الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / «البوليسي» في السرد العربي… مُساءلة المرجع والمخيال

«البوليسي» في السرد العربي… مُساءلة المرجع والمخيال

محمد الأمين بحري

قد يتساءل القارئ العربي بخصوص سرده البوليسي، عن أوان تجديد الحكاية الإطار التي ظلت منذ قرون تلتزم التأثيث نفسه، والعدة التقليدية نفسها، أقصد تلك البداية الكلاسيكية (الكونانية) التي يستهل فيها الروائي عمله بعرض التأثيث القديم والمكرور أمام قارئه: «جثة قتيل غارقة في بركة دماء- داخل مبنى أو فضاء مهجور- فريق تحقيق بوليسي- وسائل التحقيق- أداة الجريمة». وبعد سؤالي التأطير والتأثيث، لا بد أن يُطرح سؤال التعقيد:

■ ترى هل القيمة الفنية لعقدة السرد البوليسي ـ بكامل حبكها الفني والمعرفي- هي أن تحجب عن القارئ الجريمة المرتكبة طيلة الرواية، (بغرض تشويقي). لتمنحه حلاً لم يتوقعه في النهاية؟
□ بخصوص هذا الحل التقليدي؛ هل الغاية القصوى من السرد البوليسي أن تشفي ندوب الخطيئة وتخلص العقدة إلى حلها المثالي بمجرد معرفة هوية مرتكب الجرم في النهاية؟
■ هل يملك الروائي العربي بدائل أخرى عن اجترار بنى وأساليب وحلول ووسائل فنية من متاحف الكتابة في القرون الماضية عفا عنها السرد، ليمنحها لقرائه في القرن الواحد والعشرين؟ أم أن التحنيط الموميائي يضمن الخلود لتلك الهياكل السردية ويجعلها صالحة لأي زمن ومكان لتمنع أي تجديد بنيوي وفني فيما تكتب الأجيال الصاعدة ضمن هذا الجنس؟
□ ألا تملك سياقات السرد العربي وما يعتمل فيها من واقع، وثقافة ووعي، وإمكانات التجاوز الفني ما يؤهلها للذهاب أبعد من هذه العقد والحلول الكلاسيكية البالية؟
■ ألا تمثل آفة اجترار البنى التقليدية لكثير من الأنماط الحكائية الخاصة بالقرون الماضية، تهديداً بمصادرة أي وعي سردي مواكب لما يعيشه المثقف العربي في راهن يومياته، باعتبار تأثير القوالب على المحتويات؟
□ لو التفتنا إلى ما يعج به واقع حال البلاد العربية من مادة خام للكتابة الروائية، والبوليسية منها على وجه الخصوص، لأيقنا بأن تلك البنى التقليدية الرثة (موضع التساؤل) لم تعد تتماشى ومستجدات الواقع العربي المتحول سياسياً وثقافياً وفكرياً، ولا مع وضع المدينة العربية في ظل ما تعرفه هذه الأخيرة من أحداث وتمزقات وتحولات مفصلية، تصنعها مستجداتها الحوادثية وتقلبات راهن الإنسان العربي وبلاده المتآكلة داخلياً وخارجياً، أفلا يستدعي هذ الوضع التراجيدي من الروائي أكثر من أي وقت مضى أن يجدد الأطر الفنية، وأثاث معماره السردي، بصورة تتماشى مع أزمات بلاده وحال مدنه وأحداثها؟ بدل التشبث بقوالب سردية مهترئة لم تعد تتعاطى – في تكرار قوالبها وبداهة مساربها- مع وعي وراهن الإنسان العربي ولا حتى مع الواقع الحالي للعالم الغربي الذي أسس لها.

مُساءلة المرجع الثقافي
التأسيس والتجاوز

وفق أسسها الفنية، لا تتجسد الكتابة البوليسية كتخييل إلا على خلفية بيئة بوليسية واقعية تنطلق منها في فكرتها وتعود إليها في دلالتها الكلية، وهو ما تكرسه أعمال الأوائل من أمثال إدغار آلان بو منذ 1841. وآرثر كونان دُويل وآغاثا كريستي وجورج سيمنون وغيرهم ممن اشتغلوا على الإيهام بالواقع في سرد استلهم ملامحه من يوميات مجتمع بورجوازي متمايز السلطات، يرسخ في ثوراته وتحولاته القيم الديمقراطية، ويحيا في سياق اجتماعي وسياسي مؤسساتي، خاضع لأجهزة رقابة ومتابعة وحماية حقوق الشعوب كأولويات عليا. وهي عوامل جعلت من البوليسي أداة أخلاقية تشعر المواطن الغربي بالأمان، وسلطة ضبطية عليا ذات هيبة واحترام في المجتمع الذي يحميها وتحميه. وهو الأمر المخالف لوضع الروائي العربي الذي يحيا في بيئة معادية لأخلاقيات وثقافة البوليسي في العالم، ما ينفي آلياً جدوى تغذية هذا الواقع لأي عملية تخييلية يمكن أن تتأسس عليه. ما يجعل من الرواية البوليسية المتجهة لهذه الشعوب ترفاً أدبياً لا فائدة منه (حسب الناقد المغربي أحمد بلاطي).
فكيف ينتهل المخيال من واقع بوليسي عبثي في أنظمة شمولية، ينخرط فيها البوليس في تمثيلية تراجيدية تجعل مجتمعاتها ترضخ للعيش تحت حالة طوارئ أبدية؟ وهو دور هدام بات يمارسه الوضع الأمني العربي – كمرجع واقعي – على أي مخيال سردي بوليسي ممكن. غير أن هذا المخيال نفسه انزاح في السنوات الأخيرة وانفتح (بما يوافق مرجعه الوقعي والحوادثي) على شكل سردي آخر مجاور للبوليسي هو «رواية الأزمة» أو رواية الحروب. وهو لون سردي مناسباتي وليس بوليسياً (مع ضرورة التفريق البنيوي بين النمطين) باعتبار هذا النمط المناسباتي مرتبطا فنياً وواقعياً بخصوصيات زمنية ومكانية وحدثية ترهن خطابها لصالح أدب الحروب، مخالفة في هذا الغرض مسار السرد البوليسي المتحرر من المناسباتية التاريخانية والارتباط الحصري بزمكانية الحدث. وهذا الشكل المناسباتي (الحربي) أو الأزموي (في صورة ما نجده في الجزائر، والعراق، وتونس ومصر وليبيا وسوريا) هو ما يسم السرد العربي حالياً، وربما لاحقاً (كما أرتقبه). وهو ما تجسده «رواية الحروب» لدى كل من الروائي السوري نبيل سليمان «مدائن الارجوان، نمنوما-(جداريات الشام)، ليل العالم»، والجزائري محمد مولسهول (ياسمينة خضرة) وهي بالأساس رواية حروب أهلية مناسباتية، ويتجلى هذا الوجه أكثر في رواياته «سنونوات كابول، صفارات إنذار بغداد، موريتوري»، حيث تبدو المسافة باهظة بين رواية الحروب أو الأزمة أو الإرهاب لكل من نبيل سليمان وياسمينة خضرة (من حيث انشغال كل منهما بأزمة بلده مع الإرهاب)، وبين الرواية البوليسية من حيث التأسيس البناء، رغم تلك التوصيفات العشوائية التي تروم توحيد هذين الشكلين السرديين إما عبثاً أو جهلاً بما يحول بينهما من خصوصيات مرجعية بنائية.

ُساءلة الفضاء (المدينة العربية)
وإكراهات التطويع

من خصوصيات السرد البوليسي أن يرفق فضاءه المكاني بإجراء تقني يمنحه لوناً بوليسياً، يسمى: «التطويع»، أي تحويل المكان من بنية سردية عامة، إلى بنية بوليسية خاصة تغذي المخيال وتؤطره. غير أنه يعترضنا إشكال مرجعي للمغامرة البوليسية العربية التي يفترض فيها أن تقع في مدينة ما، تتوفر على أدنى شروط البوليسية. فهل تستجيب المدينة العربية لمتطلبات هذا الجنس أو تصلح فضاءً لواقع يمكن أن يُبنى عليه تخييل سردي بوليسي في مستوى عالمي؟ لقد باتت إشكالية «بولسة» المدينة العربية، من أهم تحديات السرد العربي، حين ينطلق روائينا من مدينته غير المؤهلة حضارياَ ولا تاريخياً ولا سياسياً ولا اجتماعيا لإنتاج واقع بوليسي. ولعل إكراهات التطويع البوليسي لمدينة غير بوليسية، هو ما شكل عائقاً أمام الروائي العربي، ما جعل الكتابة البوليسية من أندر الأنماط السردية في العالم العربي.

الرواية العربية في مفترق
أشكال السرد البوليسي

1 ـ الرواية ذات اللغز، وهي النمط الأولي التقليدي أو الكلاسيكي للسرد البوليسي، وهي رواية لا تقدم لقارئها قصة واحدة بل قصتين: قصة الجريمة وقصة التحقق؛ تروي الأولى ما حدث بالفعل (في الواقع المسرود)، وتروي الثانية كيفية إخبار القارئ أو الراوي بالجريمة التي بنيت عليها الرواية. لتصل أخيراً إلى حل اللغز الذي تنبني عليه الرواية وبحله تحل عقدتها الرئيسة سواء أكانت نهايتها المتعلقة بمصائر الشخصيات مفتوحة أم مغلقة. وهذا ما يسمى بالسرد المركب. الذي طبع المنجزات الأولى للسرد البوليسي.
2 ـ الرواية البوليسية السوداء: وهي رواية كلاسيكية النمط، لأنها تقوم على بنية سابقتها (الرواية ذات اللغز) حين تدمج قصتيها الرئيستين (قصة الجريمة وقصة التحقيق)، لكنها تلغي الأولى أو تسطحها وتحيي الثانية وتعمق أثرها، لأن التحقيق هنا هو المقود المخيالي للمغامرة البوليسية. ومن مصوغات وصفها بالسوداء؛ أن التحقيق في جرائمها يسير في الظل، والعمل الجاسوسي فيها تحت جنح الظلام، وخارج مواعيد المهام الرسمية بالنسبة للمحققين الذين عادة ما يمتزج تحقيقهم البوليسي بمشاكلهم الاجتماعية، ونموذج هذا الشكل: رواية «الحوت الأعمى» للكاتبين المغربيين، ميلودي حمدوشي، وعبد الإله الحمدوشي (1997) التي تتجلى فيها كافة ملامح الرواية السوداء. بمحمولاتها الشكلية في قصتيها الإطاريتين (الجريمة والتحقيق)، كما في محكياتها الضمنية: (الهواجس النفسية والخيبات الاجتماعية للمحقق والمطاردات الرسمية وغير الرسمية).
3 ـ الرواية البوليسية النفسية: وهي رواية يتخندق السرد بها في زاوية الهاجس النفسي والحس المأساوي، والهوس المرضي أكثر منه في مدارات الحدث والتحري البوليسيين. ونموذجها العربي الأبرز: «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ، إذ يعلن هذا النص عن نزوعه النفسي من خلال استغوار الهواجس الباطنية وطغيانها على كل تفاصيل النص التي بدت بلا معنى ما لم تتصل وتتغذى ولو بإطلالة على نفسية شخصيتها الرئيسة المدورة والانطوائية: سعيد مهران، البطل المتخبط في تناقضاته كأب ذليل وزوج فاشل، ومواطن شريد خائب، مهضوم الحقوق، ما قاده إلى التمرد عن القيم والقوانين حين انعدمت الحلول وأوصدت أمامه كل الأبواب.
4 ـ الرواية البوليسية الاجتماعية: يتم تسليط الضوء في هذا النمط البوليسي على مآزق الحياة الشخصية سواء لرجال التحقق والشرطة الذين نلفيهم دوماً آباء وأزواجا فاشلين اجتماعياً وعاطفياً، شأنهم في ذلك شأن المجرمين الذين يكون تحديهم للقوانين وتمردهم على المجتمع ناجماً عن مرض أو صدمة أو انسداد أفق تسبب فيه هذا المجتمع نفسه، ونموذج هذا الشكل رواية» «نبضات آخر الليل» للجزائرية «نسيمة بولوفة»، وهي رواية اجتماعية أكثر منها بوليسية، حيث جاء الخطاب البوليسي فيها خادماً للبعد الاجتماعي الذي حظي في النص بتبئير عميق جعل منه مجموعة من السير الذاتية لجملة من محققي الشرطة، عارضاً مشاكلهم الاجتماعية والعائلية الخاصة، ودخولهم كوسطاء في حل مشاكل اجتماعية لغيرهم من الشخصيات.
5 ـ الرواية البوليسية الأسطورية: لعل أهم قفزة عرفها السرد البوليسي في تاريخه هي تلك التي دخل بها منعرج استثمار التراث الرمزي الميثولوجي، مما سمح بتحويل متسارع لروايات هذا الجنس السردي إلى أفلام سينمائية. ومما حفز على الانتقال من النص إلى الفيلم هو قيام هذا النوع من الرواية على مواد أولية تنتمي إلى التراث الرمزي والأسطوري العالمي، واستثمار مخزونات الأدب الشعبي للأمم. ومن أبرز مستثمري التراث الرمزي الأسطوري والثقافات والمعتقدات القديمة في السرد البوليسي العالمي، نذكر في بواكير هذا السرد: رواية «الميت الحي» المشهورة بـ«دراكولا» للكاتب الإيرلندي برام ستوكر (1847)، وصولاً إلى ما تبدعه أقلام هذ العصر في صورة ما يقدمه الروائي الأمريكي دان براون (1964) من روايات يتعالى فيها الأسطوري والرمزي عن البوليسي «شيفرة دافينشي، الرمز المفقود، الحصن الرقمي» والبرازيلي باولو كويلو (1947) في رواياته «الظاهر»، الخيميائي، الرابح يبقى وحيداً» وقد منحت هذه الثقافة الأسطورية للشكل البوليسي امتدادات تجريدية تتداخل فيها رموز الأدب الشعبي مع ميثولوجيا المعتقدات القديمة وخطابها الرمزي، وقد انتهلت الرواية البوليسية العربية من هذا المعين الرمزي والأسطوري للسرد البوليسي، وهو ما اشتغلت عليه رواية «سكرات نجمة» للجزائرية أمل بوشارب، التي غاصت في تعريج هذا النمط البوليسي، إلى درجة طغت فيها لغة الرمز الميثولوجي على لغة السرد. رغم أن هذا العمل كلاسيكي التأثيث وتقليدي الهيكل والمبنى من أول حدث جرائمي كلاسيكي إلى آخر حل كلاسيكي أيضاً عند كشف صاحب الجريمة كمنتهى لجميع العقد. وإن لم يجدد هذا النص من هيكل السرد البوليسي التقليدي فقد يحسب له على الأقل أنه منح بعداً رمزياً أسطورياً للسرد البوليسي العربي.

اختراق مأمول

رغم إكراهات المواءمة والتجنيس إلا أن إمكانية اختراق هذا النمط السردي وتأسيس بدائل فنية تتجاوز حدوده من طرف بعض الأقلام العربية الصاعدة تبقى مأمولة نحو صناعة نموذج لرواية بوليسية نوعية بخصوصيات عربية تتحرر على شاكلتها من سياج الموروث الكلاسيكي وتطرح متغيراتها مكان ثوابته الفنية وثقافته المرجعية.
ولو تأملنا وضعنا العربي لوجدنا بأنه يتملك كل المؤهلات التي بقيت خاماً جامداً، خاصة في أعقاب الهزات العنيفة التي تعرضت لها بعض الأنظمة التي أضحت سياساتها ومخططاتها الأمنية مكشوفة السواتر حين اكتسحتها فتوحات عالم افتراضي فضح الجميع، وهو ما أسفر عن ظهور بوادر أشكال سردية فوق بوليسية، في صورة «رواية المجتمعات السرية»، وهو نمط قيد التشكل، بدأت تهندسه أقلام شبابية واعدة، في صورة الكاتب التونسي كمال الرياحي «عشيقات النذل»، والجزائري عبد القادر ضيف الله، في روايته «زنزيبار» وغيرهما من الذوائق الشبابية الصاعدة التي تبشر باختطاط مسارات مستجدة ثيمياً ومورفولوجياً للسرد العربي الواعي بمرجعياته، والمتجاوز للنمطي من الأشكال الوافدة.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …