعفتني دراستي للفلسفة في المرحلة الجامعية الأولى في تكوين المفردات الحاملة لبُعد فلسفيّ ما وللعلاقة بينها، لكنني لم أتقصّد ذلك؛ إذ اختلطَت عناصر تكويني الشخصي، بكافة التنويعات فيها، لترفع في وجهي سؤالها «عَمّن أكون»! مَن أنا في حركتي داخل تناقضات واقع اجتماعي مُتعَب، ومُنهَك، ومُستلَب، ومتناقض، يتآكله فساد الداخل المرتهن لغيره، وتمزقه قِوى الخارج!
أعرف صعوبة كتابة كهذه، وأدرك أنها لا تقارب الذائقة الشائعة، غير أني لا أحتمل إلّا أن أكون أنا كما أنا، ولستُ سِواي.

أرض اليمبوس
• لا يمكن الحديث عن إلياس فركوح كروائي دون التطرق لرواية «أرض اليمبوس» التي ترشحت في القائمة القصيرة للبوكر في العام 2008 .. خاصة أنها، بالنسبة لنا كفلسطينيين، تعني لنا الكثير؛ فهي تنبش في الذاكرة الجمعية منذ العام 48 مروراً بسقوط القدس العام 67 وحتى حرب الخليج .. هي حكايات الوجع أم ماذا؟
– هي حكايات مَرَّت على حشود وحشود من أبناء جيلي، حكايات مَرَّت مريرةً حفرت في أرواحهم أثلاماً وَسَمَت مسارات حيواتهم، ورسمت كثيراً من مصائرهم.
ففلسطين، بالنسبة لأبناء جيلي، ليست مجرد عنوان نستدّل به على محطّة في تاريخنا. فلسطين لم تكن تاريخاً مضى نتذاكره؛ إنها تاريخٌ عشناه يومياً بصيغة المضارع، والعديد العديد مِنّا طفق يبني مستقبله على إيقاع فلسطين كأرضٍ فيزيقية تمكث خارج الكتب ينبغي استعادتها.
ليست حلماً وإنْ كانت تتخايل لنا في أحلامنا وطموحاتنا.
وهذا يعني أننا نظرنا إلى أنفسنا كجزء منها في راهنها كمعيشٍ يوميّ، وفي راهننا كمشاريع فردية وجماعية ارتبطَت بها، وبكافة معانيها.
نعم؛ «أرض اليمبوس» بُنيَت فوق الوجع العربي بوجهه الفلسطيني أساساً، مضفورة بمتتالية من الأسئلة التي لم أكن أطرحها سابقاً، وإني، حين أتأمل المجريات المزلزلة التي عصفَت بنا وسع الخارطة العربية، أكاد أوقِن أنَّ فلسطين ظلّت «كلمة السِّر» المتخفيّة حيناً، الظاهرة حيناً، والتي من دون قراءتها قراءة متطهرة من «دَنَس» الانتهازيات السياسية المرحلية وحساباتها الصغيرة، نُخطئ في فهمنا لكلّ الأحداث التي آلت بمصائرنا العربية إلى هذا الدرك!
«أرض اليمبوس» ما كان لها أن تُكتَب بمعزلٍ عن «عيش» كاتبها لفلسطين حقاً، تنفسه لهوائها الحقيقي العابق في سمائها الواطئة (لا المتخيَّل ولا المتخيّلة)، لولا كمون روائحها في روحه: روائح بخور كنائسها، وكعك باب العمود. ووجوه الفلاحات المتربعات عند الباب نفسه يفرشن خضار بساتينهن الندي، وأحجار دروب أزقتها المدببة المبريّة، وضخامتها في أسوارها. وأصوات الأجراس تُقرع، وآذان المساجد تُرفع، واللهجات الممطوطة الخليط من مقدسي وخليلي.
كلّ ذلك مكنون فيَّ: مشاهد، ومنظورات، وذكريات، ووجوها، وأكثر من هذا وذاك، وربما بسبب هذا وذاك، كانت «أرض اليمبوس» هي نفسها «الأرض الحَرام» الواقعية التي طالعتني وطالعتها كلّ يوم من نوافذ مدرستي في القدس حين درستُ هناك – وكانت، في الوقت نفسه، «الأرض الحرام» المجازية التي ظلّت تلازمني بأسئلتها حتى اللحظة.

فجيعة الأحلام
• هل كان يتوقع إلياس فركوح أن يأتي الوقت الذي تتحول فيه بوصلة الحرب والرصاص من فلسطين فالعراق لتشمل سوريا وليبيا واليمن وغيرها؟
– أكون كاذباً إذا ادّعيت أني توقعتُ هذا، أن تتحوّل «بوصلة الحرب»، وعلى النحو الذي نشهده الآن وبالدموية المدمِّرة لـ»دواخلنا» العربية، وتفتيتها لمجتمعاتنا! ما يحدث أكبر من توقعاتي، ولست مجانباً لحقائق الواقع إذا قلتُ إنها أكبر من توقعات غيري ممن يشبهونني من أبناء جيلي.
صحيحٌ أننا فُجِعنا في أحلامنا وطموحاتنا، التي كانت «كبرى» بكلّ المعاني: الوحدة العربية، اشتراكيات تحقق العدالة الاجتماعية والحرية، صراعات صادقة تجابه الاستعمار والإمبريالية؛ كل هذا من أجل فلسطين وتحريرها.
تراجعَت تلك الأحلام والطموحات/ المشاريع الكبيرة على وقع زلزال حزيران 1967 بدايةً، لكننا كنا نشهدُ صعوداً ينبثق من قلب الشعوب لمّا ولدت المقاومة الفلسطينية فانخرطت بها. غير أنّ «البروفة» اللافتة التي كَرَّسَت المنزلق نحو الهاوية (وفي الخلفية نشوة حرب تشرين على الجبهة المصرية – وهذه مفارقة في ذاتها)، تمثلت في التواطؤ الرسمي العربي على حصار بيروت واحتلالها من ثَم!
تلك الكارثة، وحين نعيد القراءة لمتوالياتها بعد 1982، أشارت إلى أننا بتنا «البطن الرخوة» التي طفق العالم المتجبّر، الراعي للمشروع الصهيوني والحليف له، بتوجيه الضربات لها ضربة تلو أخرى!
العراق الناهض، بشروطه المحلية المعروفة، كان من الضربات القاضية الأولى – لكننا لم نتعظ! ثم تم قطفهم لنا، أنصاف نضوج، في «أوسلو» المريب (رغم حُسْن النوايا التي هي أسهل الدروب المؤدية إلى الجحيم)! وهكذا، ووفق متوالية من السنوات، وخلال سيناريوهات مختلفة، انحدرَت بنا عوامل الوَهَن إلى ما آل إليه راهننا.
لا داعي للحديث عن طبيعة الأنظمة ورؤاها القاصرة، أو السياسات المرتهنة لقوى الخارج المهيمنة، أو الشخصيات من زعماء وقادة وملوك.
كلّ هذا باتَ من «سَقْط السفسطات» المعلوكة. إني أحاول قراءة العمق العربي في تمثلاته الاجتماعية.
قراءة المجتمعات العربية، وما «تنتجه» من كائنات إنسانية مضروبة بعشرات العاهات والتشوهات، وأشباح الماضي الملغز، وأثقال التاريخ المشبوه.
قراءة المشهد الثقافي المعزول داخل عَتَمات الدوائر الصغيرة عديمة التأثير على وعي المجتمع.
لا داعي لإعادة إنتاج الأسئلة القديمة/ المتجددة؛ إذ أدعو إلى اجتراح «تساؤلات» عنّا كأفراد وسط مجتمعات سقطت في ريبة تعريف الهُوية! يا لسخرية الواقع منا: أدعو إلى تعريف أنفسنا بأنفسنا من جديد، وكأننا عِشنا قروناً نتلبس هوية ليست هويتنا! هوية كاذبة! هوية مختلقة! فمن نحن اليوم؟

جوائز
• بمناسبة أننا نتحدث عن الرواية التي نافست على جائزة البوكر، كيف ينظر إلياس فركوح إلى ظاهرة الجوائز العربية .. ما لها وما عليها؟
– أوّد في بداية إجابتي التنويه إلى أنّ ترشيح «أرض اليمبوس» جاء في الدورة الأولى لجائزة «بوكر» في نسختها العربية. أيّ أن لا أحد في تلك السنة كان يعرف بهذه الجائزة حين كتب روايته ونشرها، وبالتالي لم تكن الجائزة هدف الكتابة، وبرمجتها وفقاً لروزنامة الترشيح، والتسرّع في نشرها كي لا تفوتها فرصة الدخول في المنافسة. هذه مسألة تقع في قلب ما سوف آتي عليه الآن:
ظاهرة الجوائز تكشف في مفاعيلها عن وجهين اثنين، أسوةً بجميع الظواهر القابلة لقراءات متعددة.
فمن جهة، يمكن اعتبارها تحفيزاً للكتّاب الذين أصابهم اليأس من جدوى كتاباتهم، وإشارة إلى أنّ «تقديراً» لجهودهم سيلقونه في لحظة ما من حياتهم، وهذا في ذاته، بصرف النظر عن نتيجة التنافس، أمرٌ إيجابيّ – إذا جاءت النتائج مقنعة ومُرضية.
غير أنّ الغالبَ المتعلق بالأعمال الفائزة (أو غير الفائزة على نحو أدقّ)، وربما بسبب انتفاء الثقة والريبة في لجان التحكيم في كثير من الدورات، أدّى إلى حالة من الارتباك في النظر إلى الجوائز.
فبدلاً من اعتبارها شهادة تقدير يحترمها الجميع – أو المعظم، باتت مصدراً لبث الشكوك في سوية الأعمال الفائزة، ومساحة مفتوحة لتحوّل ما هو نسبيّ (التحكيم وطبيعة التلقي وآلياته) إلى مُطلَق! مُطلَق صواب ونزاهة وتوازن، أو مُطلَق خطأ وانحياز وعدم موضوعية! كل هذا يحدث بسبب من لا استقرار المعايير، أو غموضها، أو التفاوت في أهلية أعضاء اللجان المحكمة، إلخ.
تحوّلت الجوائز العربية، مثلها مثل كافة مخرجات «الجهات السلطوية»، إلى حكايات تتلبسها الشكوك ما أدّى لفقدان الاهتمام بها لدى عدد من الكتّاب، وإدارة الظهر لها.
لكنها، ولدى عدد آخر يزداد يومياً، أصبحَت هي الغاية من الكتابة – لا بل خلقت «كُتّاباً» اكتشفوا مواهبهم المخبوءة لحظة أدركوا مسألة الجوائز فطمعوا بها: مبلغاً من المال، أو ذيوعاً لأسمائهم وسط جمهور لا يزال هشّاً في قراءاته!
غير أنّ الخطير في أمر بعض الجوائز يتمثّل بقولبة ذائقة شرائح كثيرة من الجمهور القادم إلى القراءة من فراغ معرفيّ؛ حينها تنقلب المعايير فيتحوّل النصّ الفائز إلى نموذج يُحتذى، وصاحبه إلى «نجم» و»معلّم»! وهكذا تفشل الجوائز في هدفها الرامي إلى الارتقاء بالنوع الكتابي، وتنمية الذائقة الجمالية لدى أجيال جديدة.

صحافة ورواية
• نلاحظ أن العديد من الروائيين هم في الأساس صحافيون وأنت واحد منهم .. هل هو الشغف بالتفاصيل من يجمع الصحافي بالروائي، أم أن هناك أموراً أخرى؟
– لم أعمل في الحقل الصحافي، بالمعنى الاحترافي المتخصص متفرغاً له، سوى سنة واحدة، وربما أكثر قليلاً، غير أنّ تلك الفترة بشرطها القاهر (إذ حرمتني «الجهات الأمنية» من العمل في عديد المواقع إثر عودتي إلى عمّان من بيروت) اضطرتني لأن أنخرط ناشطاً في جريدة «الأخبار».
كانت الجريدة قد عاودت الصدور بعد حجبها بسبب موضوع الدينار الأردني وما طُبِع عليه، والذي كتبه حينذاك الأستاذ راكان المجالي. لكنها كانت عودة متعثرة برأس مالٍ شحيح، وبأقلّ عدد من الصحافيين المبتدئين (أمثالي)، ما جعل من الواحد منا ناشطاً في أكثر من مجال: كتابة المقال، النزول للشارع وإجراء التحقيقات والريبورتاجات، مقابلات مع مسؤولين، وتحرير الصفحات الثقافية وملحقها الأسبوعي! كانت تجربة أفادتني فعلاً؛ إذ تعرفتُ إلى مدينتي عمّان من زوايا جديدة، إضافة إلى توفري على كثير من الشخصيات التي باتت جزءاً من حلقات الأصدقاء وقتذاك، كالقاصّة والباحثة سهير التل، والمخضرم محمد كعوش، والناشطة المناضلة الماركسية زهرة عمر، والشاعر أمجد ناصر، والسياسي الحالي محمد داودية، وغيرهم.
تلك كانت تجربة خاطفة، أضفتُ إليها تجربة أقصر عمراً لم تزدني معرفةً أو تضفي عليَّ احترافاً.
أقول هذا مدركاً أني، في قرارة نفسي، لستُ ميّالاً للصحافة باعتبارها من الشؤون التي تحظى باهتمامي.
ومع هذا التحفظ، إلّا أني لا أنكر توفيرها شبكة من التفاصيل الحياتية اليومية، لأناس من دونها لم أكن لأعرف عنهم فأكتبهم، على نحوٍ أو آخر.
كتبتُ الكثير للصحافة وفيها، ونشرتُ جميع نصوصي القصصية وقراءاتي للكتب وللظواهر الثقافية على صفحاتها، لكني لم أعمل في مجالها متفرغاً أبداً.

ابن النكبة
• ولدت العام 1948، أي عام النكبة .. هل لهذه المصادفة انعكاساتها على إلياس فركوح على الصعيد الإبداعي أو الشخصي، هو الذي لطالما أكد مناهضته للاستبداد بكل أشكاله؟
– بكل تأكيد.
إنّ ما ذكرته كإجابة عن سؤالك الرابع يحمل في جوهره وفي تفاصيله تلك الانعكاسات. أعتبر نفسي أحد أبناء النكبة – وإنْ لم أكن أحد ضحاياها المباشرين، لكني حملتُ نتائجها في داخلي وخارجي معاً: جَبْراً بسبب الولادة، واختياراً اهتداءً ببوصلة الوعي ونبض الضمير الوطني.
وحين أقول إني أحد أبنائها أقصد «الجيل» الذي نشأ على وقع تداعياتها وتحولات ما طرأ على فلسطين من «انقلابات»: لها أحياناً.. وعليها غالباً.
كلّ هذا تجلّى بوضوح كبير في أعمالي الروائية، جميع رواياتي الأربع بلا استثناء، ناهيك عن عدد كبير من القصص القصيرة منثورة في معظم المجموعات السبع.
باختصار: 1948، النكبة، جرحٌ غائرٌ في الضمير لا يشفى. هتافٌ يدعو الواحد منا للانعتاق من تاريخٍ لسنا مَن يتحمل مسؤولية عاره، لكننا نحن لا سوانا مَن يتحمّل مسؤولية غسله – فهو «عارنا» المفروض علينا، الإرث الذي حُمِّلنا أثقاله وأوزاره، وينبغي تطهرنا منه ذات «جيل»، غالب الظّن لن يكون جيلنا هذا، فالشروط الموضوعية الراهنة تعاكسنا بجلاء.

قامات الزبد
• الحديث بالتفصيل عن رواياتك ومؤلفاتك يطول، لكن لا يمكن المرور عن رواية «قامات الزبد»، التي كُتب فيها الكثير على مستوى التقنيات والسرد واللغة، والتي فيها الفلسطيني في معمعة الحرب اللبنانية حاضر أيضاً .. لماذا قامات الزبد؟ وما سر شغفك بتفاصيل ما وراء الحرب؟
– «قامات الزبد» روايتي الأولى، كتبتها بعد نشري لأربع مجموعات قصصية لم تَخْلُ، هي أيضاً، من شذرات بُثّت داخل نصوصها كنتُ استقيتها من تجربتي في الحرب الأهلية اللبنانية، أو بالأحرى من معايشتي الحِسيّة لمحطّتها الأولى وتداعياتها الفورية.
الحرب «دراما بانورامية» في ذاتها؛ بمعنى أنّ ما يبدو ساكناً مستقراً آمناً أيام السلم، سرعان ما نكتشف هشاشته حين تستيقظ الحرب بما تشيعه من خوف يمسّ الحياة، وبعث لأسئلة شتّى ظننا أننا نحوز إجاباتها على نحوٍ يقيني. هذان البُعدان (الخوف على الحياة، وانبثاق أسئلة كأنها كانت عارية من إجاباتها) لا شيء كالحرب يمكن أن يعمل على تشكيلهما: بُعدان فوريان يصيبان كينونة الفرد الواحد، ويشملان كليّة المجتمع بمختلف تلاوينه. حينذاك، وبآلية الحرب وتهديداتها القاتلة للحياة التي «كانت» آمنة، نعاينُ الدراما التي أشرتُ إليها: تنقلبُ الشخصيات على نفسها تدريجياً، فتبدأ بـ»تقشير» سطحها الظاهر، اليومي، معلنة عن حقائقها الخافية عن الآخرين، وعنها غالباً، الثاوية في أعماقها! تبدو وكأنها تولد من جديد بفعل أثقال الحرب واستحقاقاتها، وتتجلّى أكثر كلّما ازدادت نيرانها الهالكة – في عملية أشبه بنار الحدّاد الحامية ومطرقته عند تشكيله لكتلة المعدن! (ألهذا نقول إنّ الرجال معادن؟)
الحرب في الظاهر منها معارك وأسلحة تدمير وقتل، انتصارات وهزائم، مواقع تُحتل، انسحابات، مباغتات، إلخ.
إنها عناوين، مجرد عناوين تقول عمّا هو بائن. ولكن ماذا عن «المستتر»، أو «المجهول» في تلك الحرب؟ ماذا عن «الإنسان» الفرد المتحرك داخلها باتجاهات اضطرارية لم يخطط لها؟ ما هي خساراته في ذاته، أو أرباحه؟ ولست أشير هنا إلى هدم البيت مثلاً، أو اضطراره للانتقال من مدينته إلى بلدة بعيدة. إني أتحدّث عن مدى تخليه عن «مرتكزات» حياته قبل الحرب، وكسبه لأخرى بفعل شروط اللحظة الراهنة. أتحدّث عن التغيّر الحادث لـ»المفاهيم» المتفق عليها، وكيف تُترجَم لتصبحَ محل خِلافٍ وافتراق بين الأفراد – كُلُّ واحد يقرأها وفقاً لصالحه، ويعيد بناء علاقاته مع سِواه على قاعدة عدم الخسارة.
هكذا تتحوّل الحرب المعلنة على الجرائد أخباراً، وصوراً، وتعليقات، إلى حروب داخل الأفراد من جهة، وأخرى بينهم وبين «العالم» بمجمله ممثلاً بإرثٍ هائل من المفاهيم وقد باتَت متهرئة! من هنا تحديداً تتحوّل كلمات مثل: شجاعة، جُبْن، نُبْل، نذالة، خيانة، بطولة، خوف، تَخَلِّ، التزام، إلخ، إلى كلمات بحاجة لإعادة نظر!
إنها تفاصيل «ما وراء الحرب» – كما جاء في سؤالك. لكنها في جوابي: «ما داخل الحرب»! وما في هذا الداخل البانورامي الدرامي بامتياز، كثيراً ما نقع على قامات من زَبَد!
• لفتني في رواية «قامات الزبد» التطرق لهاني جوهرية، وهو المصور السينمائي الفلسطيني الذي استشهد بقذيفة خلال عمله في توثيق إحدى عمليات الفدائيين الفلسطينيين في الجنوب اللبناني .. هل أنت مسكون بفلسطين أم ماذا؟
– نعم، أنا مسكون بفلسطين مكاناً مادياً عشته فترة تبلوّر وعيي لمدة أربع سنوات، وفلسطين تسكنني في حالات تتفاوت بين اليقظة الكاملة على «خساراتها» بأكثر من معنى، فأخسر بدوري زمناً يستطيل كنتُ أرجو أن يُملأ بأفراحٍ (ولو صغيرة) أغادر عمري بعدها باطمئنان.
نعم، أينما يممتُ وجهي أجدها ماثلة طارحة سؤالها، فتبقى الجذوة مشتعلة.
من عمّان، انخراطي في أحد تنظيماتها المقاومة، إلى بيروت خالطاً الدراسة فيها بالعمل الإعلامي والطلابي النقابي، بالاستنفارات الليلية على وقع المتواليات المسلحة لمجزرة عين الرمانة، عابراً شوارعَ وأزقةً جدرانها صفوفُ وجوهٍ لشهداء لم يُكملوا استواء شبابهم! هذه كلّها فلسطين إذا ما أحسنا القراءة، وملصق هاني جوهرية، بينما يصوِّب كاميرته كأنها بندقية، أحدثَ في مخيلتي ثلماً مضاعفاً. ثلماً كان من البديهي أن يتجلّى في الرواية، على نحوٍ أو آخر.

(الايام الفلسطينية)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة