الرئيسية / فن تشكيلي / “رحلة داوود”.. سِفر الخروج

“رحلة داوود”.. سِفر الخروج

محمد شرف

“رحلة داوود” هو العنوان الذي اختاره داوود لمعرضه. لم نسأل عن عائلة الفنان، اكتفينا بالاسم الذي اختاره لنفسه كـ “بسيدونيم” (اسم مستعار)، كما درجت العادة أحياناً في مجالات الفن، الذي يتطابق مع اسمه الحقيقي. تسمية المعرض، في شكلها الظاهر، تبدو وكأنها تشير إلى سفر توراتي، أو مقطع من مقاطع العهد القديم. لكنها، كما يبدو، تتوافق مع السيرة الشخصية للفنان الذي ترك وطنه حين كان له من العمر 13 عاماً، شأنه شأن الكثير من اللبنانيين الذين استبدلوا الوطن الأصلي بديار الغربة، باحثين عن مكان يتوفر فيه الاستقرار، مع ما لهذه الكلمة من معانٍ ومفارق عديدة.
لوحات داوود، المعلّقة لدى غاليري “إكزود”، يشير بعضها إلى مفاصل هذا النزوح، الذي يتوافق، كما شاءت المصادفة، مع اسم الغاليري نفسه، كما أنّ الإشارات مرمّزة في طبيعة الحال، كما يجب أن تكون في التشكيل. معظم الأعمال المعروضة تتضمّن عنصراً بشرياً، أو عناصر لا تشير حركتها بالضرورة إلى فعل إنساني واضح، بقدر ما يمكن أن يستشف المشاهد، على هواه، من تفاعلات هذه الحركة، وبعض مدلولاتها ضمن المشهد العام. وإذا كان تأكيد هذه المدلولات يبقى صعباً، فلأن الفنان تعمّد بعض الغموض الذي يفترض اللجوء إلى التأويل. مهما يكن، تبقى شخصيات لوحة داوود أقرب إلى التمثيل المينيمالي، قياساً إلى ما يُحيط بها من مكوّنات اللوحة الأخرى، والمقصود هنا ليس مسألة الحجم، قياساً إلى المساحة العامة فقط، بل أسلوب الاختصار الذي تمّ على أساسه تحديد مكانة الشخصيات ودورها في اللوحة.
هكذا، حاول داوود، من خلال أعماله، الإحاطة بمشاعر وحالات إنسانية عديدة كالنزوح والهجرة والبعد، وفي شكل خاصّ تلك العلاقة، أو الموعد بين ما هو بائد وما هو أزلي، بحسب الفقرة الواردة في بطاقة الدعوة إلى المعرض. هذه الكلمات “الكبيرة”، التي تشكّل الدافع الماورائي لما نراه تشكيلياً، من الصعب أن نجد تمثيلاً واضحاً لانعكاساتها، وهو الأمر غير المطلوب حرفياً في العمل الفني، إلا من خلال استيفاء العمل لشروط يدخل بعضها في باب التقنية، ويندرج بعضها الآخر ضمن سبل القدرة على استنباط أجواء من شأنها أن تضع المشاهد في دائرة الانفعال الشعوري. انطلاقاً من هذا المفهوم، أتت أعمال داوود متفاوتة في تلبيتها للشروط المذكورة، ومتفاوتة أيضاً في أساليبها، ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن تلك الأعمال كانت قد نُفّذت خلال فترات زمنية متفاوتة بدورها.
على أن الملاحظة التي لا يمكن تجاهلها تتمثّل في ما رأيناه من قدرة الفنان على الرسم. هذه العبارة المبسّطة تعني أن داوود ملمّ بأصول هذا النوع الفني، الذي يعدّه البعض أساساً في العمل الفني، فيما يتجاهله آخرون، ويحبّذون التعاطي مع اللوحة من وجهات نظر مختلفة، لا مجال لسرد تفاصيلها نظراً لتعقيداتها الكثيرة. وإذا كنا، شخصياً، من أنصار الاتجاه الأول، ولو نسبياً، فلا بد أن نلحظ الحرفية الحاضرة في الرسوم المونوكرومية للبورتريهات، أو غير البورتريهات، الموجودة في المعرض، التي استوفت شروطاً أكاديمية ضمن الحدّ المطلوب، واستطاعت، في الوقت نفسه، أن تحافظ على حداثة النظرة إلى الرسم. إضافة إلى ذلك، يبدو أن الخط، عبر مكانته الخاصّة في الرسم في شكل عام، يحضر أيضاً في الأعمال التصويرية، من دون أن يكون هذا الخط فاصلاً ما بين مكوّنات اللوحة، بل كعنصر يعمل على تقطيع المتن في بعض الأماكن التي تمّ اختيارها بعناية من قبل الصانع، خدمة للمفعول البصري.

(السفير)

شاهد أيضاً

معرض متوسطي للفنون التشكيلية في ليبيا

افتتح أمس (السبت) في «قاعة الشهداء» في مدينة مصراتة، شرق العاصمة الليبية طرابلس، المعرض الدولي …