.

شربل داغر: القصيدة والزمن في الشعر العربي

أنطوان أبو زيد

يمضي الكاتب والشاعر والروائي شربل داغر في مساره الكتابي والنقدي إلى محطات جديدة، يقف فيها مستجليا أبعادا من الشعر العربي الحديث، بعدّته الفكرية والنقدية التي كان قد أرساها في أعماله السابقة، مثل: «الشعر العربي الحديث»، «القصيدة العصرية» (2013)، و «الشعر العربي الحديث»، «القصيدة المنثورة» (2015)، و «الشعر العربي كيان النص» (2013).
إذا، ينحو الكتاب الجديد للناقد شربل داغر، وهو بعنوان «القصيدة والزمن، الخروج من الواحدية التمامية»، والصادر عن «دار رؤية» المصرية، الى مساءلة الشعر العربي الحديث بنماذج ممثّلة، من مثل شعر نزار قباني، والكشف (ثانية) عن دور الإيديولوجيا (القومية السورية) في الأدب، شعرا ونثرا، والنّظر في مستقبل قصيدة النثر، بالفصل الثالث من الكتاب، وفصل رابع بعنوان: تنازع القصيدة بين فصاحتها وحداثتها، وفصل خامس بعنوان: بين النوع الشعري والزمن، وسادس عن زمن الحداثة في الخطاب عنها.
نزار قباني
في المبحث الأول الذي أراده الناقد داغر كشفا عن لغة الشاعر قباني الشعرية وعن عالمه الدلالي، اتّضح لنا منهجه النقديّ الذي يقوم على وضع النصوص (القصائد) التي اختارها الشاعر «مدوّنة» له، أو بلغة علماء اللسانية الحديثة، المجموعة الشعرية (قالت لي السمراء) التي يؤثر أن تكون موضوع دراسته من دون سائر المجموعات الخمسين، للمزيد من التركيز والتعمّق. وهذا ما لم نرَهُ في كتبه النقدية الأخرى ذات الطابع المعرفي الموسوعي.
واللافت في هذه الدراسة (المعمّقة) أن الناقد يشرع في دراسة مجموعته المدوّنة من مظهرها المطبعي، بداية؛ فيقارن بين طبعتي العام 1948، وعام 1983، ويستخلص فوارق دالّة على تبدّل ونضوج في لغة الشاعر قباني (أداة التنقيط، مثلا). ولكنه يترك جانبا مسألة درسناها في شعر خليل حاوي، وشعراء آخرين، عنيتُ ظاهرة الاستبدال والحذف (بين الطبعتين القديمة والحديثة) وهو (استبدال) قد يكون حاصلا بالكلمات أو بالصفات أو ببعض أدوات الربط التي وجدها الشاعر غير جديرة بتمثيل الزمــــن الذي وردت فيه.
ومن ثمّ يتصدى للهيئة النحوية التي كانت عليها القصائد، والتي دلّت على أنّ الشــاعر قبّاني لا يبتدع «إيقاعات جديـــدة»، وإنما يتـــناغم لديه التركيب النحوي العادي والمألوف مع التشكيلات العروضية، من خلال جُمَل ـ أبيات لا تترابط في ما بينها بروابط شديدة، وإنما هي تتابع حالات وفق «خيار أوّل» أو استراتيجية على ما يدعوه جان مولينو.
عناوين و معاني
ولدى نظر الناقد الى العناوين والمعاني التي تنطوي عليها قصائد المجموعة، وجد أنهــــا تتوزّع محاور أربـــعة: المحور الجبلي (الريفي)، والمحور اللوني، والمحور الجنسي (ولا ســـيما النهد)، ومحور الألفاظ الدخيلة أو العامية. ولا ينهي الـناقد بحثه إلا بدراسة البنية التخاطبية (التداولية) داخل القـــصائد، من خــلال دراسته «التكلم بين ثلاثة ضمائر: المتكلم والمخاطب والغائب».
المبحث الثاني، أو الفصل الثاني وهو بعنوان: «تواشجات الإيديولوجيا والحداثة: مبثوث الزمن»، ينظر فيه الناقد شربل داغر بإمعان الى إيديولوجيا بعينها هي إيديولوجيا الحزب السوري القومي الاجتماعي، كما تبدى في فكر أنطون سعادة؛ فلا يباشر الكلام على أثر الفكر السوري القومي في شعر كل من أدونيس ويوسف الخال وسعيد عقل وخليل حاوي، لماما، إلا بعد تعريفه بالإيديولوجيا نفسها.
كتاب شربل داغر الجديد، وإن يكن صادرا في العام الفائت (2015)، يطرح المزيد من التساؤلات، ويسلّط المزيد من الأضواء على مظاهر في الشعر العربي الحديث والمعاصر (القصيدة بالنثر).
ويعاود الكشف عن مكــــامن فيهما لافتة.
ولعلّ النـــقد الجيّد، إذ ينفذ إلى اعماق النـــصوص الأدبية، يخرج منها بأسئلة تحتاج الى المزيد من البحث والتقصّي، وبادوات نقدية أحدث، على ما فعل شربل داغر.

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق