متابعات ثقافية و فنية

الاحتلال يسعى لتغييب القدس عن الإعلام

المقداد جميل

منذ بدء الهبّة الشعبية المستمرّة من تشرين الأوّل العام الماضي، لم يغب المسجد الأقصى عن المشهد. شكّلت المدينة المقدسة مسرحًا لأحداث كثيرة، خصوصًا أنّ السبب غير المباشر لاندلاعها هو منع التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى الذي كانت تسعى إليه سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
عمل الاحتلال جاهدًا على تغييب القدس عن الإعلام، لكن بالرغم من ذلك كان المشهد واضحًا. فيها نفّذ الشبّان الفلسطينيين العديد من العمليات البطولية. كذلك شكّلت مسرحًا لعمليات الإعدام الميداني، إضافةً لاقتحامات المسجد الأقصى المتواصل بشكلٍ شبه يوميّ. في ظلّ هذه الأحداث كانت ماكينة إعلاميّة تعمل جاهدةً لنقل الصورة من داخل المدينة للعالم، وتوثق أحداثها بشكلٍ يوميّ.
تمثّلت هذه الماكينة بـ «المركز الإعلامي لشؤون القدس والمسجد الأقصى» (QPress) التابع للحركة «الإسلامية» في أراضي الداخل الفلسطيني المحتل، وهو مركز ووكالة إعلاميّة خرجت بجهود عددٍ من الصحافيين الساعين لتوثيق الأحداث داخل المدينة. كذلك عمل عدد من النشطاء والإعلاميين بشكلٍ فرديّ، على نشر الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو إيصال الأخبار من المدينة المقدسة إلى الفضائيّات ووسائل الإعلام المحليّة.
مطلع الشهر الحالي، اقتحمت قوات الاحتلال مقرّ «كيو برس» في المدينة. يضمّ المبنى نفسه مؤسسات إعلامية عدة، أغلقتها قوات الاحتلال كلّها، وسلّمت إخطارًا للوكالة الإعلامية لشؤون القدس تبلّغها بوقف عملها واستدعاء أحد مسؤوليها للتحقيق بعد اعتقاله.
أعطت قوات الاحتلال، يوم الاثنين الماضي، المسؤول في الوكالة حكمت نعامنة، قرارًا بإبعاده عن مدينة القدس المحتلة، إضافةً لتسليمه قرارًا رسميًا بوقف عمل «كيو برس»، وذلك يتضمن وقف النشر عبر موقعها الإلكتروني، ووقف استخدام صفحات التواصل الاجتماعي التابعة لها بشكلٍ كامل، ومنع التصوير أو العمل الإعلامي كاملًا داخل المدينة، والمسجد الأقصى خصوصًا.
عند زيارة الموقع الإلكتروني www.qpress.ps، يظهر ان آخر التقارير المنشورة يعود إلى عشرة أيام، ومن عادة الموقع أن ينشر بشكلٍ يوميّ الأوضاع داخل الأقصى، إضافةً لتوثيقه بشكلٍ لحظيّ وعلى مدار الساعة للاعتقالات والاقتحامات الاستيطانيّة التي تزايدت خلال الأيام الماضية. كما يلاحظ من خلال زيارة الصفحات الخاصّة للوكالة على «فايسبوك» و «تويتر»، أنّها مغلقة بشكل كامل.
جاء الإغلاق تزامنًا مع ما يُسمى «عيد العرش» العبري، والذي كثّفت خلاله جماعات المستوطنين المتطرفة اقتحامها للمسجد الأقصى، والتي بلغت أكثر من 1200 مقتحمًا خلال أسبوع واحد فقط، فيما غاب التوثيق المصوّر للاقتحامات الذي كانت تنشره «كيو برس».
يُهدد الاحتلال بالمساءلة القانونيّة إذا ما عادت «كيو برس» للعمل، مبينًا أنّه سيلاحق موظفيها «جنائيًا». وقد جاء الإغلاق بقرارٍ عسكريّ من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
الإعلامي محمود أبو العطا، أحد العاملين السابقين في الوكالة أكدّ أنّ هذه الاجراءات تأتي تزامنًا مع تزايد الانتهاكات الإسرائيلية داخل المسجد الأقصى ومدينة القدس، ما يهدف لتغييبها وعدم فضح انتهاكات الاحتلال المستمرّة هناك. لم تستطع «السفير» الوصول إلى المبعدين والمسؤولين عن الوكالة، فيما يبدو أنّ الاحتلال يحاول منعهم من التواصل مع الإعلام ومنعهم من استخدام وسائل التواصل الاجتماعيّ، في إطار هجمته على «كيو برس».
دعا أبو العطا لضرورة تكاثف جهود النشطاء في المواقع الاجتماعيّة لمنع تغييب الوضع في القدس عن العالم، معتبرًا «قرار الإغلاق غبيًا، في ظلّ سرعة وصول المعلومة وتواجد مواقع التواصل».
يُشير الناشط خالد صافي، إلى أنّ عشرات النشطاء من سكّان مدينة القدس ينتشرون عبر واقع التواصل بأسماءٍ مستعارة، خوفًا من ملاحقة قوات الاحتلال بحقّهم، مع عدم توفر حماية من أيّة جهة محلية أو دولية. يرى صافي أنّ القدس التي تتعرّض للانتهاكات اليوميّة في مقدساتها الإسلاميّة والمسيحيّة، وتنشط فيها الإعدامات بشكلٍ متواصل، هي بحاجة إلى دور إعلامي قويّ.
يشير مركز أسرى فلسطين للدراسات، في تقريرٍ صدر عنه الأسبوع الماضي، أنّ سلطات الاحتلال اعتقلت 250 فلسطينيًا منذ عامٍ كامل بتهم «التحريض عبر فايسبوك»، غالبيتهم من الشبّان من سكّان مدينة القدس. ومن أبرز حالات الاعتقال، الصحافية المقدسية سماح دويك، التي اعتقلت مدة ستة أشهر، وأفرج عنها في شهر أيلول الماضي، ووضعت على «قائمة سوداء» لمنع دخولها المسجد الأقصى.

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة