.

دون دوليللو.. عندما تلتقي التكنولوجيا بالخلود

ت:نيرمين موسى

وجد الكاتب دون دوليللو في روايته الخيالية “زيرو ك”، المخزن الطبيعي الأمثل لرؤيته التكهنية، وأطلق عليه اسم “المجمع”، وهو مكان مغلق، عالي البرودة، مكتف ذاتياً، إذ يقوم العملاء الأثرياء والوكالات الحكومية السريّة بتمويله. يتألف “المجمع” من غرف عديدة، وفي داخل هذه الغرف تُوضع أجساد الزبائن الأغنياء في أوعية مشعّة، بينما توضع الأجزاء الأساسية من الجسم في أوعية أصغر حجماً، ويُترك كليهما في حالة من التعطيل الحيوي المؤقت حتى تأخذ رؤيته المسار المحتم لها، حيث تبقى الصناديق مُجمدة لآجل غير مسمى، لتقوم الحضارات المستقبلية بإعاة إحياء هذه الأجساد ومنحها الخلود، فالحياة في المستقبل البعيد مفضلة أكثر من الموت بالنسبة لهؤلاء الأشخاص.
“المُجمع” الكائن جنوبي سهل “كازاخ”، له مظهر السفينة الفضائية الداخلي، بممرّاته وجدرانه التي تربط أروقته الطويلة الهادئة المسطرة بأبواب ذات ألوان فاتحة، وبمصعده الأفقي الذي يتنقل بين مستويات مرقمة ومختلفة. لفتَ دون دوليللو بأن المجمع هو شكل من أشكال الفن التنبؤي ذي التأثيرات الواسعة، وهذا الوصف ينطبق على معظم أعمال دوليللو الخيالية، فلا يمكننا اعتبار “المجمع” مجرد مختبر بل إنه مشروعٌ تصوريٌ فني، وصورة ذاتُ شكل وصيغة، ورؤية مُقفرة وُضعت في اللامكان.

شخصية جيفري
يُدعى مُرشدنا داخل المجمع في الرواية، وهو شابٌ أميريكي في الرابعة والثلاثين من عُمره، جيفري لوكهارت، والصفة المميزة لهذا الشخص هي عائلته، فوالده يُدعى روس لوكهارت، الذي لا يُعتبر من أكبر ممولي المجمع فحسب وإنما من أحد عُملائه. أما زوجته فتُدعى آرتيس مارتينو وقد وصلت إلى مرحلة الإحتضار بسب إصابتها بأمراض عديدة، فقرر زوجها أن ينقلها إلي المنشأة لإدخالها في حالة التَجمد المؤقت. وعندما اقتربت آرتيس من موعد دخولها للمجمع، قرر زوجها بإنه سوف يدخل إلى وحدة من وحدات “زيرو ك” وينضم إليها في حالة النشاط المُعطل، فليس جميع الأشخاص الذين تمّ وضعهم – أي دفنهم – داخل المجمع هم من المرضى بشكل كامل، فالبعض منهم يطالبون بدخول حالة التعطيل المؤقت قبل أن يحين وقتهم، وهناك يُوضعون في وحدات خاصة أطلق عليها دوليللو اسم “زيرو ك” ولكن روس غير قرارهُ في اللحظات الأخيرة لأنه يخاف من الموت ولا يُفشي بهذا السر.

التشكيك
شكك دليلو دائماً بأساليب الحبكة التقليدية، وهذا التشكيك مرّ بثلاث مراحل مختلفة. يمكن تحديد المرحلة الأولى في رواياته السبع الأولى “أميريكانا”، حتى الأسماء وتُعتبر جميعُها مليئة بالحركة، وفي منتصف مسيرته العملية تكمُن المرحلة الثانية حيث كتب ثلاث روايات هي “الميزان”، “ضجة بيضاء” و”العالم السفلي” وانحاز فيها إلى الأسلوب الروائي التقليدي، أما بالنسبة إلى المرحلة الثالثة فقد بدأت منذ رواية “العالم السُفلي” وما تبعها من روايات أخرى، وفيها أبطأ من آلية وحركة الحبكة وأفسح في المجال للفحص المُطول لكلّ حدث على حدة كما فعل في روايته “فنان الجسد” عام 2001. بذلَ دون دوليللو في روايته هذه مجهوداً كبيراً كي يحرّف الإنتباه عن القصة أو ما دون القصة إلى الأسئلة الكامنة في حياتنا وحياة حضاراتنا التي تتقدم بعُند باتجاه نقطة النهاية. هذه النقطة التي تُعتبر نقطة التعقيد القُصوى، كانت وما زالت مادة دوليللو الرئيسية منذ بداياته. فعندما تقرأ الرواية تجد بأن مُعظم الأسئلة التي طرحت لم يتم الإجابة عنها حيث أننا لم نعلم كيفية عمل التبريد، أو من يقف ورائها، أو كيف طوّرت؟ والسؤال الأهم هو كيف يجب أن تحدث عملية التجديد؟ وماذا سيحدث تماماً بعد ذلك؟ بدلاً من ذلك ركز دوليللو على أسئلة أكثر روحانية، فهو الروائي الأول الذي استكشف التأثيرات التقنية السالبة للشخصية، بينما أمعن قلة من الروائيين النظر في العلاقة بين التكنولوجيا والهوية والفناء، فيبدو “المُجمع” في إحدى مظاهره ضريحاً مقدساً بالنسبة إلى التكنولوجيا، حيث تُقدم الأوعية المغلقة ملجأ من الموت، كما يُمنح المُجمع لقاطنيه ملجأ من التكنولوجيا “فلا يوجد شبكات للأنترنت هناك على سبيل المثال”، بل يوجد طاقم كبير من الكهنة البعيدين تماماً عن التقنيات والإنهيار المُجتمعي، كما يوجد قدرٌ كبير من الغرف للتأمل والطمأنينة، إلى جانب كلّ هذا توجد حدائق مُسورة بمقاعد طويلة تُشبه مقاعد الكنيسة، وهناك ألتقى جيفري بشخص ذي مظهر رهباني، تحدث إليه الرجل قائلاً إنه يحب أن يجلس على هذه المقاعد ويتخيل العودة إلى هذه الحديقة في المستقبل البعيد بعد ولادته مجدداً، عندها سيفكر كم كان معتاداً على التواجد في هنا، وأضاف بإن الأشخاص الذين يقضون وقتهم هنا إكتشفوا أنفسهم أخيراً، ليس بإستشارة الأخرين وإنما عبر الفحص والإلهام الذاتي. يوجدُ نوعٌ من الجنون في هذه الصورة، حين أن الفحص الذاتي المستمر يُعتبر محيراً في عصر التكنولوجيا القصوى. هذه الفكرة نعتها دوليللو “الحياة المشتتة”، ولكن هل نحن مشتتون؟ وإن كنا كذلك فلماذا؟ هل السبب ببساطة هو توفر التكنولوجيا، بالنسبة إلى دوليللو يوجد شيءٌ أكثر من ذلك، فكل الأوامر الصوتية والإتصالات المفرطة لا توفر تسلية رخيصة فقط وإنما تمنحنا شعوراً بالأمان، وبالطريقة ذاتها فإن احتمالية الحياة بعد الموت بالتبريد تخفف الخوف من الموت، كما أن الإنغماس في الحياة الفعلية للإتصالات الألكترونية يجعل الجسد يتلاشى شيئاً فشيئاً.
لا تُعتبر القبور المغلقة داخل المجمع حتى الآن بديلاً مبهجاً عن الموت، فحالة التعطيل هذه تُبعدنا تماماً عن التاريخ والمجتمع والثقافة. على هذه الفكرة علق أحد الكهنة داخل المجمع قائلاً “لقد رُهنا لهذه الحالة الداخلية والتركيز العميق والدقيق لمن نكون وأين نحن؟ سنعيش هنا حياة منفردة متصلين مع أنفسنا فقط”، أي أنهُ سيكون هناك الكثير من التأمل الذاتي، وكمثال على هذا التأمل نقرأ في الرواية مشهداً لآرتيس، هو عبارة عن مخاطبة لنفسها داخل الصندوق المُجمد. هي ليست حيّة كما أنها ليست ميتة، ليس لديها ذاكرة ولا تستطيع أن تتلقى أي منبه حسي؛ حدثت نفسها قائلة:أستطيع أن أسمع فقط ما هو أنا. أنا مصنوعةٌ من الكلمات. هل سيستمر الحال على ماهو عليه؟ أين أنا؟ ماهذا المكان؟ أشعر بأنني في مكان ما ولكن لا أعلم أين هو. الشيء الذي أفهمهُ يأتي من اللامكان. لا أعلم ماذا أفهم حتى أقوله.

مختبر فاشل
حُكم على المجمع بالفشل كمختبر علمي بسبب الغموض وعدم الإكتراث بالحياة الثانية الموعودة لقاطنيه. ولكن المنشأة نجحت بطريقة أخرى، إذ شجعت زوارها على التأمل وطرح أسئلة قيّمة وأعطتهم الأمل، فلم يُقدم المجمع وعداً بالخلود الجسدي فقط بل إنهُ قدم نوعاً من الخلود الفني، ونرى ذلك في اللحظات الأخيرة من الصفاء والوضوح لدى آرتيس إذ اعترفت بالكثير قائلةً “كل هذا المكان يبدو مؤقتاً بالنسبة إليّ، إنه مليءٌ بالناس الذين يجيئون ويذهبون، ولكن الشيء الوحيد غير الوقتي هنا هو الفن، إنهُ ليس مصنوعاً للجمهور إنهُ مصنوعٌ ببساطة ليكون هنا. إنهُ هنا. إنهُ ثابت. إنهُ جزءٌ من الأساس”. تتحدث آرتيس هنا عن الفن الموجود في البناء نفسه كاللوحات الجدارية والتماثيل، ولكن دليلو شدد التأكيد على أن يُنظر للمجمع ككُل. أن يتم إعتباره فنٌ مُتبصر تكهُني، أهرامٌ جديد، أُعجوبة جديدة من عجائب الدنيا السبع.
أصر دوليللو كثيراً على فكرة الخلود الفني بينما تجاهل كثيراً الألغاز الروائية التقليدية التي ظهرت في فرضية الخيال العلمي. لا أحد من الأشخاص عميقي التفكير في المنشأة بدا مهتماً بمناقشة المستقبل الذي سوف يولدون فيه مجدداً. الشخص الوحيد الذي كان لديه رؤية فعلية للمستقبل هو آرتيس، حيثُ تخيلت أنها ستستيقظ على”واقع حقيقي، وأكثر عمقاً، وخطوط من الأضواء الساطعة كلُ مافيها مُقدس” ولكن هذا الوصف لا يبدو مشابهاً للمستقبل إنه يبدو كالجنة.
يُعد المجمع عملاً من الفن التمثيلي ويعيد تكوين الأعتقاد الديني للعصر التكنولوجي البارد، حيثُ اعتمد الشماسون الموجودون داخله على الأساليب الحبروية القديمة، فحاولوا دائماً أن يكوّنوا عبارات صاحية ومهذبة في حالة انعدام الوعي وكانت الصناديق المشعّة قرابين بالنسبة لهم، أما الممرات الطويلة الهادئة، والغُرف الصغيرة شكلت الأثاث لكتدرائيتهم.
بعد سنتين قضاهما حداداً على زوجته التي لم تمُت تماماً، غيّر روس رأيهُ وقرر مجدداً أن يعود إلى المجمع وينضم لزوجته في إحدى الأوعية، وبالنسبة لجيفري فلم يُعارص قرار والده هذه المرة وتقبل بأن الآخر لم يعُد لديه أية رغبة بالعيش، فرافقهُ إلى النشأة وكان هذا آخر لقاء لهما. سُمحَ لجيفري بأن يقوم بجولة في أقسام التبريد بعدما افترق عن والده.
مشى عبرَ ممرات ضيقة وأعمدة مليئة بمئات الأوعية، فقد عَلمَ بأن والدهُ كان يريدهُ أن يرى هذا السرداب. وبعدها دخلَ إلى غرفة حجرية صغيرة يوجد فيها صندوقان، أحداهما ينتظر روس والآخر يحتوي على آرتيس، علّقَ جيفري برُعب “جسدها يبدو مُشعاً من الداخل، إنهُ لمنظرٌ جميل، يمثلُ هذا الجسد البشري نموذجاً للخلق، أنا أؤمن بذلك”.
هذا المشروع الفني، والقبر الموجود تحتَ سهل (كازاخ) أقام موافقة “مصالحة” بينهُ وبينَ اللامعقول.
منَ الممكن أن يظل الخلود الجسدي محيراً ولكن تبقى الحقيقة الأصعب للحياة والموت هي الفناء. كتبَ دليلو “إنَ الموت عادةٌ صُلبة يصعبُ كَسرُها” ولكنَ الفن يُحافظ على قواه من تفوق ومواساة والتشكيك بكليهما كأي شيءً حي يواصلُ التطور وتُعدُ رواية (زيرو ك) مثالاً قوياً على هذا.

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة